شهدت عدة مدن جزائرية في الأيام الماضية مظاهرات وعمليات حرق وتكسير لممتلكات عامة احتجاجًا على قانون المالية الجديد الذي دخل حيز التنفيذ مع بداية السنة 2017 والذي جاء بزيادات معتبرة في الأسعار، الشيء الذي دفع الكثير من الشباب إلى الاحتجاج بطريقة عنيفة ما جعل الجزائريين يتوجسون خيفة وينددون بما حدث خشية أن تكون شرارة لربيع عربي يمتد للجزائر وهو ما لا يتمناه الجميع، والجميع متيقن في الجزائر بأن الربيع العربي لا يمكن أن يكون له موطئ قدم لخمسة أسباب.

 

  • تجربة العشرية السوداء

العشرية السوداء التي عرفتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي كانت بمثابة الكابوس بالنسبة للجزائريين، حيث أصبح الجزائري لا يأمن على نفسه في أي مكان سواءٌ في المنزل أو العمل أو حتى في المسجد، وأصبح القتل بالجملة، فقد طالت يد الإرهاب الجميع واختلط الحابل بالنابل، وفقدت الجزائر حوالي 200000 قتيل في هذه الفترة الصعبة من تاريخها، والجزائريون على اختلاف توجهاتهم ومشاربهم لا يودون أن تتكرر عليهم مآسيها وآلامها ولا حتى تبعاتها، مهما كان الواقع الذي يعيشونه سواء الجانب الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي.

 

  • طبقة سياسية واعية

مع بداية الأحداث الأخيرة (يناير 2017) سارعت كل النخب السياسية للتنديد بها واستنكار أعمال التخريب التي طالت مؤسسات الدولة والشغب الذي جرى في الشوارع، ولم تكن ردة الفعل هذه وليدة الصدفة فالطبقة السياسية في الجزائر لها تجربة سياسية طويلة ترجع إلى مرحلة الاستقلال، فقد تشكلت أول معارضة سياسية بقيادة المجاهد الكبير حسين آيت أحمد رحمة الله عليه والذي رفض سلطة الأمر الواقع بعد الاستقلال 1962م، لكنه وعند نشوب حرب الرمال بين الجزائر والمغرب سنة 1963م تخندق مع السلطة لأن المصلحة الوطنية حتمت عليه ذلك، ومن الأمثلة الشاهدة على نضج النخبة السياسية موقف الشيخ محفوظ نحناح رحمة الله عليه إذ منع من الانتخابات الرئاسية لسنة 1999م رغم مشاركته في الانتخابات التي سبقتها 1995م، ومع كل هذا اتخذ موقفًا غير متوقع في حينها وهو دعم مرشح السلطة السيد عبد العزيز بوتفليقة لأن البلد لم تكن تحتمل صراعات سياسية أخرى تنجم عنها أزمات لا يطيقها الجزائريون، ومن هنا فإن النخبة السياسية في الجزائر ناضجة وتعلم مآلات الأحداث.

لقاء جمع الطبقة السياسية الجزائرية بروما 13-01-1995 للخروج من الأزمة.

 

  • مأساة سوريا

من النقاط المهمة التي تمنع وقوع الربيع العربي بالجزائر مأساة سوريا التي فاقت كل الحدود، ملايين المهجرين واللاجئين، مئات الآلاف من القتلى، مدن سويت بالأرض، والأهم من ذلك مجتمع دولي متواطئ مع النظام، ملطخ بدماء الأطفال والنساء والشيوخ، بل يسنده ويمده بالعون، ما أطال في حياته وفي امتداد المأساة وتوسع رقعتها، وكأنما أريد لها أن تكون عبرة للشعوب التي تريد التغيير، هذه الصورة الماثلة أمام الشعب الجزائري جعلته يقتنع أكثر من ذي قبل بأن خيار الربيع العربي خيار غير مجدٍ لتغيير الأوضاع، ووحده النضال السلمي الجاد هو الحل لكل الأزمات.

 

  • شعرة السلطة

السلطة في الجزائر تستعمل شعرة معاوية فكلما كان هناك احتقان شعبي، دفعت بعدة إجراءات سياسية واقتصادية لامتصاص الغضب الشعبي، وكلما كانت غفلة من الشعب مررت العديد من القوانين والمشاريع، الأمر الذي طبقته في أحداث الزيت والسكر يناير 2016م حيث خرجت احتجاجات في مدن عديدة للمطالبة بخفض الأسعار، ما جعل الرئيس يتدخل في خطابه الشهير 15 أبريل 2011م والذي أعلن فيه جملة من الإصلاحات، هكذا نجحت السلطة بسياستها تجنيب الجزائر الربيع العربي ومآسيه.

خطاب عبد العزيز بوتفليقة.

 

  • علاقة مميزة بالجيش

لعبت العلاقة بين الشعب الجزائري والجيش دورًا مهمًا في تحقيق الاستقرار وتجنيب البلاد ربيعًا عربيًا، باعتبار أنه سليل جيش التحرير الذي حرر البلاد من الاستعمار الفرنسي، كما ساهم في حماية الجزائر أثناء العشرية السوداء، لذا يحفظ الجزائريون لجيشهم هذه المكانة المتميزة، فأصبح الضمان لأمانه، خاصة في ظل ظروف صعبة محيطة في غاية الخطورة

(ليبيا، مالي، تونس إلى حد ما).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد