من خلال هذا المقال أحاول استطلاع مدى مواءمة الواقع الاقتصادي ومناخ الأعمال في الجزائر لمثل هذا النوع من أساليب خلق القيمة، ألا وهو «المؤسسات الناشئة Startups».

إذ يوفر هذا المقال أرضية وتوصيفًا، يشتمل على العديد من النقاط التي من شأنها أن تبصر من له اهتمام بمثل هذه المواضيع، أو من ينوي إطلاق مشروعه الخاص.

فالعالم يشهد تناميًا فيروسيًّا لثقافة المقاولاتية وريادة الأعمال الشبانية، وهو تنامي لم تتوان أقلام المحررين عن تتبعه، ولم تبخل وسائل الإعلام عن تغطيته، ولا كاميرات السينما على قولبته في عديد من الإنتاجات، نجاح قد يقول عنه البعض بأنه لا يحتاج ترويجًا باعتبار الحظوة والسمعة التي ذاعت له، وعمق الأثر الذي أحدثه.

«فيسبوك»، “واتساب»، «أوبر»، وغيرها هي نماذج لشركات ناشئة شقت طريقها للعالمية في وقت قياسي وبطريقة غبر مسبوقة، ومما رشح عن ذلك أنها وفرت للشباب الإلهام الموقد والمثال الذي يسترشد به، وهو ما التف حوله العديد من الشباب على وجه الخصوص في محاولة لمضاهاتها وحذو حذوها. والجزائر ليست استثناء من هذا التحول العالمي.

وصحيح أن سوق الجزائر لها ميزات محمودة تتمثل أساسًا في خفة المنافسة، وفي وجود عدة قطاعات ومجالات للأعمال لم يتم الخوض فيها بعد، ما يمثل فرصة مواتية لكل طموح يملك على الأقل الفكرة والحذق اللازمين. بيد أن المبادرين طالما يقفون على الشرخ والهوة الكبيرة بين ما يشاهدونه على «شارك تانك» و«وادي السيليكون» وما يقرؤونه على «ماشابل» و«بزنس إنسايدر» وغيرها من المنصات عن مناخ الأعمال في العالم الأول، وبين ما يعيشونه في محيطهم الضيق.

بوستر الموسم الأخير من مسلسل وادي السيليكون

ومن خلال متابعتي لهذه القضية، لاحظت أن العديد من المشاريع تبقى حبيسة المخططات والأوراق، ولا تعدو أيضًا في كثير من الأحيان «النموذج التجريبي Beta Version».

لا أقول إن المهمة مستحيلة، أو إن مساعي المبادرين لتجسيد أفكارهم في بيئة جزائرية هي مساع حالمة أو طوباوية ولكن يجدر التذكير بأن الواقع والمشهد الاقتصادي والاجتماعي الجزائري له بعض الخصوصيات التي تعتبر عائقًا في هذا الصدد، والتي يجب مراعاتها والتأقلم معها لنجاح فكرة المشروع، وأذكر منها باختصار:

1– طبيعة الاقتصاد الوطني: اقتصاد مركزي، قائم على شركات كبيرة عادة ما تكون في وضع احتكاري تستحوذ على جل أقساط السوق، ما ينجر عنه قصور للدور الذي تلعبه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ما يجعل عملية الأخرجة خيارًا غير متاح بالنسبة للمؤسسات الناشئة.

2- ضعف قطاع الخدمات: قطاع الخدمات يوفر دعامة قوية للمشاريع الناشئة، وهزال خدماته يضطر المبادرين إلى استثمار جهد وموارد أكثر بغية توفير هذه الخدمات بمفردهم «بشكل مدمج» وهذا ما يزيد من فاتورة استثمار ثلاثية الجهد والوقت والمال.

3- آليات التمويل والدفع: غالبًا ما يعتمد المبادرون في الجزائر لتمويل مشاريعهم على حر أموالهم، أو «الأموال الصديقة «Friendly money أو »التمويل الكفالي «Sponsorship المشروط من طرف شركات كبرى، وفي حالات قليلة توفر «مشتلة المؤسسات «Startups incubator التمويل المنشود. في ظل غياب منصات «التمويل التشاركي «Crowd-funding التي تعتبر آلية التمويل الحيوية للشركات الناشئة في العالم من جهة وعدم أحقية الطلبة الجامعيين في الاستفادة من القروض الحكومية المخصصة للمقاولين من جهة ثانية.

كذلك عدم توفر نظم الدفع الرقمي ولا حتى مكاتب صرف العملة. وهذا ما يعقد مهمة المبادرين الشباب ويحد من سهولة تداول رؤوس الأموال. كما أن غياب مكاتب صرف العملة يحد أيضًا من الوصول إلى الموردين – في الخارج- للحصول على المواد الأولية وعدم إمكانية الاعتماد على الأخرجة Outsourcing.

4- التقليدية الإدارية في عصر السرعة: لا أظن أن المقاولاتية يمكن أن تعيش تحت سقف واحد مع البيروقراطية، إذ بينما تستغرق مثلاً الإجراءات الإدارية لإنشاء مؤسسة في أمريكا ما لا يفوق ساعتين، قد تدوم ما يتجاوز الشهرين في الجزائر، ولأن التعجيل بتجسيد فكرة المشروع هو أمر لازم لنجاتها من الاستلاب ومن فعل التقلبات والتطورات السريعة والمستمرة في العالم فإن النسق الإداري في الجزائر قد يشكل عائقا أمام المؤسسات الناشئة.

5- الرقمنة وخدمات الإنترنت: تتصدر الجزائر مرتبة غير متقدمة بالنسبة لخدمات الإنترنت، الذي تحتكره في الجزائر شركة وحيدة في السوق ليس لها منافس، كما أن الرقمنة لم تنْفَذ بعد إلى معظم القطاعات.

6- المنظومة القانونية: لم تكرس بعد المنظومة القانونية وقانون العمل، خصوصًا للتوظيف بدوام جزئي«Part time jobs» ، أو لعمالة الطلبة دون الشهادة.

7- الجانب اللوجيستي وقنوات المواصلات: حالة البنى التحتية، ووسائل نقل السلع وحركة الأشخاص داخليًّا ليست في المستوى اللائق ببلد بحجم قارة «الأكبر إفريقيًّا ومتوسطيًّا»، وخاصة الطرق الرابطة بين شمال البلاد وجنوبها الشاسع المساحة، وهو ما يقف عتبة في وجه المؤسسات الفتية ويضيع عليها حصصًا واسعة من السوق.

8- اعتبارات اجتماعية ودينية وترسبات النظام الاشتراكي: من المتفق عليه في أعراف وأبجديات العلوم التجارية، إنها لا تدرس الظاهرة ببعدها الاقتصادي التجاري البحت بمعزل عن الأبعاد الاجتماعية، والنفسية، والثقافية للمجتمع المستهدف، وهو ما تؤكد عليه جل نماذج دراسة السوق كنموذج DCIT.

ومن بين هذه الاعتبارات، مسألة الإحجام عن تناول القروض التي تخصصها الدولة للمقاولين نظرًا لطبيعتها الربوية، فالفرد الجزائري يتسم عموما بأنه محافظ، وبالتالي فإن القروض الربوية هي عائق أمام رواد الأعمال.

وكذلك، ليس سرًّا أن الجزائر من غداة الاستقلال إلى غاية العقود القليلة الماضية قد تبنت النظام الاشتراكي القائم على الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والتوزيع، وعلى الرغم من أنها قد اعتمدت نظام اقتصاد السوق قبل سنوات، غير أن بعض العارفين يصفون الوضع الحالي بأنه فترة انتقالية ما زالت تشوبها ترسبات النظام الاشتراكي مثل خوف الممولين من المغامرة في مشاريع ابتكارية والاعتماد بشكل أساسي على المشاريع المعتادة الآمنة.

ومن نافلة القول، فإن هذا لا ينفي كون بعض الأفكار قد وجدت لنفسها مساحة لتجسد، وبرزت في الوقت والظروف السانحة لأن أصحابها عرفوا بطريقة أو بأخرى كيف يتغلبون على إملاءات البيئة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد