منذ ذلك الحين، جاء التأييد الجماهيري للسيسي ليس كمخلص سياسي كما تم الترويج واسعًا، بل كرأس لطموح اقتصادي كبير، استطاعت الدعاية السياسية من خلاله فرض رؤية مستقبلية وحتمية للإنعاش الاقتصادي، ساهمت في تغاضي الشريحة الأعرض من مؤيديه عن افتقار السيسي لبرنامج رئاسي واضح أو خطة معلنة، في خطاباته الأولى، كان دائمًا ما يتحرى تحفيز ذلك الطموح الاقتصادي، وبعد أحداث متوالية من الاضطراب على المستويين الاقتصادي والأمني، بدأ التأييد الشعبي في التآكل، وحتى تم خفض سعر الدولار في الموازنة العامة إلى 8,25 جنيها كبداية، ارتفعت نبرات المطالبة برحيل السيسي لأول مرة صراحة، وتعالت مناشدات بإخضاع قيادات من القوات المسلحة، الشرطة والقضاء إلى المسائلة القانونية، يظهر أن اقتناص الانتفاضة المحتملة ظل هاجس السيسي الوحيد، وفقـًا لذلك، أغدق على شراء مؤسسات القمع الثلاث، عن طريق إهدار المال العام.

منذ وقت المؤتمر الاقتصادي الذي عقد بشرم الشيخ، استطاع السيسي أن يجمع قدرًا ليس ضئيلًا من مليارات الدولارات، أعلن أحد المتهمين الرئيسيين في القضية المعروفة إعلاميًا بقصور الرئاسة، رئيس الحكومة آنذاك، عوائد أولية للمؤتمر الاقتصادي بقيمة 60 مليار دولار فضلًا عن تعهدات بدعم خليجي قدره 12.5 مليار دولار، أيضًا نشرت جريدة الوطن النتائج النهائية للمؤتمر الاقتصادي، وقد بلغت 182 مليار دولار مكاسب حقيقية لمصر في صورة مشروعات أُعلن عن دراستها والبدء في تنفيذها، من مشروعات قطاعات النقل والدعم اللوجيستى والإسكان والمرافق إلى العاصمة الإدارية الجديدة، دون إتاحة فرصة لمتابعة ما وصلت إليه المشروعات في حيز التنفيذ، وإلى الآن، ما تزال تلك المشروعات دون الحد الأدنى من الإنجاز، في الوقت نفسه، لم تتطرق أجهزة الإعلام أو أية جهة رسمية إلى مصير المليارات من الدولارات التي تم تخصيصها منذ وقت طويل.

بطريقة مماثلة، كان التعويل الأكبر على العائد الدولاري وراء إهدار 8 مليارات دولار على مدى 12 شهرًا، من أجل مشروع كان يمكن تنفيذه من 3 إلى 5 سنوات، أُشيع أنه سيأتي بمئة مليار دولار سنويًّا، وبالرغم مما لهذا العائد من منافاة للواقع، بينما كان من المنتظر فعليًّا أن تتزايد إيرادات القناة من 5.3 مليار دولار إلى 13.226 على مدى 8 أعوام، ظهر جليًّا أن هناك هاجسًا بجمع المال يُسعى من أجله من قبل السلطة الحاكمة في مصر، أو الرئاسة بالتحديد، كان السيسي دائمًا في حاجة إلى المال، وكان في حاجة ماسة إلى المزيد من المال، ومهما جمع من مليارات، كان مصيرها النفاذ في وقت قصير.

جاءت تغطية «الزيارة التاريخية» للملك سلمان تقليدية إلى أقصى درجة، من حيث التغطية الموالية للنظام التي أشادت تلقائيًّا بالزيارة وما ترتب عليها، أو من حيث التغطية المعارضة التي أدانت الزيارة خاصة عند تنازل السيسي عن جزيرتين مصريتين خالصتين مقابل حفنة من الدولارات، كالعادة، لم يُذكر حرف عن الجهة أو الهيئة أو الخزينة التي يتم إيداعها النقود بعد توقيع السيسي أو رئيس حكومته أية اتفاقية تنص على إيداع مصر مبلغًا من النقود، تأتي الاتفاقيات المقصودة في صور نقود مقدمة بحسب الاتفاق بين الطرفين، الذي يحدد كمية النقود الممنوحة مقدمًا والأخرى الممنوحة لاحقـًا على مراحل منصوص عليها، أي أن ثمة منحًا للنقود يأتي سابقـًا لأي بدء فعلي في تنفيذ المشروعات، يعني أن جهة معينة غير معلنة تتلقى حصيلة النقود وتعمل على تصريفها بشكل غير معلن أيضًا، هكذا، لا يتسنى للرأي العام متابعة تصريف الأموال بشفافية أو وفق أحكام القانون. على هذا الأساس، لا يمكن الفصل في كيفية توزيع الأموال وفق المشروعات المخصصة لأجلها أم لا.

منذ إطاحة الجيش بالإخوان في 3 يوليو 2013، تسلّم الجيش مقاليد الحكم بشكل فعلي، إذ إنه من الصعب الإقرار بخصوصية قرارات الرئيس المؤقت آنذاك، وقد بدا كل ما صدّق عليه نافذًا من الجيش أو السيسي على الأقل، وبحسب السنوات المالية، في العام 2013 قفزت ارتباطات البنك الدولي للإنشاء والتعمير والمؤسسة الدولية للتنمية من 593 مليون دولار إلى 1404 مليون دولار للعام الحالي 2015. في هذه الفترة (3 سنوات مالية) لم تدخل خزينة الدولة المصرية مثيلات المنح والمساعدات والأموال المخصصة للاستثمار، في الوقت نفسه، ظل فرض التقشف قائمًا بشكل صارم.

يكاد يجزم عوام المصريين بافتعال التقشف دون فائدة حقيقية، على سبيل المثال، بمناسبة حلول العام الدراسي الحالي، تم صرف 15 ألف جنيه على دفعتين للقضاة مقابل 3 جنيهات ونصف للأطباء، صاحبت هذه الفجوة تدهورات على مستوى الأمن، أثرت في مسارات الاقتصاد بشكل بالغ، من إسقاط الطائرة الروسية، تعذيب ومقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، إقالة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بطريقة غير قانونية، والشكوك حول التعتيم على تلك الحادثة باختطاف طائرة هبطت في قبرص دون خسائر ودون سلاح حقيقي.

منذ بداية تسليح الشرطة على مستوى عال، ارتبطت بارتفاع وتيرة الاعتقال التعسفي، التعذيب في مقار الاحتجاز والسجون، الإخفاء القسري، التصفية خارج إطار القانون، ولم يحُل دون استكمال السيسي فرض التقشف على الشريحة الأعرض من عموم المصريين، وللمرة الأولى وصل الدين العام إلى 1,9 تريليون دولار بعد أن استنفذ السيسي كل ينابيع الإقراض الداخلي. وعملت سياسته الخارجية أيضًا على الاقتراض من كل حدب، حيث بلغ إجمالي رصيد الدين الخارجي من 39,624 مليار دولار منذ تولي السيسي الرئاسة رسميًّا في 2014، إلى 47 مليار دولار في بداية العام الحالي، أرغم ذلك البنك الدولي على التعنت في تسليم مصر مليار دولار كدفعة أولى من قرض 5,92 مليار دولار، على ثلاث سنوات.

في هذه الأثناء، لم يتوانَ السيسي عن الغدق على جنرالات الجيش، وإبرام الكثير من صفقات السلاح بأموال كانت تكفي لسد بعض العجوزات الحرجة، بداية من استلام 10 طائرات أباتشي من الولايات المتحدة الأمريكية، إبرام صفقة مع روسيا بموجبها اشترت مصر أسلحة بمبلغ 3.5 مليار دولار، استلام 3 طائرات رافال من شركة داسو الفرنسية في فبراير 2015 إضافة إلى أسلحة خاصة بالقوات البحرية دون ذكر الثمن، شراء حاملتي طائرات من طراز ميسترال بقيمة 1.06 مليار دولار، شراء 50 طائرة من طراز «ميج 29» من روسيا مقابل 5 مليارات دولار بعد موافقة روسيا على تسليمها إلى مصر، وأخيرًا – حتى تاريخه – إقرار قرض عسكري بقيمة 3.3 مليار يورو من فرنسا.

لم يتغير هدف السيسي منذ صعوده إلى السلطة وإلى الآن، وعليه أفرط في تأمين أذرع النظام والغدق على مؤسسات الجيش، الشرطة والقضاء من أجل ردء أية انتفاضة محتملة، على هذا الأساس، تحرك السيسي في سياساته بلا خطة معتمدًا فقط على شعبيته، متناسيًا تمامًا ما يؤدي إليه فرض التقشف دون عوائد حقيقية، فضلًا عن خلق فجوة واسعة بين شرائح المجتمع اقتصاديَّا، ثمة حقيقتان تهملهما سياسات السيسي: الحقيقة الأولى، لا تستطيع الشرطة أن تصمد أمام حراك ثوري يستغرق بضعة أيام، كما حدث في أيام 27، و28 و29 يناير 2011. الحقيقة الثانية، لا يوجد جيش في العالم يقدر على احتواء نصف مليون متظاهر.

يعوّل السيسي كاملًا على الزج بالجيش في مواجهة التظاهرات المحتملة التي تطالب برحيله، من هذا المنطلق، كان تجاهله المفتعل لتظاهرات جمعة الأرض مشوبًا بالارتباك والقلق، وأمسى يجد نفسه وحيدًا شيئًا فشيئًا، ويبدو أن قادة الجيش لا تسلّم لمحدودية ذكائه التي يثق فيها بإطلاق، لكن هذا لا يحسم موقفها من مطالبات الإعلان عن ميزانية الجيش، أو وقف الهيمنة على الاقتصاد، أو إعادة النظر في تخصيص الأراضي لوزارة الدفاع من قبل السيسي، أو إنهاء المحاكمات العسكرية للمدنيين، ناهيك عن المطالبات بمثول مسئولين عسكريين إلى المحاكمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السيسي
عرض التعليقات
تحميل المزيد