لما قام الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013م، أو لما اكتملتْ صورة الانقلاب في ذلك اليوم شعرتُ بأن مجموع الإخوان في مصر كانت أيديهم في الماء المثلج ثم تم وضعها غفلة أسفل النيران الملتهبة، والشواهد هنا أكثر من أن تحصى، ومنها تحذير البطل الشيخ «حازم صلاح أبو إسماعيل» عقب 30 يونيو بأن الانقلاب صار وشيكًا، ورد عليه الدكتور «عصام العريان»، فك الله أسره، وحفظ جميع المعتقلين ورحم ميتهم، قال الدكتور «العريان» بوضوح إنه لا يرى الانقلاب العسكري إلا في ذهن الشيخ «حازم صلاح»، ولم يكن تبقى على تمام الانقلاب سوى ساعات.

أما اليوم فإنني أشعر بوضوح أن أيدي الجميع، بخاصة الشرفاء ممن خرجوا من مصر، في الماء الساخن الملتهب، تبدلت الأحوال إذًا، ولكن هل الحل أن تصير أيدينا، في النقيض تمامًا، دون تفكير في حل؟ كرب وهم وغم. من ذا الذي يستطيع الإنكار أنه لولا يقيننا بالله وفرجه ورحمته لانفجرت من المئات شرايين وأوردة من فرط ما تلاقيه. ولكن أين العمل الذي يؤدي إلى حل؟!

صاحب هذه الكلمات عاهد الله من بعد الثالث من يوليو 2013م، وبعد إصابة كادت تذهب بروح زوجته لولا أن لطف الله، وبعد طرد من عمله إثر تقصير ممن لم يتوقع منهم تقصيرًا، بعد كل هذا عاهد صاحب هذه الكلمات الله ألا يُؤتى على حين غرة، وألا تسوقه الملابسات التي لم يحسن «الجمع» قراءتها إلى ما لا يحمد عقباه مرة أخرى، فيما كان قد اكتفى وشرب وشبع حتى الثمالة من مقولة:

ـ أصل إخوانك اللي فوق عارفين كل حاجة، وأكتر مما تقول!

وكأن عدو «هؤلاء» صار الذي ينبههم إلى الأخطار، لا الأخطار نفسها!

(1)

أراقب في صمت منذ أكثر من سنة الكلمات التي نرددها في مجالسنا الخاصة، كصف ثوري أحيانًا، وفي مجال العمل أحيانًا أخرى، ومع طرف قادة التحالف أحيانًا ثالثة، التحالف الوطني لحماية الشرعية، ومع أعضاء من جماعة الإخوان مرات أخرى، وبهدوء بدأتُ أراقب نوعين من الناس، مع حرصي على عدم تبادل الحديث إلا مع العقلاء من الجميع، فمع احترامي لكل شريف مهاجر إلا إنه في أوقات الأزمات هذه ترى الخبث الذي لم تكن تتوقعه من آسف، ويُقبحُ المندسون الصفوف، ولا تجد حلًا لإخراج أحدهم من الصف بعد ارتكابه موبقات واضحة، واعترافه بها، بل يُقال لك: عرف أسرارنا فكيف نطرده؟ وفي المقابل لمستُ وعرفتُ القليل جدًا من الناس بشكل خاص يداومون على خطايا لا تغتفر ويقبلهم الصف، أوقات أزمات هي، أصحاب الذمم الخربة موجودون، وإن قلوا فله الله الصف، الشاهد إنني لاحظتُ وراقبتُ أن الأكثرية من سياسيين وإعلاميين وأحيانًا حقوقيين تقول في المجالس الخاصة ما لا يُقال في المقالات ولا على الشاشات، وغيرها من المنابر الإعلامية، بل ما هو أكثر إن واحدة من أمهات الشهيدات الشهيرات، السيدة سناء عبد الموجود زوجة البطل الدكتور البلتاجي وأم الشهيدة أسماء، والمعتقل أنس، قالت لي بالحرف:

ـ نعم يا بني ما زلتُ أردد رغم ما أصاب أسرتي كلها إنه يجب البحث عن حل ينهي المأساة الآن في مصر، وإن كان التراجع وقتيًّا والقبول بالأمر الراهن والاستعداد لمعاودة المعركة بعد حين نكون فيه أكثر استعدادًا لمواجهة أعدائنا. أما فكرة النصر الذي سيتنزل علينا دون استعداد أو أخذ بالأسباب فلا أدري من أين جاؤوا بها؟

(2)

الفريق الثاني يقول إن نصر الله قادم إليه لا محالة، وإنه إذ ينتظر فقد قدم كل ما لديه، وقيادات تقول لك:

ـ إذا استنفدنا الوسع ولم يبق بمقدورنا شيء يأتي نصر الله بإذن الله!

فتصرخ فيه من مجامع قلبك:

ـ إذا استنفدتَ الوسع ولم يأتِ النصر، فما ذاك إلا لأنك تمضي «قدمًا» في الطريق الخطأ!

فيصمت تمامًا.

أي نصر يا سادة ذلك الذي تنتظرونه؟!

رددتم إنكم مثل الراحل «هوجو شافيز» في «فينزويلا» عام 2002م إذ أعاده الشعب بعد أيام من انقلاب الجيش عليه، ولم تراعوا الأبعاد الأكثر من كثيرة ومنها اضمحلال الوعي عند الشعب المصري، ثم قلتم إنكم عائدون لا محالة والوضع الدولي يأبى الانقلابات ويرفضها. فقبلها العالم كله، وظللتم ترددون أبشروا بعشرات الواوات على صفحات التواصل الاجتماعي، ومع احترامي لميدان رابعة بل محبتي الشديدة الجارفة له، إلا إننا ظللنا نُصلي، مع عظيم تقديري للصلاة لما تتضافر مع العمل الصالح الكامل والسعي في الأرض والأخذ بالأسباب، وندعو الله ونحن لا نحسن سياسة ولا تواصلًا مع العالم، بل تم خداعنا والزج بنا زجًا في معترك الرئاسة، ثم اعتصمتم تكرارًا لسيناريو يناير المدعوم من الجيش بل أمريكا للتخلص من جمال مبارك، وعقب الفض أضعتم كل فرص التفاوض بقلب بارد، وقلتم دم الشهداء، وهي على العين والرأس ولكن ماذا وكل يوم يسقط لنا أكثر من شهيد، ثم غادرت القيادات الباقية مصر، ولله در رجال من ذهب هم بالفعل أشرف ما في الجماعة محبوسين وشهداء، لتتفرغ للخلاف مع بعضها بعضًا في محاولة لتصفية الجماعة، وما زلتم نائمين تحلمون بالنصر الذي لا يجيء وأنتم لا تأخذون بسبب يؤدي إليه، ولا تحسنون صناعته، وتضيعون مقدراتكم بل مقدرات الأمة في الخلاف ونتيجته تتركون الخبث في الصف لا تستطيعون التغلب عليه لأنه، وإن قل عدده لكنه موجود مؤثر، يُمسكُ عليكم ما لا تستطيعون مواجهته به وكم من حقوق تضيع؟ وأعراض تنتهك لأنكم متخاذلون عن القرار الصائب؟ وليس الأمر بمصر وحدها من آسف ولا أزيد!

(3)

عشرات الآلاف من المقالات، حتى الآن، تقول بالنصر والفرج القريب، وصناعة مخدرات عقلية تجري على قدم وساق وتقوم بها أقلام مفترض العقل فيها، مع الاحترام للجميع، ماذا لديكم من جديد؟ والجماعة تتناحر ويأكل بعضها بعضًا، بل إنها تعيد سيناريو الثورة الفرنسية لكن بالمقلوب، أي إن قيادات الإخوان تصفي بعضها بعضًا وبالمقصلة التي أقرها لويس السادس عشر، وقُطعتْ رأسه بها في النهاية، خلال الثورة الفرنسية «1789ـ 1799م» وأقصد المعنوي منها بالطبع، والذي يسرق في الجماعة فقد سرق أكثر منه قوة ونفوذًا ويحاسب السارق الأقل ويبقى الأكبر، من يستطع تبديل عقود يُبدل ويضع اسمه في خانة المشتري وهو قيادة ولا يهتز له جفن ولا يراعي الله تعالى، وهناك ما هو أكثر من فاسق وفاجر وغير طائع لله ولا أزيد يمرحون في الصف في الغربة، ولا حياة فيمن تنادي، والكل مستبد برأيه.

لكم الله أين العقل منكم كيف تحكمون؟ وما الفارق بينكم وبين غيركم؟ وأعرف ما يندى له الجبين وإن كان من قلة، والسياسة العامة للجماعة لا تواجه مخطئًا ولو كان صاحب خطيئة، ويقال لك مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم، كان به زناة وسرقة، وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يترك آحادهم يمرح ولا يحاسبه، ليصبح الصف كله عرضة لانتشار قبحهم. وصدق الشيخ «عبد السلام البسيوني» الداعية الأشهر المسجون، إثر عودته من جنوب أفريقيا في ديسمبر الماضي لزواج الزهراء ابنته في مصر، ولعل الرجل لا يزال مُغيبًا:

ـ هؤلاء لا يستطيعون إدارة مصنع لـ«الطرشي» فكيف يديرون دولة؟!

نقل لي الكلمات عنه سامع تلقاها عنه ولستُ في حل من ذكر اسمه، أما الشرفاء فيمتلئ بهم صف الإخوان. ولكنهم مهمشون لا أحد يسمع لهم، والقيادة تصنع لنفسها طبقة «الكريمة» التي تطبل وتزمر لها وتحسن لها قرارتها وتغدق عليها الأموال. وكل معادٍ لقراراتها يجتمعون عليه تشكيكًا بل أحيانًا سبًا، وإن كان الأخيرون أصحاب رأي وفكر مشهود لهم.

ولها الله جماعة الإخوان، وله الله الصف الثوري، ولها الله مصر، وللحديث بقية ما دام في العمر بقية!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد