للرجوع إلى الجزء الأول من هنا

«الذي لا يكفيه البحر الأبيض يأخذ البحر الأحمر يشربه»

كان التوتر قد وصل بالعلاقات المصرية الأمريكية إلى ذروته، حين أعلنها عبد الناصر في خطابه ببورسعيد في ديسمبر (كانون الأول) 1964، وقد جاء هذا التصريح في السنة نفسها التي حصلت فيها مصر على مليوني طن من القمح الأمريكي بأسعار تفضيلية، تُدفع بالجنية المصري دون الحاجة لتوفير العملة الصعبة. وعلى عكس الشائع، فإن البدايات كانت مختلفة تمامًا، فقد تلقت حركة الجيش منذ البداية الدعم من واشنطن، بل كانت السفارة الأمريكية بالقاهرة على علم بتحركات الضباط الأحرار قبل 23 يوليو (تموز) 1952، كما أن الموقف الأمريكي المعارض كان سببًا رئسيًّا لإنهاء العدوان الفرنسي البريطاني الإسرائيلي 1956.

لم تكن الولايات المتحدة، وهي ترث نفوذ بريطانيا وفرنسا في الشرق عقب الحرب العالمية الثانية، ترغب في دور المستعمر القديم، بل كانت تريد حكومات يمكنها تقرير سياستها الوطنية، طالما ظلت مُتعاونة وداخل معسكرها، وليس المعسكر السوفيتي، وطالما لم تتخذ سياسات تعرقل إمدادات البترول، فقد كانت واشنطن، وما زالت، مشغولة بتأمين إمداداتها من البترول الخليجي عمومًا، والسعودي والإيراني خصوصًا، مما يبرر سياستها في الشرق ودعمها المستمر لأنظمة ضعيفة الشرعية تعتمد على الشراسة الأمنية، ويبرر أيضًا ما قدمته وتقدمه لضمان الولاءات داخل طهران والرياض.

في الوقت الذي اندفعت فيه القيادة في القاهرة بإيمانها أن واشنطن تريد تغيير النظام والقضاء على ناصر، وبدون دليل على ذلك سوى أفكار مؤامراتية، اندفع ناصر يطلق التهديدات والتصريحات النارية ضد واشنطن وحلفائها في عّمان، والرياض، وتل أبيب، رغم عجزه الفعلي عن تنفيذ تلك التهديدات؛ لمحدودية القدرات العسكرية واعتماد مصر اعتمادًا واسعًا على القمح الأمريكي.

لكن الخطابات الحماسية الصادحة من إذاعة صوت العرب، لم تكن جل ما يزعج الولايات المتحدة، بل كانت واشنطن ترفض بشدة تحركات ناصر العسكرية في اليمن ضد مصالح الحليف السعودي، ومع حضور الرئيس السوفيتي لافتتاح المرحلة الأولى من بناء السد العالي، بدت إشارات مصر عبد الناصر واضحة لأعضاء الكونجرس الذين اعتقدوا أن القاهرة قد ارتمت في أحضان السوفيت، ولم يكن ذلك حقيقيًّا بما يكفي، أو أقل تقديرًا أنه لم يحدث بشكل دارمي إلا بعد هزيمة يونيو (حزيران)، عندما بدأت موسكو في إرسال خبراء عسكريين وطيارين وأنظمة دفاع جوي وصواريخ لتعيد بناء الجيش المصري.

كانت الولايات المتحدة، وما زالت، تسعى خلف مصالحها المادية وبوضوح، فلم تكن لتبني سياستها الخارجية على قواعد الإنصاف والعدل، ورغم ذلك لم تكن واشنطن متجهة إلى صدام حتمي مع مصر عبد الناصر، وإنما كانت تمارس سياستها الخارجية ترغيبًا وترهيبًا؛ يوضح ذلك وليم ويلز في كتابه «المساعدات الاقتصادية والسياسية الخارجية الأمريكية تجاه مصر 1955- 1981»، بقوله «إنه فيما بين عامي 1955 و1967 لم يكن هناك توافق داخل الإدارة الأمريكية، سواء بين الأجهزة التنفيذية أو بينها وبين الكونجرس، حول الإجراءات المُتعيَّن اتخاذها حيال عبد الناصر».

وبالفعل، ورغم تضارب المصالح بين الطرفين، فإن المساعدات الأمريكية لم تنقطع، واستمرت القاهرة في تلقي صفقات القمح بترتيبات تفضيلية وصلت إلى 904 مليون طن بين عامي 1960 و1965، بقيمة 731 مليون دولار، دفعتها القاهرة بالجنية المصري. بل إن ناصر الذي كان يرغب في أن تشرب أمريكا من البحر في 1964، لم يتورع من أن يطالب الإدارة الأمريكية في سبتمبر (أيلول) من السنة نفسها بتجديد اتفاق السنوات الثلاثة للحصول على صفقات قمح جديدة بقيمة تعادل 500 مليون دولار تدفع بالجنية المصري.

من المؤكد أن ناصر بذاته كان هدفًا لبعض خطط واشنطن من أجل إضعافه، وذلك لأسباب عملية تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة، لكنها أيضًا كانت تعمل دون وقوع حرب إسرائيلية عربية أخرى؛ وذلك ما أكده تقرير «ولت رستو» مستشار الأمن القومي الأمريكي الذي قدمه قبل حرب يونيو بأربعة أشهر للرئيس «جونسون»، جاء فيه «يجب أن نواصل بذل الجهد لنتقرب إلى ناصر؛ لتفادي شق الشرق الأوسط إلى معسكر أمريكي وآخر سوفيتي، لكن ناصرًا لا يترك لنا سوى خيارات ضيئلة».

مع منتصف مايو (أيار) 1967 بدأ ناصر في استنفاد خياراته الأخيرة، بعدما اندفع يطالب الأمم المتحدة بسحب قوات الطوارئ الدولية المنتشرة على الجانب المصري من الحدود الإسرائيلية، ثم ما كان في صباح 23 مايو وإغلاق خليج العقبة في وجه الملاحة الإسرائيلية، وهو الخطأ التكتيكي المذهل الذي كان سببًا مباشرًا للحرب؛ فقد كان ذلك بمثابة تهديد مباشر لمورد إسرائيل الأول من البترول، فقد تضطر حاملات البترول القادمة من إيران التي كانت حينها تزود إسرائيل بقرابة 70% من احتياجتها البترولية، أن تدور حول رأس الرجاء الصالح.

لكن إسرائيل التي استمرت سيطرتها على ممرات الخليج عقب العدوان الثلاثي حتى نهاية عام 1957، ما كانت لتنسحب من أراضي سيناء إلا بعد تأكيدات أمريكية بضمان حرية الملاحة في المضيق، وهي الضمانات ذاتها التي طالب باحترامها وزير الخارجية الإسرائيلي في زيارته لواشنطن، بعد ثلاثة أيام من إعلان ناصر حظر الملاحة داخل الخليج.

ولم تكن الإدارة الأمريكية لتنتظر ثلاثة أيام، ففي ليلة 22 مايو كان الأسطول السادس الأمريكي في طريقه إلى شرق المتوسط، وفي اليوم التالي أرسلت واشنطن تحذيرًا إلى الحكومات العربية وإلى السوفيت، تؤكد الحاجة إلى تقليل مستويات حشد القوات العسكرية، وتوضح ضرورة ضمان حق العبور الحر في خليج العقبة. ومن الغريب أن القاهرة لم تكترث للموقف الأمريكي رغم وضوحه، وفقًا لفحوى البرقية التي أرسلها السفير الأمريكي المُعين في القاهرة إلى وزارة الخارجية في واشنطن يوم 23 مايو، بعد لقائه مع وزير الخارجية المصري، جاء فيها:

«لقد شدّدت على حكومة الجمهورية العربية المتحدة، يجب أن تفهم أن الحكومة الأمريكية سوف تقوم بكل جهد من أجل تفادي الحرب، وأننا نحث إسرائيل على ضبط النفس، لكن مسألة حرية العبور في خليج العقبة ذات أهمية بعيدة المدى، وأي انتهاك لهذه الحرية سيكون ذا عواقب وخيمة، وسيمثل من وجهة النظر الأمريكية عملًا عدوانيًّا».

كانت الإدارة الأمريكية إذن تهدد بأن إغلاق الخليج يعد بداية للحرب، لكن يبدو أن ناصرًا ورفيقه لم يكونا على استعداد للتراجع عن قراراتهما، حتى بعد بيان حاد اللهجة للرئيس الأمريكي في مساء اليوم نفسه، قال فيه: «إن قرار إغلاق خليج العقبة لا يتمتع بأي شرعية قانونية، وأنه يهدد السلام، داعيًا الأمم المتحدة إلى التدخل».

يصعب علينا أن نتفهم موقف الإدارة المصرية، خاصة حينما نعلم أن القاهرة بالفعل كان لديها حُجة قانونية لطرد قوات الطوارئ الدولية؛ وفقًا لاتفاق الهدنة الموقع 1949، كان على قوات الطوارئ أن تتمركز على جانبي الحدود، لكن إسرائيل رفضت انتشار تلك القوات داخل حدودها، فانتشرت على الجانب المصري فقط. وفي حين أنه كان هناك خلاف قانوني دولي حول حرية الملاحة في مضايق تيران، إلا أن مصر امتلكت وما زالت تمتلك حُججًا قانونية وتاريخية قوية تدعم موقفها بوصف مياة المضايق مصرية خالصة؛ فمنذ 1949 كانت مصر تسيطر على جزيرتي تيران وصنافير اللتين تبعدان قرابة ثلاثة أميال فقط عن شرم الشيخ. لكن المشكلة تكمن في أن القيادة السياسية لم تستغل هذه الحُجج على الصعيد الدولي الاستغلال الأمثل، بل اكتفت كالعادة باستعمالها في الحشد المحلي.

ويبقى التساؤل حول ما إذا كان عبد الناصر قد صار أكثر طيشًا، أو أنه أصبح أكثر اطمئنانًا إلى دعم السوفيت، وإذا كان حقًّا يرغب في الحرب، فلماذا لم يبادر رجاله بالهجوم؟ لكن يبدو أن ناصرًا لم يعتزم الحرب، وإنما اتخذ تلك القرارات للتمويه من أجل تحقيق مكاسب سياسية؛ دعمًا لهيبته التي بدأت تتهاوى أمام الملكيات العربية الرجعية، والتقليل من تدهور نفوذه الدولي، وخاصة بين دول عدم الانحياز، ومحاولة لإثبات أنه ما زال قوة يعتد بها، وأنه قادر على إيذاء مصالح واشنطن، على أمل أن يؤدي ذلك إلى زيادة المساعدات الأمريكية.

لكن الإدارة الأمريكية، ورغم موقفها الواضح ضد إغلاق خليج العقبة، لم تقدم أي شيء للقاهرة كي تتراجع عن قرارتها، بيد أنه كان من شبه المستحيل أن يتراجع ناصر دون ثمن يحصل عليه لتبرير تراجعه؛ ثمن يقدمه للشعب المصري الذي عُبئ وتحمل الكثير ماديًّا ومعنويًّا من أجل المواجهة مع إسرائيل، ثمن يدفعه للشعب العربي الذي تعلّقت أنظاره بأجهزة الراديو المضبوطة على محطات القاهرة، ثمن يتفادى به السخرية الحادة والتحقير الموجه له من السعودية والأدرن، ثمن مقنع لدول عدم الانحياز والعالم الثالث التي احتشدت خلفه، احتاج ناصر لمثل هذا الثمن، لكن واشنطن لم تقدم لناصر ما يساعده، وهكذا بات حتميًّا على مصر أن تواجه تبعات اختزال الدولة في شخص الزعيم.

في النهاية إذا أردنا أن نفهم التحولات الحادة في تلك الفترة الحرجة من تاريخنا، علينا أن ننظر إلى القضية بعدسات الحرب الباردة، فقد استند جزء كبير من قوة العلاقات الإسرائيلية الأمريكية في الستينيات على اعتبار أن إسرائيل كانت أحد أهم أصابع واشنطن في حربها الباردة مع السوفيت وحلفائه، في حين أن مصر فضلت تحالفًا باردًا مع السوفيت على الرغم من ادعاءات عدم الانحياز. وقد كانت الإدارة الأمريكية متورطة في فيتنام، وليس لديها رفاهية القيام بمهام فعلية على أرض الشرق الأوسط، ومن ثم كانت بحاجة لوكلاء، وهو الدور الذي شغلته إسرائيل وتثبتت فيه غداة حرب يونيو، بينما تولت الرياض ودول الخليج تدريجيًّا دور التابع والمحميات، وشغلت إيران الشاه موقعًا في المنتصف.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات