الحضارات لا تصارع أبدًا من أجل إقامة العدل والسلام. الدافع الحقيقي المحرك للصراعات بين الشعوب هو الرغبة في الهيمنة والسيطرة على الموارد الطبيعية والبشرية من أجل تعظيم فرص البقاء. هذا الدافع مدجج بالإمكانات المادية والمعنوية هو الذي أدى بالغرب إلى السيطرة على العالم وأنتج العالم المقاد أوروبيا الذي نعيش فيه اليوم.
ما هو الغرب؟
أولًا علينا بتعريف ما هو الغرب تحديد لكي نقرر عن من نتكلم. الغرب ليس مجرد دلالة جغرافية على خريطة العالم، بل هم الشبكة العالمية التي تضم الأوروبيين البيض الذين أصولهم في أقصى غرب القارة الأوراسية وهويتهم ووعيهم بمنزلتهم في العالم مرتبطان بهذا المنشأ. هم الآن متركزون في أوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية، والجنوبية، وفي أستراليا، ونيوزيلاندا، وبعض الفرق الصغيرة في باقي مناطق العالم. هم المجموعة سبقت العالم في الانتقال للحداثة منذ عدة قرون واقتادوا ولا زالوا يقتادون العالم من ورائهم إليها بالقوة بهدف هيمنتهم عليه وانتزاع امتيازات فيه.

بدأت في إحدى أممهم (إنجلترا) ما يطلق عليه الثورة الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر، وهي ثورة حضارية شاملة، ولكن أكثر ملامحها بروزًا هو طغيان الصناعة على الزراعة فسميت بالصناعية. هذه الثورة شكلت الانتقال من نظام الثبات النسبي لدخل الفرد، الذي استمر آلاف السنين منذ الثورة الزراعية في المنطقة التي تطلق عليها «الهلال الخصب» ومصر، إلى نظام النمو المستدام في دخل الفرد والذي يقاس سنويًا. قبل حدوث هذه الثورة الحضارية الشاملة، غزا الأوروبيون نصف الكرة الغربي واستعمروه بالكامل، مما عاد عليهم بموارد ضخمة تراكمت حتي وصلت للكتلة الحرجة التي أدت بالنهاية إلى الوصول لحالة الثورة الصناعية والانتقال إلى النظام الجديد الذي تم تصديره لباقي أمم العالم بعدما استشعرت هذه الأمم ضرورة هذا الانتقال إلى عصر الآلات الثقيلة للقدرة على مجابهة العدوان الأوروبي.

أول هذه الأمم غير الأوروبية في الانتقال الناجح للحداثة وللعصر الصناعي كانت اليابان في منتصف القرن التاسع عشر، وكانت هناك محاولات أخرى باءت بالفشل كمصر محمد علي. وأخرى توجت بنجاح متأخر كروسيا، وتركيا، وكوريا الجنوبية، والصين وغيرهم. أقول متأخر لأنه جاء بعد رسم النظام العالمي بما يضمن الهيمنة الغربية الشبه الكاملة على كل ما يجري في العالم. فهذه القوى التي انتقلت متأخرة تنمو سريعًا، ولكن لا زالت محاطة بالسيطرة الأوروبية عسكريًا ومعلوماتيًا وبالأدوات المالية كالعملة وأسواق رأس المال التي يحتكرها الغرب.

إن عدوان الأوروبيين على العالم (منذ خمسة قرون لنصف الكرة الغربي، وقرنين لمعظم القارة الأفرو-أوراسية) يمكن تشبيهه في التاريخ بعدوان الأمم التي غزت وحكمت أجزاء شاسعة من العالم كالمغول والعرب المسلمين والترك في العصور الوسطي، وكفارس والإغريق والرومان في العصور القديمة. العدوان الغربي لا يختلف عن العدوان السابق كثيرًا في المنهج والأهداف التي سأتحدث فيها في القسم التالي «ماذا يريد الغرب من العالم»، ولا يختلف هذا العدوان والهمينة العالمية للغرب عن سابق حضارات الغزاة أيضًا في محدودية مدة نفوذه خارج أراضيه فهو منتهي في المستقبل بلا شك.

منذ الحرب العالمية الثانية وتدمير القوى الغربية الكلاسيكية كبريطانيا وفرنسا، يقود الغرب في حكم العالم الولايات المتحدة الأمريكية إلى هذا اليوم. الولايات المتحدة هي مستعمرة إنجليزية في نشأتها وأوروبية في تكوينها وهويتها وانحيازاتها. تري العالم كما رآه الأوروبي المستعمر. تقسم العالم إلى أوروبي متحضر، وغير أوروبي همجي، تستخدم كلمات مشفرة لتنقل هذا الانقسام الثنائي في رؤية العالم كتصنيفها لأي فرد في العالم كأبيض وغير أبيض. أو الدول المتقدمة والدول النامية أو العالم الأول والعالم الثالث وغيرها من المصطلحات المشفرة التي تعبر عن هذه الرؤية العنصرية المدعومة بنظريات علمية مرتبطة بالتطور العضوي والتي تربط التطور الاقتصادي بالتطور العضوي للإنسان.

وبالتالي التخلف الاقتصادي يشير إلى تخلف عضوي (متعلق بالجينات الوراثية) ولا يجوز معاملة من هو متخلف عضويًا كمن هو متقدم عضويًا. علينا التذكير هنا بأن علمي لا تعني بالضرورة على أن الفكرة أمر مستقر ويعامل كحقيقة، فستجد معظم من يشتغلون في العلم اليوم ينكرون صحة هذه النظرية، ولكن هذا لا ينفي أن هذا الربط بين الجينات الوراثية، والأداء الاقتصادي لا يزال قائمًا، ويضع هذا التصور الكثيرون في الغرب (والمتعلمون غربيًا) في خلفية أذهانهم ويؤثر في حكمهم على تصنيف وتقييم البشر ومعاملتهم. المواطن الأمريكي هو المواطن الذي من أصول غرب أوروبية ويتحدث الإنجليزية بإحدى اللكنات الأمريكية، وما دون ذلك فهم أقليات يعتبر أفرادها مواطنين من الدرجة الثانية يعانون التمييز الممنهج والإقصاء. الولايات المتحدة تقود الغرب في حكم العالم وتحاول تصدير نموذجها الاجتماعي الاقتصادي له، أي الرأسمالية والعنصرية التي تحترم البيض الأوروبيين، وعلى رأسهم الأمريكان البيض.

ماذا يريد الغرب من العالم؟

الهيمنة الاقتصادية والعسكرية للغرب على العالم والتدخلات السياسية في شئون الدول ونشر اللغات الأوروبية والهيمنة الإعلامية والفكرية وغيرهم من الممارسات الكلية والعامة من الممكن أن تشتت الانتباه إلى الهدف النهائي لها، ألا وهو المعاملة المميزة للبيض الأوروبيين (وعلى رأسهم الأمريكان البيض) من قبل الدول والأسواق والحكومات حول العالم؛ مما يعني تهميش من هم خارج هذه الفئة في كل الأماكن في العالم! إنه هدف حصري يضر حتمًا بأي إنسان لا ينتمي بالولادة إلى هذه المجموعة، ولا يجوز له بأن يدعمه بأي حال.
كل هذه القوة الغربية المادية والمعنوية المطلقة في فضاء العالم تستهدف في النهاية أن تصير حياة الغربيين أكثر راحة وثراءً وأمنًا.

يريد الغربي ان يتم تفضيله كمواطن وكمستهلك وكمستثمر وصديق وكجار وكزوج في أي مكان في العالم يذهب إليه. هذا هو المنتج النهائي للاستعمار سابقا ( وأدواته الحرب ثم السيطرة الاقتصادية) وللاستعمار الحديث حاليًا (وأدواته فرض السيطرة الاقتصادية بالأدوات السياسية السلمية أولًا وإن لم يفلح هذا المسعى، تشن الحرب لفرضها). الغربي يريد أن يتم الترحيب به أكثر من غير الغربي في أماكن الاستهلاك والترفيه، يريد أن يتم تفضيله عند التقدم لوظيفة أو عند المنافسة (أو المزاحمة إن شئت) على فرصة استثمار. يريد أن يستنضفه أصحاب العقارات فيفضلونه مستأجرًا أو مالكًا في شققهم أو فنادقهم. يريد أن تخدمه الحكومات قبل غيره وتهابه أكثر من غيره فلا تعبث معه الشرطة والسلطات كما تفعل مع غير الغربي، سواء في بلده أو خارجها. يريد أن يجله الناس ويعاملوه ككائن مميز يتشرفون باقامة علاقات اجتماعية معه.

هذا ما يريده الغرب من العالم. ويستخدم كل أدواته الصلبة كالقوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والناعمة، كالإعلام، والتعليم، والفن، والأدب، والرياضة، والأنشطة الثقافية، بمختلف أنواعها بما فيه خداعه للعالم بادعائه باهتمامه بالاستقرار والأمن العالميين، وبحقوق الإنسان، وبالحرية والديمقراطية، وكل هذا الهراء من أجل الضغط على دول وأسواق وشعوب العالم لتحقيق هذا الهدف التمييزي الظالم. هو يريد عكس ما يدعي بقيم العدل والمساواة والسلام، الغرب يريد الظلم والتفوق على غيره، وأن يكون له الكبرياء في الأرض مهما كلف ذلك من عنف وزعزعة لاستقرار وأمن العالم وانتهاكات في حقوق الإنسان وسلب حرية ومقدرات الشعوب ودعم الحكومات المستبدة حول العالم كما رأينا ونرى. هو مشروع كأي مشروع توسعي في العصور السابقة يدعي أنه يفعل شيئًا، ولكنه يفعل شيئًا معاكسًا لما يدعي. ادعاء الغرب بهذه الأشياء التي تبدو حسنة وخيرة في الكلمات هو بمثابة حصان طروادة لاختراق حصون العالم لتحقيق هدفه الأناني. قد حقق الغرب نجاحات هائلة في هذا الهدف، ولذلك تجد أغلب الأوربيين الغربيين أكثر ثراءً وأمنًا واستقرارًا وسعادة وطول عمر مقارنة بغيرهم من الشعوب.

لماذا يكره الغرب الصين؟

صحيح أني ذكرت أن الصين هي من الدول غير الغربية التي انتقلت إلى الحداثة والتصنيع (متأخرًا)، ولكن يوجد خصائص بالغة الأهمية في الصين تجعلها تشكل كابوسًا للغرب بقيادة الولايات المتحدة. أولًا حجم الصين السكاني بـ1.4 مليار نسمة، مما يفوق التعداد السكاني للغرب مجتمعًا وهذا يشكل تهديدًا خطيرًا لهيمنة الغرب على العالم أن خرج تطور الصين بحجمها البشري عن حدود قدرة الغرب في السيطرة عليه. الخاصية الثانية هي أن الصين تطورت بنموذج مغاير جذريًا للنموذج الغربي الليبرالي الرأسمالي الدميقراطي. فالصين فيها حكم شمولي شعبوي ورأسمالية دولة. هذا الأمر يشكل خطرين كبيرين على مستقبل هيمنة الغرب على العالم.

أولًا يشكل خطرًا أيديولوجيًا، فالصين أثبتت أن التقدم الحضاري المعاصر غير مشترط بالنموذج الليبرالي الغربي كما ادعي الغرب كثيرًا وأجزم في هذا الربط بين التقدم وهذا النموذج، بل حلف مئات الإيمان بأن هذا النموذج هو نهاية التاريخ، ولا نجاح لنموذج غيره ولا فرصة لنشأة نظام متقدم عليه. هذا النجاح للنموذج الصيني يضع هذا التصور الغربي ومكانة الغرب في مأزق. هذا الخطر الأيديولوجي له ثلاثة أوجه: أولًا نجاح النموذج الصيني يخل من توازن الفلسفات الغربية التي بني عليها النظام الحاكم الحالي والقناعات بكيف يجب أن يكون شكل الحكم الناجح بمعيار مستوي الأداء الاقتصادي. ثانيًا يؤثر على النخب الحاكمة حول العالم ويستقطبها تجاه هذا النموذج كمنافس قوي وجذاب للنموذج الغربي. ثالثًا تصدير نموذج ما يأتي بهيمنة من صنعه، هذا يعني أن هذا الغزو الأيديولوجي واستقطاب العالم نحو النموذج الصيني يسحب من رصيد هيمنة الغرب ويضيف المسحوب إلى رصيد هيمنة واحترام مكانة الصين في العالم.

الخطر الثاني هو عدم قدرة اختراق الغرب للدولة والمجتمع في الصين في ظل نظامهم الحاكم المحكم القبضة على السياسة الداخلية والإعلام وطفو المعلومات؛ مما يعجز الغرب عن التأثير عن توجيه الدولة والمجتمع في الصين إلى الوجهة التي يريدها، كما فعل ويفعل مع باقي الشعوب التي تبنت النموذج الليبرالي الذي فتح كل الأبواب للاختراق الغربي فانتهى بها الأمر إلى وضعية ما يعرف بالاستعمار الجديد.

لهذه الأسباب الصين تشكل أكبر تحد إستراتيجي منذ أسس الأوربيون أو الغرب إمبراطوريتهم العالمية، والمؤشرات في معدلات تقدم الصين من ناحية والركود الحضاري العام في الغرب من ناحية أخرى تدل أن الكفة ترجح للصين في هذه الصراع.

أي إنسان لا ينتمي لهذا الكيان الغربي المعتدي على مقدرات وكرامة الكيانات الأخري لا مصلحة قومية ولا كرامة له في دعم المشروع الغربي، لأن هذا المشروع بالأساس موجه ضده يهدف إلى تقدم الغربي وتمييزه عليه في كل نشاطات الحياة. صحيح أنه يوجد الكثير من الإغراءات الفردية للكثير من المواهب من العالم غير الغربي للاشتراك في المشروع الغربي المعادي لباقي العالم، ولكن كم لترًا من الكرامة القومية والتهزيق الممنهج يعادل بعض المكاسب الفردية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد