كغيري من كثيرين يهتمون بشأن الوطن، أرضه وشعبه وهمومه وقفت حائرا، وآسفا أمام ابتذال مشاهد اليوم في ذكرى عيد تحرير سيناء مشاهد بدت لي أقرب ما تكون إلى تمثيلية ذات سيناريو ركيك، يشترك في تمثيلها طاقم كومبارس مبتدئ يحلُم بدور البطولة، لكن بأي مؤهلات؟ لا يهم طالما أن هناك كاميرا وديكورا ومنتجا ممولا فلا بأس، وليكن ما يكون ما دامت حكمة شباك التذاكر تقضي بأن: «الجمهور عايز كده»!

لن أتسائل عن التبريرات العلمية لرفع علم دولة أخرى في مناسبة مصرية خالصة، ولن أجادل في عبثية تحويل مشهد احتفال بمناسبة وطنية لمظاهرة تأييد لرئيس الدولة، ونحن لسنا على أعتاب استحقاق انتخابي وشيك, لكني حتما سأتوقف كثيرا أمام المحاولات الهيستيرية للترسيخ لجريمة ختان أرض سيناء وفض عذريتها عشية الاحتفال بذكرى تحريرها! أي خبل هذا الذي أصاب العامة والدهماء على يد جهات مستهترة لا تعي خطورة ما تفعل، وأخشى أنها قامرت بمقدرات الشعب على أساس حسابات مغلوطة لا أظنها تسمن، أو تغني من جوع.

أمر مخجل أن يُصنف الخلاف في الرأي حول إسلوب إدارة الدولة على كونه جريمة، وأن يترك البت فيه لمهاترات الهواة والمرتزقة مدفوعي الأجر على الشاشات، وألا يتم احتواء تبعاته الخطيرة من خلال مناقشات عقلانية للحكماء داخل الدوائر المختصة، حيث يسود مبدأ الشورى حول الأصلح من الإجراءات المصيرية، وليس بطوفان قرارات صادمة ربما لم تطرح للنقاش من الأساس، وهنا لا أشكك للحظة أن الخلل المجتمعي المهيمن على المشهد يُسئل عنه فقط رئيس الجمهورية بصفته وليس شخصه، أليس هو من أقسم يمين الولاء للوطن، ورعاية مصالح الشعب وحماية الأرض؟

سؤال أوجهه لحاشية سيادته من وزراء ومستشارين ومعاونين خبراء في الاستراتيجيات الأمنية، وأحسبهم جميعا من النضج والقدرة على استيعاب مغزى سؤالي دون أي التباس في المعنى، هل تغيرت طبيعة العدو الرئيسي لمصر؟ وهل أعلن الصهاينة دون أن نعلم التوبة عن إضمار الشر لنا نحن آخر من ألحق بهم الهزيمة؟ وهل تغير طموح أو مزاج حكام دولة الاحتلال لأي سبب كان؟

عذرا فالإجابة المنطقية الوحيدة هي النفي، فقط لأن دولة الاحتلال الإسرائيلي توقفت عن تقديم أي تنازلات، سواء مجانية أو مدفوعة الثمن منذ توقيع اتفاقية السلام مع مصر، والتي تظل المستند الرسمي الوحيد الذي لم ينجح الصهاينة حتى اليوم في التملص من بنوده المُحكمة، وعلى إثره نجح حكام مصر على تعاقبهم في استرداد أرض ومكاسب استراتيجية لا تقدر بثمن، ولا أدري ما الدافع وراء عرضها اليوم في مزاد مشبوه يبخس من قيمتها، ويُعجزنا في ذات الوقت عن تفسير التخلي عنها بهذه الكيفية، وكأننا لضائقة مادية قررنا أن نبيع عروسا بِكرا في سوق النخاسة لشيخ طاعن في السن، ربما لا تسعفه دراهمه ليحقق لها السعادة أو يوفر لها الحماية الكافية!؟

مشاهد الشارع المفجعة والمفزعة ستعجزك اليوم بازدواجيتها وديماجوجيتها، وهي حتما تغني عن التعبير،  ربما يكفي أن تتابع بعض المقاطع التسجيلية أو الصور المتداولة عبر صفحات التواصل، كي يتبدى لك كم الممارسات المبتذلة التي تم التجهيز لها على عجالة، والتي يندى لها الجبين وتستحي منها الأعين الوقحة،  فهذا شاب يرتدي ملابس القوات المسلحة ذات المقام المقدس الذي يفترض احترامه وتوقيره، ويعتلي سيارة خاصة ليقدم وصلة من الرقص الخليع على أصوات موسيقى فجة أمام مبنى نقابة الصحفيين، وفي الخلفية تظهر صور شهداء الرأي: الحسيني أبو ضيف وميادة أشرف، وتلك سيدة ترفع راية مملكة البترودولار وتتفاخر بأنها ستقدم لعاهلها حفظته السماء، أعز ما تملك حتى ولو بلا مقابل، وإلى جوارها سيدة مسنة تحمل علم مصر في يدها، وتضع فوق رأسها حذاءا! في إشارة واضحة ربما لا داعي لشرحها، ثم مشهد آخر لمجموعة من العتاة المدربين يجرّون رجلا مسنا من ملابسه، ربما تجرأ واعترض على ما يراه من مهازل فوجب تطبيق الحد عليه،  ناهيك عن عبوات الغاز التي تطايرت تجاه أي تجمع يزيد عن عشرة أفراد، يبدو عليهم نية التظاهر المعارض، في أي موقع على أرض المحروسة لصفقة ختان الأرض، وينتهي المشهد كالعادة باعتقال عشوائي لكل من سولت له نفسه محاولة توثيق الأحداث، سواء بالصورة أو الكتابة أو التسجيل الصوتي،  قوات الأمن قامت للمرة الأولى بتشكيل لجان عشوائية لفحص هواتف ومتعلقات المارة بحثا عن أي أثار للاعتراض، وجاء انتشارها مدهشا في أماكن متعددة بمحيط وسط مدينة القاهرة، كشارع طلعت حرب وشارع قصر العيني وشارع التحرير ومحيط دار القضاء العالي وميدان لاظوغلي.

ثبت أذنك على أبواب زنازين أقسام الشرطة الليلة، ستستمع إلى حوارات وعبارات وتساؤلات، ربما لن تجد لها أصداء على شاشات التلفاز الرسمي أو الخاص.

هل الغيرة على الوطن والأرض جريمة؟

هل محاسبة المخطئ أيا كان موقعه خروج على الشرعية؟

هل يملك رجال السلطة حق التصرف في حقوق السيادة والملكية دون مسائلة شعبية؟

هل هناك دولة داخل الدولة، ورجال فوق القانون والدستور يملكون اتخاذ قرارات مصيرية فوق دستورية؟

هل نحن نعيش في دولة مؤسسات أم أن المسألة مجرد إجراءات شكلية أتممنا بها استحقاقات الدستور والبرلمان والرئاسة؟

إذا ما ساعدتك الظروف واستطعت الحصول على إجابات صادقة لتلك التساؤلات التي أحسبها مشروعة، فأظنك لن تحتمل هول الصدمة من أن حلم الحرية قد صار أكذوبة بفعل فاعل، وأنك اهدرت حياتك تسعى وراء السراب رافعا شعار «الاستقلال التام أو الموت الزؤام»!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الأرض؟
عرض التعليقات
تحميل المزيد