نعم.. ما يتهمون به الفلسفة صحيح!

بداية فإني أحي القارئ الذي اتخذ القرار وفتح هذا الرابط للاطلاع بالرغم من عنوان المقال، فكلمة فلسفة كلمة سيئة السمعة في مجتمعاتنا، فهي كلمة مقترنة أولًا بالغموض والتلغيز، فعندما يتحدث أحد كلامًا يبدو لمتلقيه غامضًا أو غير مفهوم، يكون الرد (بلاش فلسفة)، أي أن هذا المتلقي يستنكر لجوء محدثه إلى كلام غامض وعام، لا يعطي إجابات مباشرة ولا يشير إلى تحرك آني وسريع. كما أن المشتغلين أو المهمومين بها، أي الفلاسفة، متهمون دائمًا بأنهم يعيشون في أبراج عاجية، أي منعزلون عن الناس، لا يشغلون أنفسهم بمشاكل المجتمع وهمومه، بل يتناول إنتاجهم الفكري مشاكل بعيدة عن الواقع المعاش، أو حتى يختلقون مشاكل وهمية لا تشغل الناس ولا تهمهم، ويصرفون كل طاقتهم في المحاورة والجدل حول هذه المشاكل. وأخيرًا، وليس آخرًا، فإن الفلسفة متهمة أيضًا بأنها الباب الذي يفتح الطريق على الإلحاد والخروج عن الملة، لذلك فهي شر مستطير، ومن الأفضل دائمًا غلق هذا الباب بمليون قفل، وإلقاء مفاتيحها بعيدًا في غياهب المحيطات!

  ومع أنني أهيم عشقًا بالفلسفة، بل وأتنفسها مع كل شهقة هواء تدخل صدري، ومع أن الغرض الأساسي من هذا المقال، ومقالات قادمة، هو تذويب الجليد، إذا كان موجودًا، بين القارئ والفلسفة، إلا أنني لن أنفي تلك الاتهامات السابقة للفلسفة؛ لأن بالفعل لها جذورًا وليست بلا أصل.

1- لغة الفلسفة

بالنسبة إلى الاتهام الأول، وهو اقتران الفلسفة بالغموض واستخدامها ألفاظ ومصطلحات غير متداولة أو غير مفهوم معناها، فهو اتهام صحيح بمعنى ما. فالفلسفة لا تستخدم لغة الحديث اليومية، أو لغة السوق حسب اصطلاح فرانسيس بيكون، بل تشتق وتنحت لها مصطلحات خاصة بها وألفاظ على درجة من التعقيد والرقي sophisticated لا تشير بشكل مباشر إلى ما هو عادي ومألوف. ذلك لأن الفلسفة تقوم بمعالجة مشكلات وأمور لا نواجهها بشكل روتيني في حياتنا اليومية، كما أنها، أي تلك الأمور والمشكلات، ليست بسيطة، وعلى درجات مختلفة من التعقيد، ولذلك فإنه الطبيعي أن يكون الكلام والكتابة الفلسفية تتميز درجة أو بأخرى من الغرابة والغموض بالنسبة للفرد العادي غير الملم بها.

في الحقيقة فإن استخدام مصطلحات وألفاظ خاصة، لا يقتصر على الفلسفة وحدها بالطبع، فكل فرع من فروع المعرفة، العلوم المختلفة مثلا، له مصطلحاته الخاصة، التي غالبا لا يعرف معناها أو دلالاتها سوى المتخصصين في هذا الفرع من المعرفة أو العلم، مثل المصطلحات الخاصة بعلوم الكيمياء والفيزياء والأحياء والطب والهندسة.. إلخ، لكن في حين أن تلك المصطلحات الخاصة بالعلوم، تقابل باحترام وتبجيل حتى من الجاهلين بها، فإن مصطلحات الفلسفة، تقابل بالسخرية والاستهزاء. والسبب مفهوم، فالناس تدرك، ولو حتى بشكل غير مباشر، فائدة تلك العلوم وإنجازاتها وأثرها المباشر على حياتهم اليومية، لكن في النفس الوقت تبدوا لهم الفلسفة، بلا فائدة ولا مردود على حياتهم!

Related image

2- برج الفلاسفة

  أما بالنسبة للاتهام الثاني، وهو أن من يسمون بالفلاسفة يعيشون في أبراج عاجية ومنفصلون عن المجتمع، فهو أيضا اتهام لا يخلو من الصحة. فالفلاسفة لا يبدون غالبا اهتمام بالمشاكل اليومية المباشرة، وفي كثير من الأحوال يحتقرون ما يشغل بال الفرد العادي، حيث يرونه يفكر في أمور تفاهة وسطحية. ذلك لأنهم، أي الفلاسفة، هم هؤلاء الذين يهتمون بالكليات لا الجزئيات، هؤلاء الذين يبحثون بعمق ويحفرون بحث عن جذور الظواهر والمسائل والمشاكل، ولا يكتفون بالأسباب المباشرة الشائع تداولها بين الناس، ثم إنهم يرون الاستغراق في المشاكل اليومية والتفاصيل الصغيرة العديدة يمنعهم من رؤية الصورة كاملة، فهم في حاجة إلى التحليق عاليًا لكي يبصرون الأمور في شموليتها وكليتها. ثم أخيرًا، وليس آخرًا، فهم يميلون إلى الابتعاد عن المناقشات التي يجريها الفرد العادي، للأسباب السابقة، ويخلقون لأنفسهم مجتمعات خاصة بهم، فيها يتناقشون ويتجادلون، بل يتصارعون حول تلك الأمور التي يشعرون بأهميتها بالفعل، ومع أشخاص لا يستغربون أو يستهجنون المصطلحات والألفاظ الخاصة التي يستخدمونها. من أجل كل ما سبق، وغيره، فإن تلك الفئة من الناس، الفلاسفة، بالفعل يعيشون على مسافة من المجتمع العام، وينخرطون في دوائر صغيرة تجمع كل واحد منهم مع من يشاطرونه نفس الاهتمامات.

3- الفلسفة.. إلحاد أم تمرد؟

وأخيرًا، فبالنسبة للاتهام أن الفلسفة تسبب الإلحاد والخروج من الملة، فذلك أيضًا اتهام لا يخلو من الوجاهة والمنطق! الأمر هنا بالطبع ليس أن الفلسفة تؤدي آليًا إلى الإلحاد، كما يتم الترويج في أغلبية الدوائر المحافظة، فالغالب على تاريخ الفلسفة هو بناء الإيمان وتأسيسه عقلانيًا، كما أن الفلسفة من داخل الدين، تحتل مساحات واسعة من العمل والجهد الفلسفي. لكن غريزة الفلسفة لا تنشط إلا في عدم الاكتفاء وعدم الرضا بما هم سائد في المجتمع من أفكار وثقافة وقيم. نمو هذه الغريزة، في اكتماله، يؤدي إلى الانتقال إلى نقد تلك المنظومات السائدة في المجتمع والاصطدام بها بدرجة أو بأخرى في إطار عملية تحليلها وبيان تهافت أسبابها ومبرراتها. في هذه اللحظة تنقل الفلسفة من مرحلة الغريزة إلى الفعل، فالتفلسف بالأساس هو الفعل النقدي، فعل هدام لما هو سائد ومستقر في الكثير من جوانبه. لذلك يمكن فهم أسباب كراهية الدوائر المحافظة للفلسفة إلى درجة التحريم.

  يمكن القول إن الفلسفة تنتعش بالأساس في تلك الأوقات التي ترافق تكلس وانهيار منظومات فكرية وعقائدية واجتماعية وسياسية معينة، وقيام وبناء أخرى جديدة وبديلة عنها. فالفلسفة هنا ذات فاعلية مزدوجة، فاعلية هدم وفاعلية بناء، بشكل يترافق ويتضمن أحدهما في الآخر.

Image result for philosophy

تناولنا هنا ثلاثة اتهامات رئيسة للفلسفة في مجتمعاتنا، وعلى الرغم من أن تلك الاتهامات هدفها الأساسي هو إدانة الفلسفة وإقصائها من دائرة الاهتمام العام، بل أحيانًا تجريمها وتحريمها، إلا أن الطرح هنا ذهب، أو حاول، إلى شوط أبعد، فبدلًا عن نفي تلك الاتهامات دفاعًا عن الفلسفة والدفع بشرعيتها، فإنه اعترف أنها لا تخلو من الصحة والوجاهة، والهدف بيان أن الفلسفة بالفعل نشاط يتسم بالرقي والتعقيد، فالانخراط فيها لا يشبه الانخراط في الشئون اليومية، فهو يحتاج إلى طاقات فكرية أكبر من المعتادة، وهذا لا يعني أن هناك جين خاص بالفلسفة يوجد عند المتفلسفين فقط، بل إن الفلسفة شكل من أشكال المعرفة يتطلب من المنخرط فيه أن يكرس الجزء الأكبر والغالب من طاقته الفكرية له، وهذا يدفعه بالضرورة إلى تجاهل الكثير من الأمور اليومية والتفاصيل الصغيرة التي تستغرق حياة أغلبية الناس. ثم إن الإقبال على الفلسفة يتطلب أيضًا الجلد والصبر والعمل الدءوب ولمصابرة، يتطلب التنازل عن الكثير من المتع المتاحة من أجل التفرغ لها واستيعابها لغة وطبيعة ونشاط وفعل من نوع خاص، وذلك مثلًا مثلما يكرس أي رياضي مجتهد ساعات طويلة يوميًا من التدريب الشاق المتواصل، بل المؤلم أحيانًا من أجل التقدم والتفوق، لكن يبقى أن الشغف والطموح والحب يحول الألم إلى لذة يصاحبها شعور بالصعود والارتقاء، بل الولادة من جديد!

4- الفلسفة والعلم.. الأثر والتأثير

إذًا فالفلسفة أمر ليس بالسهل، بل هو عنيد وصعب ويحتاج إلى اجتهاد وصر وجلد، بل يحتاج إلى تحول كامل تقريبًا في حياة الفرد، مما يثير بالتبعية سؤال، أنه إذا كان الأمر كذلك، فهل الفلسفة تستحق كل هذه المشقة أو التحول الذي يجريه الإنسان في حياته؟ الغالبية العظمى من الناس في بلادي، لا ترى للفلسفة أي أهمية، بل ترى أنها ليست سوى وسيلة لتعقيد الأمور وتعثير الحياة، لذلك لن يقبل أحد على تقديم أي تضحية في سبيل الارتقاء على سلم الفلسفة، إلا إذا شعر بأهميتها وأدرك محورية دورها في حياتنا على كل المستويات والأصعدة. لقد ذكرنا من قبل أن الغالبية من عامة الناس، مع أنها مثلا لا تفهم، بشكل جزئي أو كلي، العلوم الطبيعية، من فيزياء وكيمياء وأحياء وخلافه، إلا أنها تحترم هذه العلوم وتجل من يشتغلون بها، لما يرون من انعكاس مباشر لها على حياتهم في الحياة المعاصرة وطوال العصور الحديثة على الأقل، وربما نستطيع أن نبدأ إذكاء شعلة احترام الناس للفلسفة مثلا، من خلال توضيح أن تلك العلوم الحديثة قد انبثقت من الفلسفة وكانت ثمرة مباشرة لشجرتها.

إن العلم بالأساس هو نتاج جهد كبير بذله الفلاسفة في تفسير ظواهر العالم وماهيته وأصله ووجوده، وقد عنى الفلاسفة بوضع أسسٍ وقواعد معيّنة للبحث عن الأجوبة، لذلك فإن العلم هو الابن الشرعي المباشر للفلسفة، وقديما كان غالبًا ما يكون العالم فيلسوفًا والعكس. عندما يضع فرع ما من فروع المعرفة مجموعة من القواعد الأساسية المحددة التي تقود عملية البحث والإنتاج المعرفي فيه، فإن هذا الفرع يستقل عن الفلسفة ويصبح علمًا. هكذا ولدت العلوم الأساسية التي تُسير بشكل كبير حياتنا الآن وتحكمها، فهي خرجت جميعًا وبالأساس من رحم الفكر الفلسفي ومن خلال فاعلياته ونشاطه. لقد بدأ هذا التبلور لأفرع المعرفة المختلفة كعلوم متخصصة مترافقًا مع بدايات الفلسفة تقريبًا، إلا أن لم يأخذ منحى تصاعدي متدفق إلا في القرن السابع عشر، أي بعد نحو 2300 سنة من نشأة الفكر الفلسفي! ذلك إذا ربطنا نشأة الفكر الفلسفي في أيونية باليونان في القرن السابع قبل الميلاد، ولم نرجعه إلى ما قبل ذلك.

Image result for philosophy and science

إن العلم الحديث يتميز بميزتين أساسيتين، وهو استخدام لغة الرياضيات في صياغة قوانينه، ولجوؤه إلى التجربة والملاحظة لبناء الفرضيات وللتأكد من صحة تفسيراته وتعليلاته للظواهر. الملفت هنا أن هاتين الميزتين الرئيسيتين للعلم الحديث يرجع المساهمة الرئيسة في بلورتهما إلى الفلسفة. فالفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت صاحب النزعة العقلية، الذي عاش في القرن السابع عشر، هو الذي وجد منهجه في العلوم الرياضية لما رأى فيها من تميزها بالدقة واليقين، وانتهى إلى تأكيد أنه واجب الفلسفة الأول هو تبني المنهج الاستنباطي الرياضي إن كانت تريد لنفسها التقدم، وذلك ما انعكس بشكل مباشر على تطبيق ذلك المنهج على شتى أنواع المعارف بعد ذلك وتحولها إلى علوم مؤسسة. كما أن منهج التجريب والاستقراء وجد بلورة متكاملة إلى درجة كبيرة على يد الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، عاش فيما بين القرنين السادس والسابع عشر، الذي رأى أنه يلزم أولًا نقد العقل البشري لإظهار عيوبه الكثيرة التي اكتسبها عبر التاريخ، وحتى يمكن تحاشيها في بناء المنهج الجديد، والمنطق الجديد – الذي يتناسب وروح العصر – هو بالضرورة منطق تجربة واستقراء*، بعد أن قام المنطق القديم على النظر العقلي، بمعزل عن التجربة، والاستدلال القياسي**، فلم يتقدم العلم.

Image result for descartes and bacon

هكذا يظهر لنا مدى مساهمة الفلسفة في بلورة ونمو وارتقاء العلوم الحديثة، التي تحظى بمختلف أشكال الاحترام والتبجيل عند مختلف الناس بصرف النظر عن مدى معرفتهم بها، في نفس الوقت الذي تنال فيه الفلسفة كل هذا القدر من اللامبالاة والهجر والتشكيك!

العلاقة بين الفلسفة والعلم علاقة طويلة وجدلية ومتشعبة، ليس الغرض هنا تناولها تفصيلًا، كما أن التركيز على المجهود الفلسفي في بلورة العلم لا يعني اختزال الفلسفة في هذا الميدان فقط، فدور الفلسفة أشمل وأوسع وأعمق بكثير من هذا الميدان. فقط تم ضرب مثال واضح وقريب للإسهام الفلسفي، لبيان أن تلك النقود التي يتم توجيهها إلى ظاهرة وفعل الفلسفة، هي وإن كانت ليست منبتة الجذور ولها ما يساندها في طبيعة الفلسفة نفسها، إلا أنها نقود يمكن إطلاقها على أي نشاط فكري راقي وتصاعدي، والتصاعد والترقي هو أهم ما يميز الفلسفة.

 وفي ختام هذا المقال، هل بهذا نكون قد انتهينا من مقاربة، ولو محدودة، لماهية أو جوهر الفلسفة؟

بالطبع لا، فنحن لم نبدأ بعد. في المقالات المقبلة سنتناول الفلسفة من زوايا أخرى، لعل هذا يمكن أن
يشكل خطوة في طريق كشف ماهيتها، ولو بشكل جزئي، أمام من يريد أن ينفتح ويرتقي ثقافيًا وفكريًا وروحيًا.

—————

*الاستقراء (Induction): هو تتبع الجزئيات للوصول إِلى نتيجة كُلِّيَّة، أي الاستدلال العقليّ والانتقال به من الخصوص إلى العموم. والنزعة الاستقرائية Inductivism عند بيكون هي أن العلم يبدأ من ملاحظات وينتقل منها إلى تعميمات (القوانين والنظريات).

**الاستدلال القياسي: وهو عكس الاستقراء، حيث يتم فيه الانطلاق من الكليات إلى الجزئيات. فيتم تطبيق القاعدة العامة على الحالة الخاصة لنحصل على نتيجة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد