لا أعرف إن كان قد تم تعريب هذا المصطلح بعد أم لا، لكن قياسًا على باقي المصطلحات يمكن لي أن أعرب هذا اللفظ (Pointillism) إلى (التنقيطية) بأريحية، على أية حال، ليس الاسم بالأمر المهم في موضوعنا هذا، لكنه فن مجهول لا يعرفه الكثير منا كعامة، ولم يلق منا التقدير الكافي.

الفن المنقط أو التنقيطي نشأ في باريس مع الفنان جورج سوراه George Seurat مع لوحته Sunday on the Island of La Grande Jatte التي تظهر أمامنا في الأسفل.

Image result for Sunday on the Island of La Grande Jatte

Image result for sunday on the island of la grande jatte
ويتضح من اللوحة ما يرمي إليه هذا الفن: أن تستخدم ألوان الزيت في صنع نقاط تجسد أشكالًا مختلفة، وفي نفس الوقت محافظةً على التقليد ما بعد الانطباعي الخاص ببول سيزان في الألوان الساطعة والقوية والاهتمام بإظهار الأشكال الهندسية في اللوحات، لكنها تتعارض معها في ضربة الفرشاة الثقيلة التي ابتدعها فينسنت فان جوخ.

جورج سوراه و بول سيناك استخدما هذا الأسلوب المتفرد منذ بداية النص الأول في القرن التاسع عشر، لكن المصطلح لم يخرج للنور إلا في عام 1886 من قبل النقاد كما تجري العادة، اعترض النقاد على هذا الأسلوب وسخروا منه معتبرينه هزليًا يسخّف من الموضوع الفني ويجعله تافهًا، فبدا لهم أنه يتضمن ما يفعل الطلاب لتعليم الكتابة في سنوات حضانتهم الأولى. ولا استطيع أن أقول عكس هذا، فعلًا كان هذا الفن دائمًا محل سخرية حتى من الجمهور بسبب الانطباع السيئ منذ الطفولة عن فكرة التنقيط، لكن عامة الناس كانوا يقبلون على هذا النوع، ربما لأسباب نفسية، ومع الوقت دحضت هذه الآراء المتحزلقة من النقاد والجمهور و دخل الفن التنقيطي كمرحلة رئيسة في الحركات الفنية المتخلفة، فأثرت على الحركات الفنية منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى بدايات القرن العشرين.

وهنا بعض اللوحات تصور تطور هذا الفن مع الوقت بالتسلسل:

Image result for les poseuses

يلحظ في لوحة The Models السابقة لجورج سورات التطور في التنقيط عن لوحة Sunday on the Island of La Grande Jatte المشار إليها في الأعلى تبعًا للتسلسل الزمني فظهرت لمسة الفرشاة أكثر كما يتضح.

Image result for the eiffel tower george seurat

وهنا في لوحة برج إيفل لنفس الرسام السالف ذكره تتضح المبالغة في التنقيط، لكنها رغم ذالك لاقت ترحيب شعبي عظيم حتى من النقاد لما فيها من ثقل فرشاة وجمال لوني.

Image result for Luxe, Calme et Volupté

وهنا في لوحة Luxe, Calme et Volupté لهينري ماتيسا نلحظ أصل انتظام أكثر في التنقيط، ونلحظ فانتازيا الألوان وغرابتها عن الواقع، بالإضافة إلى خلو اللوحة من الظلال، كما تجعلنا اللوحة نظن أنها كانت مرحلة انتقالية من التنقيطية إلى الوحشية، حيث سبقت هذه اللوحة المدرسة الوحشية بسنة واحدة وتظهر ألوانها كألوان تلك المدرسة بشكلٍ كبير.

Pointillism Dotted Art

ولم تتوقف التنقيطية عن زيادة التنقيط، لكنها أصبحت أكثر تنظيمًا له كما في اللوحة السالفة Pont neuf للفنان Hippolyte Petitjean، حيث تكون اللوحة في فترة متأخرة من هذا الفن فقد رسمت عام 1914.

التقنية

يعتمد هذا الفن بطريقة أساسية على وضع المئات من النقاظ الصغيرة أو حتى الشرطات القصيرة ذات اللون النقي بجانب بعضها البعض على السطح لتبرز أكبر لمعان للصورة، حيث توهمك اللوحة أنها تشع نورًا شديدًا، تعتمد هذه التقنية على قدرة العقل البشري على الربط بين النقاط مكونًا أشكالًا مألوفة، وهي تقنية تطورية فنية، فكلما شارك المشاهد بفعل في العمل الفني كلما زادت قيمة هذا الفن وترسخه في عقله. تناقض هذه الطريقة الأسلوب التقليدي في مزج الألوان على اللوحة، وهي أقرب إلى طريقة CMYK المعتمدة على الألوان الأربعة: الأزرق والأحمر والأصفر والأسود، فلو تم النظر إلى هذا التركيب من مسافة معينة – وهي ثلاثة أضعاف المسافة القطرية – تعطي اللوحة بريقًا خاصًا لا تعطيه الطريقة التقليدية.

الحركات الفنية والتنقيطية

دائمًا ما ترتبط التنقيطية بما بعد الانطباعية التي ظهرت قبلها في 1880 على يد فان جوخ وبول سيزان وجوستاف كليمت، لدرجة أننا نجد أن هناك تعريفات لما بعض الانطباعية تضم الفن التنقيطي في العديد من الكتب، فنجدها تقول إنها إما ضربات فرشاة سريعة، وإما نقاط ومكعبات (كما في الشعرية) توضع على اللوحة القماشية معطيةً شكلًا يتضمن التشكيل الهندسي للمحيطات.

كان للتنقيطية تأثير على مدارس لاحقة، كالوحشية وما بعدها التكعيبية وحتى هذه اللحظة مازال هناك تأثير على التجريدية بعض الشيء، كما أنها أيضًا ترتبط ارتباطًا بالتقنيات التكنولوجية الحديثة كتنقية الـpixels في فن الكمبيوتر. أليس فن البيكسل نوعًا من الفن المنقط أيضًا؟ المنطق هو نفسه، ومع ذلك فإن النمط والسياق مختلفان تمامًا.

التنقيطية في الموسيقى

التنقيطية لا تقتصر على فن اللوحات فقط، بل إنها توجد (كمصطلح) في الموسيقى منذ أربعينات القرن الماضي وحتى الآن يتم اصطلاحها. تعرف أيضًا بـPunctualism أو point music، يعرفها ستوكهاوسن أنها جسيمات (نغمات) منفصلة عن بعضها البعض، حتى وإن كانت هذه النغمات متقاربة من حيث الزمن (نسبيًا) إلا أنها تختلف.

إن غيرها من المدارس الموسيقية من linear أو group-formed أو mass-formed music وغيرها، بدأ استخدام هذه التقنية منذ عشرينات القرن الماضي وحتى اليوم في الموسيقى الإلكترونية الحديثة. ربما يبدو المصطلح في اللوحات كما هو في الموسيقى، إلا أنه استخدم في الموسيقى عكس ما تم استخدامه في اللوحات، حيث أُخذ المصطلح في الموسيقى على وضع تفاصيل للحالة المتمثلة للفنان ليست ذات أهمية، ومن أهم من مارسوا هذه التقنية هم Anton Webern, Olivier Messiaen, Pierre Boulez, Karel Goeyvaerts وكثير غيرهم.

لا توجد علاقات مباشرة بين النقطية في الفنون البصرية والنقطية في الموسيقى. ومع ذلك ، فهي تستند إلى نفس المبادئ التأملية.

Image result for Anton Webern

أهم الفنانين

إلى جانب جورج سوراه وبول سيناك، اللذين صوّرا التنقطية على أنها تقنية فنية، ظهر مجموعة من الفنانين الذين تبنوا أسلوب الرسم هذا في وقت لاحق، كان هناك العديد من الفنانين الآخرين الذين تأثروا بسورات وسيناك، مدعين بأنهم كانوا من النقطيين أنفسهم. في الغالب هؤلاء هم الفنانون الفرنسيون والإيطاليون والبلجيكيون، لأنهم هم الذين ساهموا بشكل أكبر في تطوير تعبيرية أوروبا. إلى جانبهم ساهم بعض الفنانين الهولنديين في الاعتراف بهذه التقنية. كان فنسنت فان جوخ واحدًا منهم ، حيث كان يرسم بين الحين والآخر بشكل واضح باستخدام التنقيطية. لكن ذلك لم يكن سيحدث  إذا لم يقدمه شقيقه ثيو فان جوخ إلى كميل بيسارو في المقام الأول.

جنبًا إلى جنب مع بيسارو، كان هناك فنانون مثل ألبرت دوبوا – بيليه، هنري إدموند كروس، تشارلز أنغراند، وكثيرين غيرهم، الذين أخذوا الأدوار الرائدة في تطوير التنقيطية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

للتنقيطية بعد فلسفي ما، حقيقةً، يصعب عليّ لمسه بعض الشيء، لكنك يمكنك أن تحسه في اللوحات، في رهبتها التي تحسها واجتياحها لعقلك سريعًا دون تفاصيل مملة، فقط تجد أمامك جمال تسطيع فهمه، وهنا بعض أفضل اللوحات التنقيطية (بالإضافة إلى السالف ذكرهم):

The Green Sail (1904) – Paul Signac

Related image

An Incoming Storm (1908) – Henri-Edmond Cross

Image result for An Incoming Storm Henri-Edmond Cross

Picking Peas (1887) – Camille Pissarro

Image result for Picking Peas Camille Pissarro

Image result for Picking Peas Camille Pissarro

Landscape with lock – Albert Dubois-Pillet

Related image

The Harvesters – Charles Angrand

Image result for The Harvest Charles Angrand

Image result for charles angrand the harvesters

هذه هي أفضل اللوحات من وجهة نظري ليس إلا، وليست مستندة على مقاييس غير مقاييسي الفنية، وقد تجد ما يروقك أكثر من هذا الفن الغريب إن بحثت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تنقيطية, فن, فنون
عرض التعليقات
تحميل المزيد