نعم يا رفيقي.. هذا اللاشيء الذي تسمع صداه ردًا على سؤالي أو عدم اتفاق خمسة أفراد منا على إجابة واضحة ذات ملامح واقعية، هو “في رأيي” سبب الانقلاب على مطالب ثورتنا ثلاث مرات متتالية “طنطاوي، مرسي، السيسي”!

نحن من سالت دماء أصدقائنا وإخواننا على الأسفلت قبل مهرجان البراءات للجميع. استغل الأوباش و”تجار البضائع الرائجة” عدة مرات نيتنا الصادقة في إحقاق الحق وشنق الباطل.

وللتوضيح أكثر، لم يكن سؤالي هو: “سقط السيسي” فـ “من سيحكم بعده؟”، فهذا المنطق البائس هو ذاته ما كان يطرحه كثيرون في عهد المخلوع وذروة فساده، وهو يزرع في عقول الجميع بمؤسساته الفاسدة وأذرعتها الإعلامية الخبيثة أن لا حاكم ولا حكيم ولا مسيطر إلا هو!

الثورة هي “القضاء” على السلطة المطلقة واقتلاع جذور الاستبداد والفساد برمتها “يتبعها” “غرس” الأدوات البديلة المتفق عليها مسبقًا لتحل محل ذلك العفن الذي استقر وعشش داخل مؤسسات الدولة.

تأمل جيدًا السطرين السابقين لتعرف أن هناك لغطا كبيرًا في المعادلة من جانبنا، مما أدى للنكبات الثلاث التي مررنا بها، ففي دولة الظلم، لن تُمنَح الحق وإنما ستنتزعه انتزاعًا.

معرفة الإجابة تحتاج لمذاكرة بعد أن نتفق جميعا بأي سنة دراسية نحن، وأي منهج سنذاكر! وليس كما يقول البعض “بس يسقط النظام ونبقى نشوف”، أو أن الثورات يجب أن تكون هكذا.

لا منهجية ولا “قادة” محنكون يتم إفرازهم من رحم الصفوف الثورية الأولى! فقد أسقطنا وساعدنا بالفعل في إسقاط ثلاث رؤوس كرتونية. ولغياب الإجابة عن جعبتنا، نجح غيرنا في الامتحان برغم غشهم وفسادهم، ولكنهم امتلكوا الإجابة التي تمثلهم وتؤهلهم لـ”فصل دراسي جديد”. وحتى الآن لم يمس أحد كلاب الرأس مالية المسئولين عن المستنقع الذي نغرق فيه!

كم من مرة قلنا لمعارضينا تعلموا من أخطائكم. فـ”الحماقة أن ترتكب نفس الخطأ مرتين وتتوقع نتيجة مختلفة”. فماذا عن ارتكاب الخطأ ثلاث مرات؟ ماذا عنا نحن؟!
ألم يكن من الحماقة أن نعتقد بأن الجنرالات وفلول المخلوع سيتركون نظامهم ودولتهم الفاسدة العميقة تسقط بأكملها بمجرد سقوط الرؤوس الكرتونية، ولن يقاوموا ويحاربوا بأذرعتهم التي تم غرس جذورها على مدار أكثر من 60 عامًا؟ لنسهل لهم المهمة بعدم الاتفاق على طرح حقيقي يصطف خلفه كل مكلوم ومظلوم وصاحب حق ضائع من الملايين التي كنا معها يوما ما، و يتم إعادة تدوير عقلها الآن!

 

ولأننا بجانب إنسانيتنا التي نحاول أن نحافظ عليها، وعقولنا التي تأبى أن تتوقف عن التأمل من أجل الوصول إلى الحق في زمان الـ”نضحي بشوية عشان الوطن يعيش” و”بتكتب ورايا يا أحمد”، و”اقتلوهم كلهم”، و”إيه اللي وداها هناك؟”!

 

كنا أيضا لا نمتلك الإجابة صاحبة الدرع القوي ضد كل من يريد أن يتلاعب بها، فاستخدمنا المتلونون والمصلحجية ذوو الإجابة الجاهزة صاحبة البضائع الرائجة والألوان البراقة. فكانت النتيجة عدة مرات أن “أخدوا السلم معاهم فوق”، وتركونا نُقتَل ونُعتقل ونتجرع أوجاعًا جديدة، ومن خلفنا شعب “التعليم المجاني” المسكين يكمل حفر قبره بيده فيسلم رقبته تارة لسيف “خائن” لا يقطع رقاب الباطل إذا كان ذلك الباطل سيسانده يومًا ما، وتارة أخرى لجلاد “مرهف الحس” لا يعبأ ولا يكترث إذا كان سوطه يقطع أجساد الأبرياء.

 

أقولها يقينًا وفقا لما رأيناه ولازلنا نراه جميعا بأم أعيننا على “أرض الواقع”. وإذا كان حقًا من وقعت عيناه على الكلمات المتواضعة هذه، يعبأ لبلده المنهوبة، ودماء عائلته وأصدقائه التي أهدرت بغير حق، ويود أن يصب بركان غضبه على الظالم المتجبر فيسوقه إلى مقصلة تقتص منه، ليبني دولة صاحبة ذراع قوي تحاسب كل من تعامل معها على أنها تكية “عائلته”:
فكل من كان بالميدان يحتاج أن يراجع ضميره “الآن” ويسترجع مواقف القيادات التي اعتبرها يومًا ما “تابوه” لا يجوز ولا يصح ولا يُسمَح المساس بها. لا حقيقة مطلقة، ولا شخص اتبع الحق على طول الطريق. كلنا أخطأنا، وإلا لما كنا في وضعنا الحالي!

فتلك العاصفة التي اٌقحمنا بداخلها من جديد، ما هي إلا نتيجة عدم اتفاقنا على “طاقم سفينة” بعينه يمتلك “خريطة النجاة” وبإمكانه إدارة دفة هذة التكية الغارقة في النكبة تلو الأخرى والقرصان تلو القرصان!

أقول ما رأته عيني وسمعته أذني، بعد أن تيقنت من أنه لولا نخبتنا التي تمارس السياسة كالعاهرة الماجورة أو كصاحب الحق الجبان، ما وصل حالنا لما نحن عليه الآن. وما أنا أكثر إيمانا بالقضية ممن يقرأ تلك السطور الآن، ولكن أحمد الله أنني لم أعقد يومًا صفقة كان نتاجها ردم الحلول، أو كتبت مقالًا مستهينًا فيه بدم إنسان مظلوم أو آخر مغيب ليس له ذنب في قياداته التي استخدمت ثقافتها وسلطتها وحنكتها في أن تزج به في النار.

فالمواقف كثيرة بداية بمحمد بديع الذي أكد أن المخلوع هو “أبو المصريين” مع صفقات تحت القبة كانت لا تعد ولا تحصى، وبعدها رفض النزول إلى الميادين في 25 يناير، ومرسي والخروج الآمن لطنطاوي وعنان، واعتبارنا قلة مندسة مخربة “حلال دمها” يمكن القضاء عليها من أجل أن يعيش الوطن، ناهيك عن تعيين السيسي وزيرًا للدفاع وهو صاحب فضيحة كشوفات العذرية، وهو أيضًا المسؤول في الجهات السيادية عن قتل المتظاهرين “كما صرح مرسي”!

ثم البرادعي وتصريحاته بأن يجب الاصطفاف مع “ما يسمى الفلول” لإسقاط نظام الإخوان. وصولا إلى حمدين الذي تحالف مع البرادعي وفلول المخلوع، ثم وافق أن يكون “كومبارس لن يكتمل الفيلم من دونه” في مسرحية هزلية كانت نتيجتها هو توحش الغول الذي يذبح كل من ساند ثورة يناير التي أزعجت نوم الفساد، فاستيقظ ليثأر وينتقم.

 

ولا أقصد تمامًا شيطنة أحدٍ ممن ذكرتهم سلفًا. ولكن ما من ملائكة يعيشون بيننا على الأرض، ويجب أن نسأل أنفسنا جميعًا، إذا كانت القيادات جميعها لم تخطئ، فلمَ إذن أنهار الدماء تلك التي نسبح فيها جميعا على مدار السنوات الأربع الماضية؟!

لست بخبير إستيراتيجي أو سياسي محنك لألوم مواقفهم، ثم اُنظر بأن الأصح هو هذا أو ذاك، لا أعلم حقيقةً ما هي المواقف البديلة، ولكن من تصدر المشهد وحشد خلفه الجماهير ليوصلنا إلى عصر الفاشية الذي نعيشه الآن هو المسؤول أمام الله وأمامنا جميعا عن دم شيماء وسندس والضابط أيمن “رحمهم الله جميعًا”، والذي بات يختلف على دمائهم كثيرون هل حلال أم حرام إزهاقها!

وإذا كان ما يحرك المؤمنين بمطالب ثورة يناير من الشخصيات العامة وكوادر الأحزاب والحركات وأصحاب الكتب والمؤلفات هو حقا “دولة” لا منهوبة ولا تقتل أبناءها، دولة يقوم أساسها على العدل والتعددية، فلمَ لم يجتمعوا جميعا ويتوافقوا تحت راية وفكر ومبادئ توحد ولا تفرق للخروج من الأزمة، كـ”جبهة الإنقاذ” التي توحدوا فيها مع الفلول لإسقاط مرسي، الذي بتنا نترحم على عهده برغم أخطائه وهفواته، بل ومشروع جماعته؟!
شهيدة الورود شيماء الصباغ التي لم تبحث عن أضواء الكاميرات أو الكلمات الرنانة والصفقات السياسية المشبوهة، اكتفت بأن تعمل على الأرض في الأحياء الفقيرة والهيئات العمالية. عرفت إجابتها جيدا وآمنت بها ودونتها قبل استشهادها في سبيل الوفاء لدماء المظلومين وإحقاق كلمة الحق.

شيماء الصباغ2

 

وإذا كان ما كتبته شيماء هو رأي أو وجهة نظر أو حتى مخرج من ضمن مخارج عديدة، فأين قياداتنا التي كان نتيجة انصياعنا وراءهم هو ما نحياه الآن من حرب استنزاف فلولية تعوض تأخيرنا لعجلة فسادها ونهبها سنتين أو ثلاث، بمعارك شنعاء على جميع الأصعدة من أجل استرداد أضعاف ما خسروه؟!

 

لم تقضِ الثورة على من ثارت عليهم. وما فعلناه هو أننا “نكشنا البقرة المفجوعة” التي كانت ترمي لنا الفتات، فثارت علينا وماجت وعاونها رفقاؤها في الحظيرة!

لا شك أننا تعلمنا بعد براءتهم المزعومة وعودتهم اللامحمودة أن المرة القادمة لن يكون هناك أي “نكش” بالاستماع للمقولة الزائفة “دولة القانون” و”المحاكمة المدنية”، وسنقتص بمحاكم ثورية كونها الذبح لرقاب الفساد، ولكن ما ساعدهم على العودة الآن، هو عدم امتلاكنا إجابة على السؤال؛ “سقط النظام.. ماذا بعد؟”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد