عندما تسمع رأيًا لشخص ليس ضمن البطانة الرسمية التي تحكم أي بلد، لربما يداخلك شك بهذا الرأي، خاصة إذا كان يهاجم بقسوة عمل الحكومة ويطعن في نزاهتها.

قد تضع في الحسبان أن هذا الرأي يأتي ضمن عملية التناحر السياسي القائم مابين أطراف المشهد السياسي، لأجل كسب أصوات أو لأجل تسقيط سياسي.

لكن عندما يكون صاحب هذا الرأي الذي نقله موقع (العراق نيوز) يوم الثلاثاء 9 ديسمبر 2015 هو الدكتور أحمد إبراهيم الجعفري نجل وزير الخارجية العراقية إبراهيم الجعفري أحد أعمدة حزب الدعوة الحاكم الذي يمسك بزمام السلطة، آنئذ ينبغي التوقف باهتمام أمام هذا الرأي، لأن صاحبه ليس محسوبًا على طرف طائفي معارض للطرف الطائفي الحاكم، وليس شخصًا يُنظر إليه على أنه محسوب على قوى المعارضة، بل هو ابن النظام الشرعي.

من هنا تأتي أهمية التصريح خاصة وأن ماتضمنه لم يخرج عن السياق العام للأفكار والملاحظات التي سبق أن أشار إليها عدد من الخبراء الاقتصاديين والسياسين مثل د. محمد توفيق علاوي (وزير الاتصالات الأسبق في حكومة المالكي) الذي أكد في أكثر من مقال ولقاء متلفز أن “العراق مقبل على كارثة اقتصادية كبيرة مع مطلع العام 2016، وأن الدولة العراقية في طريقها إلى الفناء”.

ماعبر عنه نجل وزير الخارجية العراقي لأصدقائه جاء خلال مجلس عزاء حُسيني جرى في العاصمة البريطانية لندن خلال الأيام الماضية بمناسبة الاحتفال بذكرى عاشوراء، كشف فيه عن أنَّ “والده قرر عدم المشاركة بالانتخابات البرلمانية المقبلة”، وقال إن: “الشعب العراقي وبنسبة ٩٠٪ سيقاطع تلك الانتخابات بعد أن يأس من الساسة والأحزاب والوعود الكاذبة لهم”. وأضاف الجعفري أنه: “يخجل من القول بأن فترة البعث هي الأسوأ في تاريخ العراق، بعد الكوارث التي حلت على الشعب العراقي خلال فترة حكم مايسمى دولة القانون”. وأكد: “إن اللصوص كانوا يتسابقون فيما بينهم على سرقة المال العام ونهب الميزانيات الانفجارية وكأنه غنيمة حرب لهم”.

وحمّلَ ابن الجعفري، السيد نوري المالكي، مسؤولية انهيار الدولة العراقية بالكامل وقال إن: “أول باب فتحه المالكي للصوص وحيتان الفساد عام 2007 عندما قام بتغيير جميع المفتشين العموميين في الوزارات وهم من خيرة الكفاءات القانونية ودربتهم الولايات المتحدة في واشنطن على هذه الوظيفة الراقية والتجربة الفريدة التي نقلتها من مؤسساتها العاملة إلى العراق وفيها يكون للمفتش الحق في مراقبة عمل الوزير والتدقيق على جميع العقود التي يبرمها، وعين بدلًا منهم جهلة انتهازيين تابعين له، أغلبهم لا يمتلك الشهادة الثانوية وأصبح المفتش العام في الوزارة تابع للوزير ومن نفس كتلته ويغطي على فساده ويستلم عمولته من صفقات الفساد والعقود الوهمية”، وأكد على إن “أربعة مفتشين في أربع وزارات كانت بيد المالكي وهي الداخلية والدفاع والتجارة والكهرباء ساهموا بتحطيم العراق والعراقيين لأن هذه الوزارات تستلم أكثر من نصف ميزانية الحكومة سنويًا ولم تقدم أي منجز والعقود الوهمية شعارها والسرقة هدفها”.

وأشار إلى أن “تهريب المالكي لشريكه عبد الفلاح السوداني من سجن السماوة وهو مدان بأكبر سرقة بتاريخ الدولة العراقية من العصر الملكي إلى الآن ستبقى وصمة عار بجبينه سيُخلدها التاريخ مع عار جريمة سبايكر وعار احتلال ثلث العراق من قبل داعش وستُدرس بالمدارس أجيالًا بعد أجيال”.

وفي نهاية حديثه قال: “حسابيًا ومعنويًا العراق انتهى ولن تقوم له قائمة وهو بلد أصبح مُفلسًا لا يمتلك حاضرًا ولا مستقبلًا، وعام 2016 ستضرب المجاعة 60% من العراقيين وتستمر تصاعديا وسيتم إلغاء رواتب المتقاعدين وتسريح نصف الموظفين مطلع عام 2016 وهذا لا تتحمله الحكومة الحالية بل تراكمات ورثتها من حكومتي المالكي التي سلمت العراقي منكوبًا منهوبًا مُحتلًّا غارقًا بالفساد الإداري خاويًا من الأموال والاحتياط النقدي”.

كلام نجل وزير الخارجية العراقي يحمل صراحة شديدة تخلو من أساليب اللف والدوران التي عادة ما يمارسها ساسة العراق وفي مقدمتهم أعضاء حزب الدعوة إزاء القضايا الخطيرة.

الجديد في هذا النقد كونه يصدر عن شخص هو ابن أهم شخصية في حزب الدعوة الذي يحكم العراق منذ العام 2003، كما يعكس جانبًا من الأحاديث والدردشات التي تدور في أجواء عائلية حميمة خارج الغرف والصالات الرسمية، وعادة ماتكون هذه الأحاديث أصدق تعبيرا في تشخيص الأحوال العامة.

لو كان الساسة يتحدثون مع الناس وأمام وسائل الاعلام بنفس الصراحة التي يتحدثون بها أمام أبنائهم وعوائلهم داخل بيوتهم ومجالسهم الخاصة، لأصبح حال البلاد أفضل بكثير مما هو عليه الآن.

إن سياسة التغطية على الحقائق وتزييفها، كانت سببا جوهريا في المآسي التي حصلت، والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، ويكفي أن نستذكر حادثة سبايكر، التي راح ضحيتها العشرات من الجنود العراقيين والتي لفها النسيان بعد أن تم التلاعب بها، ولم تستطع الدوائر المعنية برصد الحقائق التي تخصها معرفة ما جرى فيها وكيف تمت عملية اصطياد عدد كبير من الجنود بطريقة غامضة، وأين اختفى عدد كبير منهم. كذلك قضية سقوط الموصل وانسحاب الجيش منها من غير أن يقاتل ويدافع عن المدينة، هذا إضافة إلى اختفاء أكثر من 800 مليار دولار من ميزانية العراق خلال فترة حكم المالكي، من غير أن يكون لها أي أثر على الأرض، وغير ذلك كثير من قضايا الفساد التي سبق أن تناولتها الصحف ووسائل الإعلام ولم يتم التعرف على المسؤولين الذين يقفون وراءها.

هذا النهج في التغطية والتزييف على الحقائق يتقاطع تماما مع كلام نجل وزير الخارجية العراقي (الدكتور أحمد إبراهيم الجعفري) الذي تحدث بشفافية لم نعتد عليها من قبل ساسة العراق وأعضاء حزب الدعوة الحاكم.

وما قاله يكتسب أهميته كونه يجيء من خارج السياق الذي تعودنا عليه في منظومة عمل حزب الدعوة الحاكم الذي يفتقد إلى الشفافية في التعامل مع المواطن في جميع القضايا، خاصة تلك التي تنعكس نتائجها بتداعيات خطيرة على الأمن والاقتصاد.

ينبغي أن يؤخذ هذا الكلام على محمل الجد خاصة وأنه يتفق تماما مع رأي عديد الخبراء الذين سبق لهم أن قدموا نفس الصورة المتشائمة عن مستقبل العراق السياسي والاقتصادي.

إزاء ذلك علينا أن نستعد لما سيحمله العام القادم من وقائع وتفاصيل يومية ستنعكس بشكل مباشر على الأوضاع الحياتية للناس، ولسنا هنا بصدد رسم صورة مخيفة، لكن المسؤولية المهنية تقتضي أن ننبه إلى خطورة ما ستكون عليه الأوضاع العامة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد