بمعدل حرب كل عامين عاشت غزة سنواتها الست الأخيرة، وهكذا تكون حرب 2014 هي الحرب الثالثة، والمكملة لحربين سابقتين من المفترض أنهما راكمتا خبرةً جيدة بالاستراتيجيات العسكرية و الأمنية و السياسية لدى الطرفين، و توقعات بما تحمله هذه الحرب الثالثة.

 

لكن الحاصل أن خبرة الحربين السابقتين لم تفد كثيرًا في إدارة المعركة هذه المرة؛ ذلك أن السياقات السياسية التي تبلورت خلالها كل حرب كانت مختلفة، كما أن حربين سابقتين جعلتا كلًا من الطرفين يطور- بشكل سريع – آلياته بهدف حسم المعركة نهائيًا؛ بحيث يحصل على ضمانات طويلة الأمد تجعل فكرة “حرب رابعة” فكرة بعيدة، و غير ممكنة.

 

هذه الحرب التي استمرت واحدًا و خمسين يومًا يتخللها تهدئات إنسانية متقطعة ومتفاوتة الطول، وضعت صورة جديدة لواقع الصراع العربي – الإسرائيلي، بحيث تحولت بعض الأطراف من أمكنتها و سياقاتها إلى أمكنة أخرى – بشكل كلي -، لتصبح لاعبًا جديدًا في مساحةٍ لم تظهر سابقًا بهذا الوضوح، وهكذا: جعلت الخط التاريخي يتحول باتجاه مغاير لما كان متوقعًا، أو معهودًا، في السنوات السابقة.

 

و هنا يكمن السؤال : ما الذي قالته الحرب الثالثة؟

ربما لن نكون بحاجة إلى وقتٍ طويل لنكتشف أثر هذه الحرب على الخارطة العربية؛ فبقدر سرعة تطور الحرب و زخم التغيرات الاستراتيجية الحاصلة فيها، سيكون التغير اللاحق لها سريعًا و ملحوظًا، و مفاجئًا أيضًا؛ إذ أن الواقع الذي خلَّفتهُ الحرب واقع مهزوز، و قابل لخيارات متعددة ومفتوحة ومتضادة، و لا بدَّ أن هزَّات ارتدادية (عنيفة أو خاملة) ستلحق بالمنطقة قريبًا. و لكن نظرة سريعة على الأحداث تجعلنا نتوقف عند بعض المحاور الهامة:

 

أولًا: حرب الأسماء

تبدأ قراءات الحرب من التسميات التي اختارها الطرفان لها؛ ففي حين استمرت حماس في اللجوء إلى المرجعيات الدينية، و الاستعارات النصيَّة المقدسة، توقَّفت إسرائيل هذه المرة عن الصبغة الدينية في التسمية، فمقابل “العصف المأكول” وهي التسمية التي أطلقتها حماس على الحرب، و تُحيل مباشرةً إلى سورة الفيل، اختارت إسرائيل تسمية عمليتها العسكرية بـ “الجرف الصامد”.

 

إن نظرة سريعة إلى التسميتين يمكن أن تظهر مدى القوَّة و الثقة و الاستعداد التي بدأت بها حماس المعركة، في مقابل التراجع و الخلخلة في المجاز غير الواضح تمامًا لدى إسرائيل، والذي يمكن تفسيره بعدَّة تفسيرات، من ضمنها: اعتبار إسرائيل في وضعية المقاتل المحتاج إلى الصمود، والذي يتموقع في موضعية دفاع، وبهذا يكون مغايرًا للتسميات العسكرية السابقة التي أخذت صبغة مجاز هجومي: الرصاص المسكوب، عمود السحاب.

 

لقد اعتبرت حماس هذه الحرب استكمالًا لمنجزات حرب نوفمبر 2012، فإذا كانت حرب 2012 هي حرب “حجارة السجِّيل”، فإنه قد آن الأوان لتحقق المنجزات (بشكل واضح) و تكون هذه الحرب هي حرب “العصف المأكول”، اعتمادًا على مرجعية النصَّ المقدس.

 

وهكذا يبدو أن حماس قد ضاعفت استعداداتها العسكرية، معتقدة أن مضاعفة العتاد العسكري سيكون كفيلًا بتحقيق إنجاز مضاعف عن الحرب السابقة في 2012، تلك الحرب القصيرة التي اعتبرتها – ربما – حربًا تمهيدية لحرب فاصلة و أكثر شمولًا، هي هذه الحرب الثالثة.

 

لكن يبدو أنه غاب عن القيادة السياسية لحماس أن السياق السياسي الذي تدور المنطقة في فلكه، والذي تشكل حماس أحد بناه الأساسية المعارضة، قد تغير بشكل جذري خلال العامين التاليين لحرب 2012، وأن هذا السياق الجديد لا يحتاج فقط إلى قوة عسكرية مضاعفة؛ لأن الحرب لن تكون مع إسرائيل وحدها!

ثانيًا: الخطاب العسكري

ربما لم تشهد أي من الحربين السابقتين حضورًا إعلاميًا كثيفًا للخطاب العسكري كهذه الحرب، ليس فقط بسبب طول فترتها مقارنة بالحروب السابقة، بل أيضًا لأن الخطاب العسكري الإعلامي – ذاته – كان فاعلًا رئيسًا في إدارة المعركة، وليس في التعليق عليها فقط؛ فبمقدار قوة الخطاب كان إقرار كل طرف بصمود الجبهة الداخلية، هذا الصمود الذي راهن عليه الطرفان: بقوة من الجانب الفلسطيني، وبضغف لم يتمكن الإسرائيليون من إخفائه عن الصحافة ووسائل الإعلام.

 

إن الخطابات القصيرة للمتحدث باسم كتائب القسام كانتْ ذات مرجعية دينية واضحة، ينتمي أسلوبها إلى العصور الوسطى “زمن الحنين الإسلامي”، حتى إن الخطاب الأول كان قد أثار ردود فعل هزلية كبيرة، بما يشبه النكتة، حول وصف المتحدث ليعلون بـ”ابن اليهودية”.

إن هذه اللغة “التراثية” ليست تشير إلى شيء بمقدار إشارتها إلى المرجعية الأولى التي ينتمي إليها الشق العسكري من حركة حماس، أو التأصيل الأيديولوجي لها، و الذي يمتد بعمق متجذرًا في مرجعيات دينية أقل ما يقال فيها إنها شديدة المحافظة، وربما الانغلاق أحيانًا.

 

وهذا هو التأصيل الذي بدا أن الشق السياسي من الحركة قد أجرى تعديلات عليه، بحيث جعله يبدو أكثر ليونة و تسامحًا في محاولةٍ لكسب أي تأييد من حلفاء أو محايدين خلال فترة الحكم السياسي.
يشير هذا الخطاب – بشكل أساسي – إلى استمرار كون الصراع مصبوغًا بالصبغة “الدينية” من قبل الطرف الفلسطيني، وأن القضية ليست مجرد دفاع أمة محتلة عن وطنها؛ إنها أمة تسعى لاستعادة حق إلهي، ولا تمانع في أن تمضي وقتًا طويلًا في سبيل الوصول إلى تحقيق وعدٍ إلهي منتظر لدى جماعة تعلم يقينًا أنها تمتلك حقيقة مطلقة حول عدالة معركتها، و أن هذه المعركة لن تكون لها آفاق سياسية أو حتى نهايات طبيعية كأي أمة تتوقع تحررها، لن تكون النهاية سوى نهاية مجيدة بتدخل إلهي، هذه الطاقة الإيمانية تجعل كل محاولة إسرائيلية أو عربية لترويض المقاومة محاولة فاشلة، وهزلية.

 

وفي المقابل: بدا الخطاب الصهيوني متحررًا من أي مرجعية دينية – على مستواه الرسمي – حين كان يتم توجيهه إلى الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بينما حاول أفيخاي أدرعي، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، أن يتعامل بخطة مكشوفة مع الجمهور العربي، فحوَّل خطابه إلى خطاب “بمسحةٍ دينية” عبر صفحته الرسمية على موقعي فيسبوك وتويتر، معتقدًا أن الخطاب ذي المرجعية الدينية هو الخطاب الوحيد الذي يمكن أن يستجيب له الجمهور الفلسطيني.

 

فبينما هو ينشر فيديو لريم الرياشي وهي تقرأ وصيتها قبل تنفيذها عملية استشهادية يعلق: قال النبي “المرأة راعية على بيت زوجها وولده”، وفي الجمعة الأولى من الحرب ينشر عبر صفحته تسجيلًا لسورة الكهف مع أمنيات بجمعة مباركة.

 

لم يقتصر الخطاب العسكري على وسائل التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى أن يكون رسالة شخصية موجهة إلى كل شخص في قطاع غزة عبر الهاتف الثابت أو المحمول عن طريق رسائل نصية أو اسطوانات مسجلة، أو حتى مناشير يتم إلقاؤها عبر الطائرات إلى سكان القطاع.

 

و على العكس من الحربين السابقتين بدت المنشورات و كأنها لا تريد أن تكون أداة فاعلة في حرب نفسية ضد المواطنين، بل كانت مجرد محاولة تأليب للحاضنة الشعبية ضد المقاومة، في سعي حثيث من قبل إسرائيل لإيقاف الحرب.

 

لقد كانت إسرائيل معنية جدًا بإيقاف الحرب التي تلقت فيها ضربات موجعة، ولكن لم يكن بإمكانها أن توقفها وهي تتحمل خسارة تاريخية، لذا كان الخطاب الموجه إلى الجبهة الداخلية الفلسطينية يسعى إلى توضيح موقف إسرائيل على أنه إنساني بحت، وغير عدائي، مطالبًا المواطنين بنبذ المقاومة لأنها هي السبب في الحرب الحاصلة، وليست إسرائيل.

لم تكتف إسرائيل بتغليف هذه الرسائل بهذا الطابع من الودية، حيث تعاملت مع سكان القطاع على أنهم جزء منفصل تمامًا عن حماس، بل إن المكالمات التحذيرية لأصحاب البيوت المنوي قصفها بدت هي الأخرى مكالمات غير عدائية، تم في بعضها إطالة الحوار بين ضابط المخابرات وصاحب البيت بشكل ساخر!

 

لكن ما يمكن قوله في النهاية إن هذا الخطاب لم يكن مجديًا، بل و مثيرًا للسخرية، ولا يمكن تفسير كل هذه الهزلية التي اتسم بها الخطاب العسكري الإسرائيلي الموجه للجبهة الفلسطينية إلا على أنها محاولة استخبارية لاستنطاق الفلسطينيين الذين ربما سيجدون نوعًا من التسلية في التعامل مع هكذا خطاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد