أن تقرأ عملًا أدبيًا وتحبه فهذا أمر شائع، أما أن تقرأ عملًا يزلزل كيانك كله، فهذا غير مألوف، أديب يحول حكاية إنسانية منسية إلى ملحمة مبهرة، وما الملاحم في حقيقة الأمر إلا أنات ومصائب بشر مهما بلغ من شأنهم، فهذه الحكايات إذا خليقة بأن تروى وأن يعرفها الناس، وأن يلتمسوا في حرارتها اللافحة العبرات، وأن يضيء لهم التوهج المؤسف لروح إنسان أهوال الحياة، هؤلاء المنسيون ما هم إلا شهداء الحياة، حولتهم إلى وقود لمشاعل جبارة تضئ للناس وحشة الطريق وتبصرهم بما توارى عن ناظرهم من المتاعب.

ريحانة، تلك الفتاة التي أعدمت في إيران بسبب دفاعها عن شرفها وتلك الجملة المشهورة عنها في حوارها مع القاضي عندما سألها لماذا قتلته؟ فردت دفاعًا عن الشرف؟ فقال لها هذا ليس مبررًا فردت عليه لأنك بلا شرف، وعلى رغم قلة الأخبار عنها إلا أن هذه الجملة ظلت عالقة في ذهني ردحًا طويلًا من الزمن، وفي غمرة الانشغال والتقليب بين الكتب لمحت شيئًا لفت انتباهي، كتابًا عنوانه «ما لم تروه ريحانة»، لم أربط بين ريحانة جباري صاحبة القصة المشهورة وبين هذا العنوان، ولكن ما أن تناولت الكتاب وقلبت في صفحاته حتى أيقنت أنه يروي حكايتها.

فالكاتب استطاع اِلتِقاط الخطوط العامة من المعلومات المعروفة عن ريحانة، نسج الكاتب خطوط روايته منها، كأبرع صانع سجاد، تأسرنا الحكايات الجانبية التي تتفرع من الخط الرئيس، برع الكاتب في توظيفها مع الهدف الأساسي والخط الرئيس للرواية، الكثير والكثير من الحكايات المثيرة للشجن والباعثة على مواصلة القراءة.

الصفحات التي تحكي وجود ريحانة جباري في السجن هي من أشد أنواع الكتابات حزنًا وسوداوية، الكاتب توسع في سرد ألوان العذاب التي تعرضت لها في السجن، سواء كان تعذيبًا ماديًا أو تعذيبًا معنويًا، حكايات وحكايات وحكايات، حكايات عن المعاملة السيئة والحبس الانفرادي والحبس في عنابر ضيقة لا تتوافر فيها أدنى مقومات الإنسانية، انتهاءً بالاغتصاب على يد ضابط التحقيق، هذه من أشد الكتابات حزنًا وسوداوية التي قرأتها في حياتي كلها، وقد كان الكاتب يسرد قصتها في ظلمات وأهوال السجن، ثم يرجع للوراء في الزمن إلى رحابة وبهاء حياتها قبله ثم يرجع إلى السجن مره أخرى، وهذا يشبه التعرض لهجير الحر ثم التعرض لنسمة هواء رقيقه باردة، ورغم العذاب الشديد الذي تعرضت له ريحانة ورغم الانتهاكات، إلا أنها كانت صامدة لم تقبل الدنية في نفسها، وظلت متعلقة بالأمل حتى آخر لحظة.

برع الكاتب في تحليل شخصية ريحانة، أفكارها هواجسها أحلامها تطلعاتها، كذلك العلاقات الأسرية الاجتماعية في الرواية هي أجمل ما يكون، مثل علاقة الأم بابنتها ريحانة، سحرتني هذه العلاقة، حيث الأم الحنون التي تحب ابنتها، والبنت التي تقدر أمها، كذلك علاقة الأب بابنته، حياة تلك الأسرة من أكثر الأشياء التي أعجبتني في الرواية، كذلك علاقة ريحانة بصديقتها هند، والأجمل على الإطلاق، هي علاقتها بإيوان، هذا الذي تعرفت عليه عن طريق رسائل الحمام الزاجل! ولم تره، الرسائل المتبادلة بينهما، هي من أعذب وأرق ما قرأت في حياتي.

تسلط الرواية الضوء على الظلم الذي تتعرض له الأقليات في إيران والتمييز الشديد الذي يعانون منه، كذلك تسلط الضوء على الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية هناك، وعلى الرغم من صغر حجم الرواية نسبيًا الذي فاق بقليل الـ200 صفحة إلا أنه استطاع أن يجسد بصورة ممتازة كل هذه الأوضاع.

تمتلئ الرواية بأحاديث فلسفية عن المغزى من الحياة والكفاح والصبر، وقد كان ذلك في الرسائل التي توجهها ريحانة إلى أمها وهي في السجن، أحاديث وأسئلة حول المصير وصيرورة الحياة، نعم فنحن نعلم أن الكتابة الأدبية ما هي إلا سعي دائم من أجل استكشاف الهدف من الحياة، واستكناه لمعانيها، وتحليل لمصائبها وأهوالها، وتحليل لنفوس أبطالها وما يعتمل في عقولهم من أسئلة.

الرواية تتميز باللغة الفخمة البليغة والسرد المتقن الممتع، وعلى صغر حجمها الذي لا يتجاوز المئتين صفحة إلا أنها كانت شديدة التركيز والتعبير عن الفكرة. تعتبر هذه الرواية آخر ما كتبه الروائي أدهم العبودي، المشهور باختياره موضوعات مختلفة وجريئة لرواياته، من أشهر رواياته متاهة الأولياء، وحارس العشق الإلهي، والطيبيون، وأنا لأعجب من الكاتب لاختياره موضوعًا بعيدًا كل البعد عن بلده وبيئته والمعلومات المتوفرة عنه قليلة، مثل موضوع ريحانة ليكتب فيه، وإنها والله لجرأة وشجاعة كبيرة أن يخوض مثل تلك التجربة والتي نجح فيها نجاحًا منقطع النظير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد