يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ الرِّيَاءُ).

يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذَا جَزَى النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ: (اذْهَبُوا إلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا اُنْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً).

سيقول الناس عني أن لدي شخصية فريدة من نوعها، وأن لدي القدرة على فهم الاَخرين والإصغاء لمشاكلهم، إذ ما أنا شاركتهم ما يحسون به، علي دائما أن أُظهر أنني مثالي أمامهم. سيثق الناس بي أكثر إذا ما أنا حسنت شكلي وأطلت لحيتي وأمسكت في يدي مسبحة.

قالت لي صديقتي أن أمها أعجبها حجابي، وأنها دائما ما توصيها بأن تكون مثلي، حتى جيراني دائما ما يشكرونني، ويقولون أنني فتاة محترمة.
إذا ما حفظت القرآن فستفخر بي أمي أمام الناس، وسيقولون أن الله يحبني لأنه اختارني من بين الناس لأحمل كتابه.
سأدفع تكاليف علاج الفتاة المريضة، هكذا، سيمدحني الناس لطيبتي، ويشكروني في غيبتي.
تَحَدتث مع صديقة لي عن الحجاب، فما كان منها إلا أن اقتنعت بكلامي، متخدة قرارا بأن ترتتديه دائما، سأخبر جميع صديقاتي بأنني أنا السبب في هدايتها.

كل هذه أحاديث تسري كل يوم في نفوسنا .لا نكاد نستطيع تركها ونحن أكبر همومنا إرضاء الناس.

من أول يوم رأينا فيه النور، تعلمنا أن نجعل تصرفاتنا محدودة أمام الناس، لا نظهر إلا ما حسن منها، نخفي ما لا يجب إظهاره، حتى نصبح في أحسن صورة في نظرهم، جاعلين من الله أهون الناظرين.

من منا لا يريد أن يصبح مشهورا يعرفه الناس، ويقدرونه، لا تخلو أفواههم من الثناء عليه، فيبدؤون يومهم على شكر خصاله، ويمسون على ذكر صفاته، والإنسان بطبعه يسعى جاهدا ليظهر نفسه للعنان، فيحاول إزالة كل ما يحجب الناس عن رؤيته، تجده خلف رضاهم دائما يمشي، ثم تجده يسرع ويسرع، ثم تجده يجري، وعندما يكون على وشك الاقتراب تقل سرعته مجددا، فيبدأ بالهرولة إلى أن يصل إليهم، فينحني ممسكا بركبتيه يتنفس الصعداء من الإرهاق، ثم يرفع رأسه شارعا في أن يبدي لهم مواهبه وقدراته، وما تمكن من فعله في الأونة الأخيرة، قائلا في نفسه «هيا امدحوني، ألست أنا إنسانا رائعا؟، إنسان يستحق التقدير والاحترام؟». فلا تكون ردة فعلهم سوى الإعجاب به، ومحاولة التقرب منه، لكن! أسيستمر هذا الإطراء لمدة طويلة؟، فطبقا لما قيل: «ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل». لا يعقل بأن الناس سيحبونك بكل ما فيك، فاليوم أنت في المقدمة وغدا غيرك، لهذا فإرضاء الناس من الأمور التي تصعب على كل شخص.

في بعض الأحيان عندما تصنع معروفا لأحد، قد يخطر في بالك بأن موقفك هذا قد أعجب به الكثيرون، وعندما تجد أنهم حتى لم ينتبهوا لوجودك تعود منهزما قائلا في نفسك «ليس فيَّ ما يُعْجَبُ به الناس»، تنسى أن الأفضل لك، أن تنشغل سائلا نفسك: «هل تقبل الله منك معروفك الذي قدمته».

أو قد تأتي عليك المصاعب من كل الجهات، فتحاول أن تظهر للناس أنك صابر ومؤمن بقدر الله تعالى، ومحتسبٌ أجرك عنده، تريد أن تسمع منهم في مجالسهم افتخارهم بمدى قدرة تحملك رغم الصعاب، ومدى إيمانك بأقدار الله، تنسى حتى أن ما صعب عليك كان ابتلاءً من الله وحده، هو الأجدر بأن تظهر له مدى رضاك بقدره، ومدى صبرك على اجتياز امتحانه .

مالي ومال الناس، أهم خلقوني؟، أم هم رزقوني؟
ما لي نسيت الله الذي يراني وصرت أرضيهم بلا خجل، لو كان إرضائي لخالقي وخشيتي منه، كما خشيتي لكلام الناس، لما وطئت قدماي الطريق الخطأ، ولا نسيت يوما نظر الله لي، عند طرقي لباب معصية، لاستطاعت نفسي أن تخشى الله بالغيب، فالله تعالى يحب من يستشعر وجوده في قلبه، يتأمل كل دقيقة عطفه وعفوه، يحاول أن يثبت ذاته ليس ليقول الناس أنه نجح في الوصول إلى غايته، بل فقط لأنه خليفة الله في الأرض، يحدث فيها فرقا، يحقق ما حلم به وما خلقه الله من أجله، يسعد نفسه ويعينها على معرفة ذاتها بأنها قوية وقادرة على التحدي، والصبر، والوصول في الأخير إلى المبتغى.

ونختم بالحديث الشريف: «أَوَّلُ النَّاسِ من يَدْخُلُ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، يُؤْتَى بِالرَّجُلِ، فَيَقُولُ: رَبِّ عَلَّمْتَنِي الْكِتَابَ فَقَرَأْتُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَيْ سَاعَاتِهِمَا رَجَاءَ ثَوَابِك، فَيَقُولُ:كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تُصَلِّي لِيُقَالَ: إنَّك قَارِئٌ مُصَلٍّ وَقَدْ قِيلَ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ ؛ ثُمَّ يُؤْتَى بِآخَرَ، فَيَقُولُ:رَبِّ رَزَقْتَنِي مَالًا فَوَصَلْتُ بِهِ الرَّحِمَ وَتَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَحَمَّلْتُ بِهِ ابْنَ السَّبِيلِ رَجَاءَ ثَوَابِك وَجَنَّتِك، فَيُقَالُ:كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تَتَصَدَّقُ وَتَصِلُ لِيُقَالَ: إنَّهُ سَمْحٌ جَوَّادٌ فَقَدْ قِيلَ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ، ثُمَّ يُجَاءُ بِالثَّالِثِ فَيَقُولُ:رَبِّ خَرَجْتُ فِي سَبِيلِك فَقَاتَلْتُ فِيك غَيْرَ مُدْبِرٍ رَجَاءَ ثَوَابِك وَجَنَّتِك فَيُقَالُ:كَذَبْتَ إنَّمَا كُنْتَ تُقَاتِلُ لِيُقَالَ:إنَّك جَرِيءٌ وَشُجَاعٌ فَقَدْ قِيلَ، اذْهَبُوا بِهِ إلَى النَّارِ».

وروى الطَّبَرَانِيُّ وأَبُو نُعَيْمٍ: «مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ: وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد