نحتاج قبل أن نبدأ في تأسيس علم الاستغراب (الذي يعني: دراسة الغرب وحضارته) أن ننظر في مواردنا وما نملكه من قدرة، وحينئذ سنجد أنفسنا نتمتع بنقاط قوة، كما سنجد أنفسنا إزاء فُرَصٍ سانحة يمكن استثمارها، والفارق بين نقط القوة وبين الفرصة أن الأولى هي ما نملكه والثانية هي ما لا نملكه لكن القدر ساقه إلينا.

  1. نقاط القوة

أول نقاط القوة هي ما لدينا من نصوص الوحي، والتي تمثل الحقيقة المطلقة في وصف الإنسان ودوافعه وطموحاته وطرق ضلاله وطريق هدايته، فالتفقه في هذه النصوص يكوِّن حاسة البصيرة في أحوال الإنسان والأمم والحضارات وسنن قيامها وسقوطها وعوامل قوتها وانهيارها. ومن طبيعة نصوص الوحي أنها لا تتكشف إلا بالتعمق فيها وفي موضوعها، فلا يغني النظر فيها وحدها شيئًا، كذلك لا يغني النظر في الواقع وحده شيئًا، بل لا بد من اكتشاف الواقع بنور الوحي، وفهم الوحي عبر معالجة الواقع، وأوضح مثال على هذا هو قضية الإعجاز العلمي في القرآن، إذ لا يُعرف وجه الإعجاز في الآية إلا من خلال ممارسة العلم.

وثاني نقاط القوة هي ما لدينا من تراث تاريخي زاخر أخذ الغرب منه نصيبًا لا بأس به، وهو يشمل أقوال الصحابة والتابعين وكل المجهودات المبذولة علميًّا والتي تناولت الغرب بوجه من الوجوه، فإن فيها نظرات وآراء عميقة وسديدة، كتفسير عمرو بن العاص رضي الله عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “تقوم الساعة والروم أكثر الناس” بأن ذلك لأن “فيهم خصالًا أربعًا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة وجميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك”[1]، كما أن المجهود العلمي الطويل هو مجهود لا يمكن تجاوزه، بل إن بعض الأمور ليس للعالم فيها مصدر غير ما كتبه المسلمون، ولا شك أن حسن النظر وطول التأمل والتعمق قد يفضي إلى نتائج قيمة في تحليل كثير من الظواهر والمسائل ويحل كثيرًا من الإشكاليات.

وثالث نقاط القوة التي نملكها هي العدد الكبير من المسلمين في الغرب[2]، خصوصًا من وُلِدوا ونشؤوا في الغرب، بالإضافة إلى من أسلم من الغربيين، فأولئك يمثلون ثروة كبرى في علم الاستغراب بما لهم من معرفة قوية وطويلة بالغرب وتشربهم لثقافته وعاداته، إذ يُعدُّون صلة الشرق بالغرب من جهة ما لهم من معرفة بالإسلام وبما لبعضهم من معرفة بالعرب بحكم النشأة والأصول، فالمسلمون الذين يعيشون في الغرب أحرى أن يُرَكَّز عليهم في صناعة مستغربين، وذلك أنهم عبروا حواجز اللغة والثقافة وما إلى ذلك، فكانوا أقرب إلى فهم وهضم الثقافة والحضارة الغربية. كما أن الشعوب المسلمة في الغرب (شعوب البلقان مثلًا) تعد وسيطًا متميزًا لإنشاء الاستغراب وإخراج المستغربين، فإن ما لديهم من الإسلام والتاريخ يجعلهم – رغم كل ما جرى لهم من تشويه وسحق فكري – أقرب إلى تشرب الإسلام من غيرهم، كما أن نصيبهم من الغرب وحضارته يجعلهم أقرب إلى فهمها وهضمها، وقد ضربنا مثالًا سابقًا بعلي عزت بيجوفيتش الذي نراه نموذجًا للمستغرب المنشود. ومما ينبغي التنبه إليه والاستفادة منه أن لكثير من هؤلاء المسلمين في الغرب -سواء من يقيمون دائمًا، أو أقاموا فتراتٍ – إنتاجًا فكريًّا قيِّمًا عن الغرب وحضارته وعن تجاربهم الشخصية أيضًا[3]، وهذا الإنتاج متنوع ومتعدد الأغراض؛ منذ الغرض الدعوي المباشر – كما في إنتاج المراكز الإسلامية – وحتى الغرض الشخصي ككتابة المذكرات والرحلات السياحية. إن المراكز الإسلامية ذاتها تعد نقاطًا متقدمة لاحتضان علم الاستغراب واحتضان المستغربين واستضافتهم، وإمدادهم بالخبرة الطويلة التي تكونت عبر نصف قرن على الأقل[4].

رابع نقاط القوة هي كثرة المبتعثين إلى الغرب من الطلاب والباحثين، فإنه ببعض الإجراءات البسيطة والحوافز المشجعة يمكن الاستفادة من طاقات هؤلاء في أن يكونوا بذورًا لمستغربين، فإنهم في أول الشباب وهو ذروة النشاط وقلة الارتباط وقوة الطموح والشوق لتحقيق الإنجاز، كما أنهم مبتعثون بطبيعة الحال، فلا يكلف الأمر إلا قليلًا من التفكير والترتيب وربما القليل من المال للتحفيز أو تغطية بعض التكاليف الزائدة.

خامس نقاط القوة هي ما تملكه بعض البلدان وبعض الأثرياء من القدرة المالية على تمويل بحوث وبرامج في مراكز الدراسات والمعاهد البحثية في الغرب، لا لدراستنا نحن أو لمنع تشويه صورتنا كما هو الحال فيما سبق، بل لتقديم دراسات وبحوث عن الغرب نفسه. ويمكن اعتبار هذه خطوة أولى في دراسة الاستغراب حتى نبني وننشئ مؤسساتنا وإلى حين نضوجها، بل إن التعاون مع هذه المراكز البحثية يساعد في تدريب وتأهيل كوادرنا ومؤسساتنا البحثية وأقسامنا الجامعية المزمع إنشاؤها لدراسة الغرب.

  1. الفرص

وأما الفرص المتاحة للشروع في علم الاستغراب فأولها: ما أنتجه الغرب عن نفسه وصفًا وتشريحًا وتحليلًا، من بحوث أو مواد صحفية أو برامج تلفازية، وذلك أن الدراسات التي كتبها الغربيون عن أنفسهم توفر لنا وقتًا كبيرًا في كثير من الأشياء التي ينبغي بحثها، وهي – في أسوأ الأحوال، وعلى أقل تقدير – تقدم لنا خلاصة رأي لا بد سنحتاجه في فهم وتفسير ما يحدث في الغرب وفي تفسير الغرب لنفسه. وقد صدرت في هذا الباب بحوث كثيرة قيمة لا يمكن تجاوزها في رصد ما يحدث وتوقعاتهم لما يترتب على هذا الرصد في المدى القريب والبعيد. وتزيد قيمة هذه البحوث لأن ثمة عادة أو ثقافة ترسخت لديهم في الشفافية والمصارحة البحثية، حتى إن التقارير الإدارية لعدد من الشركات الاقتصادية – والتي تنشر علنًا – تكشف عن نقاط الضعف فيها وعن التهديدات المحتملة من المنافسين وعن خططها القريبة، كذلك فإن المؤسسات الدولية التي أنشئت لتوفير المعلومات أو تبادلها أو مراقبة الجودة عملت على زيادة حركة تدفق المعلومات عن الشركات والمؤسسات والمصانع، وهذا بالإضافة إلى زيادة الصحف ووسائل الإعلام وصدور العديد من الصحف والقنوات والشبكات المتخصصة في جانب بعينه. لقد أدى كل هذا إلى حركة تدفق غزيرة من المعلومات، حتى صارت هذه الغزارة من عوامل التشوش والفوضى المعلوماتية، إذ إن خلو حركة الحرية من الأخلاق ووجود مراكز قوى ونفوذ إنما يؤثر على صحة المعلومة ودقتها.

وهذا عائد – فيما أظن – في أصله إلى أمن العاقبة مع الفارق الكبير بين الغرب وبين خصومه، بسبب من هذا التخلف المزري الذي يعيشه العالم الإسلامي، مع حرص الغرب على استمرار هذا التخلف وبقائه.

ولا يعني هذا أنه ليس ثمة أسرار بل إن بحوثًا كثيرة علمية تحظى بالمكان السري[5]، خصوصًا ما كان منها في أسرار الصناعات أو في الجوانب الأمنية والعسكرية، لكن هذه الجوانب لا تخص البحث في علم الاستغراب، فهذا العلم إنما ينصب على فهم الغرب وحضارته، وكل هذا إنما يدور في الإطار العلني والمعلومات المبذولة المتوفرة.

وثاني هذه الفرص هي ما لدينا من تراث المتغربين أنفسهم، فما كتبه المنبهرون بالغرب – وإن كان من علامات نكبتنا الحضارية – يمكن اعتباره فرصة من حيث إنه أراد أن يعطينا صورة صادقة عن الفكر المطروح، فَنَقله عندنا وروَّجه من يؤمن به ويُجمِّله، لا من يكرهه ويعاديه فيُخشى من تأثير ذلك على طرحه، فهي صورة للفكر الغربي في أحسن صوره، وبذلك وَفَّر علينا القوم عمليات ترجمة وتتبع وتحليل واستخلاص، وبقي أن ننظر في هذا التراث نظرة الدارس الفاحص المتأمل المنطلق من أصوله الإسلامية. ولقد زاد في مظاهر النكبة – الذي نعتبره في هذا الموطن من الفرص – أن كان لكل مذهب غربي بعضٌ يمثلونه في بلادنا، فظهر لدينا أتباع الوجودية والوضعية المنطقية والشخصانية والجوانية والماركسية والديكارتية… إلخ.

وثالث هذه الفرص هي أن التراث الفكري الغربي مجموع ومخدوم، فلسنا سنعاني مجهودًا كبيرًا في الجمع والفهرسة والتحقيق كالذي عاناه المستشرقون في جمع التراث الإسلامي وتحويله من مُفَرَّقٍ إلى مجموع ومن مخطوط إلى مطبوع، بل إن تطور علم المكتبات وقيام مؤسسات كبرى في جمع التراث الإنساني كله قد سهل من عملية الحصول على الـمُراد بأيسر الإجراءات.

ورابع هذه الفرص هي الثورة الإعلامية، فالجالس في البلاد الإسلامية باستطاعته متابعة العديد من وسائل الإعلام الغربية، المقروءة والمسموعة والمرئية، وهذه النوافذ التي لم تكن متاحة من قبل إلا بالسفر صارت الآن متاحة بضغطة زر، فهي تمثل أبوابًا واسعة لمتابعة الغرب ومجتمعاته وما يدور فيه، بل إن العربي الذي لا يجيد لغة غربية واحدة يستطيع أن يشاهد العديد من القنوات الأجنبية المترجمة، لا سيما قنوات الترفيه والأفلام، ونعم فإن هذا من ظواهر التغريب في بلادنا إلا أنها في ذات الوقت فرصة يمكن من خلالها الاطلاع على الغرب واكتناه بعض جوانبه، وسنجد كثيرًا من هذه البرامج تعبر أصدق تعبير عن بعض الجوانب العميقة في الشخصية الغربية[6]، وفي الفروق بين الغربيين كذلك.

وخامس هذه الفرص هي ثورة الاتصالات التي وفرت سهولة واسعة في متابعة التفاصيل الصغيرة، حتى المدونات الشخصية وصفحات الفيس بوك وتويتر وأمثالها، ومع ذلك سهولة واسعة في إنشاء العلاقات ومتابعة أنشطة الحياة في الغرب. لقد فتح الإنترنت آفاقًا لم تكن تخطر على بال في انتقال المعلومات والانفتاح على كافة المجالات والتعاون بين ذوي الميول المتشابهة في تطوير أنفسهم وتنميتها والتواصل مع أرباب هذه المجالات.

إنه لا يسع علم الاستغراب أن يتجاهل عالم الإنترنت، بل إن مواقع التواصل الاجتماعي تحتاج فرقًا متخصصة لتحليل المواد المنشورة عليها، تتوفر على دراستها وقراءة اتجاهاتها واستبطان أعماقها.

إن ثورة الاتصالات هذه تصب في صالح الأضعف أكثر مما تصب في صالح الأقوى، وإن كان الأقوى هو الأكثر استفادة منها في الواقع، ويورد الباحثون أن ما حصلته الهند والصين بأثر من «سيولة المعرفة» من شأنه أن يمثل «تحديًا للولايات المتحدة نفسها حتى تطور من نفسها بسرعة، وتحافظ على مكانتها في هذا الكوكب»[7]، وذلك لأن الإنترنت اختصر على الدول والبشر مجهودًا رهيبًا في الحصول على المعلومات أو التواصل بين الأفراد والجهات لم يكن ممكنًا من قبل إلا بإنفاق مالي وإمكانيات طائلة في كل المجالات.

——————————-

[1] مسلم (2898).

[2] بحسب موقع «كتاب الحقائق» التابع للمخابرات الأمريكية، يبلغ عدد المسلمين في أمريكا نحو مليونيْ مسلم، وبحسب إحصائيات عديدة يتراوح عدد المسلمين في أوروبا بين 44 – 53 مليونًا (بما في ذلك الأتراك في الجزء الأوروبي من تركيا).

[3] من ألطف ما يمكن أن يُضرب به المثل هنا هو كتاب د. باسم خفاجي «رهن الاعتقال» والذي سرد فيه تجربته إذ كان معتقلًا في السجون الأمريكية لمدة أحد عشر شهرًا، فكشف بهذا الكتاب عن بيئة لا يصل إليها الباحثون، ولئن وصلوا بعد عنت فلن يتمكنوا من التعمق في تفاصيلها كالذي عايشها، وليس المقصود بيئة المجرمين فحسب، بل طبقاتهم ومشكلاتهم ووسائل تحايلهم على القانون، وثغرات القانون، وجهاز الشرطة نفسه ونقاط التقاء المتناقضين في التهريب والمصالح المتبادلة ونحو ذلك.

[4] ليس يخفى على كاتب هذه السطور ما يعانيه المسلمون في الغرب من مشكلات اقتصادية واجتماعية وثقافية، مما يبدو للوهلة الأولى وكأن ما يُقال هنا من قبيل الأحلام، لكن كل هذا لا يعيق الاستفادة من هذا العدد الكبير من المسلمين الذين يعيشون في الغرب، بل قد يكون مشروع الاستفادة منهم هذا هو ذاته بعض الحل لمشكلاتهم تلك.

[5] ذكر د. مازن مطبقاني في ورقة بحثية عن «قضايا الدراسات العربية الإسلامية في الغرب» أنه زار باحثًا أمريكيًا يعمل في مؤسسة راند بكاليفورنيا، وعرف أنه قام ببحث حول الأوضاع الأمنية في السعودية، واعترف له الباحث بأن بحثه سري. انظر ص8.

[6] يكاد يكون البرنامج الترفيهي الأمريكي «كل شيء مقابل المال» هو أصدق تعبير عن المادية في أقوى صورها، وهو من نوع برامج «الكاميرا الخفية» وتعتمد فكرته على طلب شيء في غاية السخافة أو الإحراج أو الإهانة من أحدهم، فيرفض بلا تردد، ثم يظل المذيع يفاوض ويعرض سعرًا أعلى لما يطلب حتى يصل إلى النقطة التي يُستجاب له فيها، وما أقواه من مشهد!

[7] تقرير التنمية الإنسانية العربية – 2009، ص13.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الغرب
عرض التعليقات
تحميل المزيد