كانت تقود سيارتها بين شوارع تونس العاصمة، وكنت أمسك “موبايلي” أطلع عبر موقع تويتر على أخبار العالم والناس، حين سمعت صديقتي التونسية والمقيمة في فرنسا تقول “تونس ليست هي تونس”، التفت إليها، تأملتها قليلًا ثم قلت “أتعرفين أني اللحظة قرأت تغريدة لتونسية تقيم في دبي تقول نفس الجملة أن تونس لم تعد تونس؟”

 

أومأت صديقتي برأسها، واسترسلت في تعداد الأسباب التي جعلتها تؤمن أن تونس بن علي ليست هي تونس بعد هروب بن علي، كنت أستمع إليها وأنا أتذكر خبرًا قرأته عن فضيحة في كندا، صحفي متخصص في الشؤون الدولية كشفه زملاؤه وفضحوا تلفيقه لعدد من الأخبار الدولية، نقلها مختلقة وليس فقط مغلوطة للرأي العام الكندي.

 

الصحفي تمت إقالته، وإعلاميو هذا البلد البعيد قالوا إنه يسهل التأكد من الأخبار المحلية، لكن يصعب التدقيق في الأخبار الدولية بسبب البعد الجغرافي وأسباب أخرى. لم أتفاجأ وأنا أقرأ خبر التلفيق، ولا تفسيرات التلفيق، فحس التفاجؤ اندثر وأنا أزور عددًا من البلدان وأنتبه أن ما ينقل عنها ليس بالضرورة كما يحدث فيها، وأن ما يخبر به المواطن ليس بالضرورة ما يهتم به الإعلام المنشغل بأخبار صانع القرار.

 

لذلك تساءلت وأنا أزور تونس لثالث مرة بعد أن وطئت أرضها لأول مرة في نوفمبر 2011، ما الذي لم يخبرنا به الإعلام عن تونس ما بعد بن علي؟ تونس السبسي التي نجحت حسب صناع القرار، وحسب الإعلام، في الهروب بربيعها بعيدًا عن مثلث برمودا العرب.

 

فيسبوك يقود والنهضة يحكم

سألني صديقي الصحفي مراد “هل سمعت بالمظاهرة التي خرجت بالمئات مطالبة بمعرفة مصير البترول؟”، أجبته “لا لم أسمع، لكني تابعت على فيسبوك أخبار هاشتاغ #وينو_البترول، بالمناسبة من وراء هذه المظاهرة؟”، يجيبني مراد بدون تردد “فيسبوك”، وأسأله “ومن يحكم البلاد؟”، فيقول”ظاهريًا نداء تونس والسبسي ولكن الواقع أن النهضة لا يزال حزبًا قويًا وحاكمًا”.

 

في تونس، لا يزال حزب النهضة يحظى بشعبية رغم أن صناديق الاقتراع قالت غير ذلك، لكن حسب الصحفي مراد التائب، وصديقنا خماييس عرفاوي عضو النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، ورغم أنهما لا ينتميان سياسيًا لهذا الحزب إلا أنهما يريان أن أعضاءه أصبحوا أكثر حكمة، ونضجًا، وبدأوا في تجاوز “غرور الأغلبية”، وفهم أن الحصول على أصوات كثيرة لا يعني التحكم في دواليب الحكم، وهو ما فهمه بدوره السبسي الذي فهم أن إقصاء الإسلاميين لن يزيدهم إلا قوة، فبات أكثر قربًا وتفاهمًا معهم من أجل تونس مستقرة.

 

ويبقى فيسبوك في ظل هذا الزواج السياسي الجديد محركًا في يد الشعب يستخدمه للضغط على صناع القرار وإسماع صوتهم، إذ أنه بعد إطلاق هاشتاغ #وينو_البترول، تناقلت الأخبار حدث تفجير وصف بالإرهابي، اهتم به الشعب الفيسبوكي التونسي، لكنه عاد وأطلق هاشتاغًا آخر تحت عنوان #نرجعو_لموضوعنا، في إشارة تشكيك إلى أن “ألاعيب الدولة” لإلهاء الشعب التونسي وإخافته وجعله يختار الأمن مقابل حقه في التساؤل عن ثرواته المادية، لم تعد تنطلي على شعب تونس.

 

الربيع التونسي وثورة الشيشة

في آب 2012، كنت وصديقي التونسي نبيل شملي من منظمة الأمم المتحدة نتجول بين شوارع مدينة سوسة حين قال لي “بعد هروب بن علي انتشرت مقاهي الشاي في تونس”، لم أدقق كثيرًا فيما أخبرني به، لكن عودتي إلى تونس في مايو 2015 جعلتني أنتبه إلى أن مقاهي الشاي منتشرة بشكل أكثر مما شاهدته أول وثاني مرة أتيت فيها إلى تونس.

 

ونحن نجلس في إحدى مقاهي العاصمة سألت صديقي مراد وخماييس “هل هذا المقهى حديث؟” أجاباني “نعم”، ليضيف خماييس مازحًا “هذا ما حمله لنا الربيع العربي مقاهي وبي إن سبورت وشيشة”. نظرت إلى خماييس متعمنة فيما قاله، وفهم أني أستفهم إن كان يتحدث جادًا أم مازحًا، فأجابني مراد مؤكدًا كلام خماييس أنه “بعد ثورة الياسمين انتشرت مقاهي الشاي بكثرة لأنه أصبح الترخيص لها أسهل مما كان عليه في عهد بن علي”، وأضاف خماييس “إنه لتنجح هذه المقاهي لا بد أن يقدم صاحبها خدمتين قناة الجزيرة الرياضية المعروفة بـ “بي إن سبورت” والشيشة وإلا سيحكم على مشروعه بالفشل”.

 

مصائب تونس عند المغرب فوائد

في منزل صديقتي سارة في العاصمة تونس، جلس والدها يحدثني عن زيارته للمغرب، وعما يعرفه عن هذا البلد القريب البعيد، حين قال لي بالفرنسية ما معناه “مصائب قوم عند قوم فوائد”. كان والد سارة مقتنعًا أن المستفيد الوحيد من رياح الربيع العربي هو المغرب الذي هربت نحوه كل جموع السياح التي كانت تتفرق بين تونس ومصر.

 

في اليوم التالي، غادرت العاصمة إلى مدينة الحمامات، هناك على البحر المتوسط وفي يوم أحد بدا شاطئ الياسمين مقفرًا إلا من بضع سياح أجانب، كان المسؤول عن هذا الشاطئ الخاص يحضر لنا مكانًا حين سألني “جزايرية؟” أجبت “لا مغربية”، ورفع يده فيما يشبه الغضب قائلًا “لقد أخذتم كل سياحنا إليكم وتركتم لنا موسمًا مضروبًا، انظري، انظري، كم هو الشاطئ خال، كلهم ذهبوا إلى المغرب”.

 

أمضيت بضع ساعات بشاطىء الياسمين، كلما عرف تونسي يعمل بهذا الشاطئ بأني من المغرب ردد على مسامعي نفس العبارة “لقد أخذتم سياحنا”، لم أحاول إقناعهم بأننا مثلهم نعاني من موسم “مضروب”، لكن ما فاجأني أكثر هو حين أخبروني أنهم ينوون السفر إلى المغرب بعد رمضان للعمل صيفًا في شواطئه ومحلاته.

 

تفاجئي لم يفاجئ صديقي الصحفيين مراد وخماييس وأنا أشاركهما ما حدث، وشرح لي خماييس أن صحيفة لابريس التي يعمل بها نشرت تقريرًا بالأرقام عن رؤوس الأموال التونسية، ورجال الأموال التوانسة الذين هاجروا بعائلاتهم وأموالهم للاستقرار في المغرب المنطقة الأقرب إلى تونس وأوروبا وأمريكا، والأكثر استقرارًا من أجل استثمار اقتصادي أفضل.

 

التوانسة لا يحبون الليبيين

لم أجد شعبًا يستقبل المغاربة بكل احترام مثل الشعب التونسي، ولم أجد شعبًا لا يبدي تذمرًا من الجزائريين مثل الشعب التونسي، ولا قلقًا من المصريين مثل الشعب التونسي، كما لا أعرف موقف التوانسة من الليبيين قبل هروب بن علي، إلا أني أعرف موقفهم بعد هروبه.

 

أول مرة أتيت فيها إلى تونس، كان والد صديقتي إيمان يحكي لي متذمرًا من الليبيين في الوقت الذي كان فيه ينصت لأخبار إطلاق الرصاص على جنود تونسيين من قبل مارقين ليبيين، في نفس الأسبوع الذي شهد فيه فندق في شارع الحبيبة بورقيبة جريمة مقتل تونسية على يد ليبي رمى بها من سطح الفندق.

 

تمر السنوات وتمر الزيارة تلو الأخرى، يزداد عدد الليبيين الوافدين إلى تونس، ويصل عدد المقيمين فيها حسب ما تنقله الصحافة إلى المليون ليبي مقيم، وبازديادهم يتضاعف تذمر التوانسة من الليبيين.

 

لماذا هذا التذمر؟ أسأل البائع أحمد في إحدى متاجر سيدي بوسعيد في العاصمة تونس فيخبرني “لقد تسببوا في غلاء المعيشة في البلاد”. هذا الرد سمعته من كثير من التوانسة الذين كانوا يبدون ضيقًا من تواجد الليبيين في بلادهم، ويفسر لي أحدهم أنه لم يعد مواطن تونسي دخله محدود قادرًا على إيجاد سكن يناسب مستواه المادي لأن المؤجر التونسي يفضل تأجير منزله لليبي الذي لا يخلو جيبه من مال، ولا يده من عطاء.

 

تونس تحولت إلى لبنان الستينات

قبل أن تحل الحرب الأهلية في لبنان وتفتك بهذا البلد وأناسه، كان لبنان ملجأ لكثير من المنفيين والمقموعين في بلادهم من مفكرين، صحفيين، وسياسيين. تدور الأيام، وتتلقى تونس هذه المهمة بعد أن بات لبنان وأغلب دول المنطقة تحت وطأة النزاع السياسي، لقد تحولت تونس إلى مستقبل للنشطاء، وللمنظمات أيضًا.

 

في إحدى الفيلات في تونس العاصمة، وأمام لافتة كتب عليها “مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان”، وقفت ألتقط صورة سيلفي وصديقي المصري أحمد الجوهري أحد النشطاء والعاملين في هذه المنظمة يخبرني فرحًا أنه “أخيرًا بات لمنظمتنا لافتة فقد كان الأمر ممنوعًا علينا في مصر”. أسأل أحمد إن كان ينوي العودة إلى مصر الآن، فيجيب بنبرة حزن “لا ليس الآن، أنا قاومت لأقصى حد أملًا في تغيير أفضل لبلدي لكني لا أستطيع البقاء أكثر فإن لم يلقَ القبض عليّ سوف يلقي الاكتئاب القبض علي”.

 

سلفيو تونس ناس كول

بين أزقة حي حمام الأنف، كنت أتجول وصديقتي سارة حين تذكرت أنه عليها اقتناء الخبز، توجهنا إلى محل وقف صاحبه بلحيته الطويلة الكثة وجسمه النحيف يقدم الخبز الساخن للزبائن في خفة ومع ابتسامة عريضة. كان البائع لطيفًا، ضحوكًا، وثرثارًا، كنت أتحدث إليه بكثير من التحفظ لكن مع ابتسامة عريضة كما تعودت أن أفعل مع معارفي من الإسلاميين، لكن إسلاميي وسلفيي تونس، ناس غير.

 

تخبرني سارة، ويخبرني أصدقاء توانسة غيرها أن السلفيين في تونس معروفون بـ “المزاح، الابتسام، الثرثرة، وعدم الامتعاض من الحديث إلى النساء بل إنهم يفضلون الثرثرة معهم”. يتحدث إلي البائع شعبان، ويخبرني أنه زار المغرب، ويردد على مسامعي بضع كلمات مغربية، ويصر ألا أغادر إلا وقد أهداني خبزًا تقليديًا تونسيًا إكرامًا لأهل المغرب.

 

سلفيو تونس ناس “كول”، هكذا يصفهم التوانسة الذين عاشوا لسنوات في ظل حكم علماني قمعت فيه الدولة كل مظهر تدين، وأنشأت ما وصفته صديقتي سارة بـ “الإسلام التونسي”، الإسلام الذي يسمح للتونسي بأن يحتسي بيرة وهو يقول “باسم الله”، وينهيها وهو يقول “الحمد لله”.

 

انتهت الأيام العشرة التي أقمت خلالها في تونس السبسي، في مطار العاصمة كان علينا أن ننزع أحذيتنا للمرور بالتفتيش، سلوك لم أعهده في مطارات تونس، وصلت مطار محمد الخامس لأفاجأ بممر خاص بكل القادمين من البلاد الخضراء، استفهمت من رجل الشرطة المغربي عن السبب وراء هذا الممر، فأجابني “منذ حادثة متحف باردو، لم تعد تونس هي تونس”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد