في العام 2008 شهدت الأراضي اللبنانية عودة الأسير المحرر سمير القنطار من السجون الإسرائيلية، وأُفرج عنه في يوليو/تموز 2008 ضمن صفقة تبادل بين حزب الله وإسرائيل، وفي العام 2015 أعلن حزب الله اللبناني مقتل القيادي في الحزب بغارة إسرائيلية استهدفت مبنى في بلدة جرمانا جنوب دمشق، فيما أفادت مواقع موالية للنظام السوري أن عددًا من القياديين في مليشيات موالية للنظام قُتلوا أيضًا في القصف.

 

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة، ماذا كان يفعل سمير القنطار في سوريا؟

مؤكد أن القنطار كان يعمل في صفوف حزب الله الغارق حتى أذنيه في الحرب السورية ويقف دعمًا بجانب النظام، وما القنطار إلا أحد رجاله، وبالتالي هو بالفعل يقوم بمساندة النظام ويقف في هذه الجهة التي اختارها.

قد يعترض أحدهم ويقول هل يعني أن القنطار تنكر لسِنيْ سجنه وعذاباته ومبادئه؟ الإجابة أن القنطار لا يرى بالفعل أنه يعمل على ذلك، هو يعتقد كما غيره من الألوف التي تقتل وتحارب في سوريا أنه يعمل على محاربة محور الشر، ويدعم محور الممانعة ويعمل على تقوية الدولة الوحيدة التي لم تطبع مع إسرائيل “سوريا”، ربما هذه هي قناعاته برغم وعيه الكبير، ولا غرو، فالملايين من العرب والمسلمين يحملون هذه الرؤية ويرون أن الأسد وإيران هم آخر من تبقوا من ذات الشوكة التي تقاتل إسرائيل.

ما يرجح هذه الرؤية كذلك هي ما تحدثت عنه طليقة القنطار كفاح كيال، إذ صرحت أن قتال القنطار في سوريا “ليس موجهًا ضد إسرائيل بل هو موجه ضد ثورة شعب” وكالعادة اختلف الشارع العربي حول ما إن كان القنطار شهيدًا بعد أن وقف في الجانب المضاد للثورة؟!

إن سلمنا بهذه الرؤية التي من الواضح أن بها شيئًا كثيرًا من الصحة ، لماذا إذن ابتهج الاحتلال بمقتل القنطار، لماذا أعرب عن فرحه بذلك وهو يعلم يقينًا أن حزب الله بات غارقًا حتى أذنيه في المستنقع السوري ولم يعد قادرًا على القتال على جبهة الجنوب بعدما حصل ما حصل في سوريا؟

ودعونا نعرج على مقالة تحليلية للكاتب الإسرائيلي المخضرم روني بن يشاي الذي تساءل “لماذا اغتيل القنطار؟” موضحًا أن لدولة إسرائيل حساب دم طويل مع سمير القنطار، فهو قتل وجرح، وفي الأساس خطط وبادر لتنفيذ عمليات “إرهابية” ضد الإسرائيليين، منذ أن كان في الـ16 من عمره، وهو ما يناقض ما غرّد به فيصل القاسم الإعلامي الأشهر إذ كتب “درهم مقاومة ضد إسرائيل خير من “قنطار” تشبيح لصالح بشار.” قاصدًا أن القنطار لم  يفعل كثيرًا ضد إسرائيل عقب خروجه من السجن .

القنطار تقول إسرائيل إنه يسعى لفتح جبهة “إرهاب” جديدة ضد إسرائيل انطلاقًا من الجولان، ويعمل في هذه الجبهة حزب الله، سوريا، وإيران وأرسل سمير القنطار الذي أطلق سراحه من لبنان إلى سوريا، ليقود ويقف على رأس تنظيم مقاومة يشكل حزب الله المحرك الأساسي لها؛ هذه الجبهة يراد لها الضغط على إسرائيل من أجل الحيلولة دون قيام إسرائيل باستهداف قوافل السلاح التي تقوم إيران بإرسالها لحزب الله؛ حيث دأبت إسرائيل على تدميرها كلما سنحت لها الفرصة!

بيد أن القنطار لم يتم مهمته على أكمل وجه، وحين الاشتباك مع إسرائيل العام الماضي كاد أن يتسبب بحرب ضروس بين الطرفين لكن كل منهما أعلن  التهدئة من جهته، بعد أن تسبب في هجوم أدى لإصابة جنديين إسرائيليين من قوات المظليين، وقتل مواطن فلسطيني من سكان بلدة عرابة، كان يرافق والده الذي يعمل في صيانة الجدار “الحدودي” لصالح وزارة الجيش.

 

هل ستقوم إسرائيل بالرد؟

سبب آخر ربما تهدف له إسرائيل من اغتيال القنطار، وهي أن تتأكد تمامًا من أن حزب الله أصبح الرجل المريض، وترى إسرائيل أن حسن نصر الله غارق في المستنقع اللبناني الذي يستنزف منه آلاف العناصر وأن الظروف الموضوعية تقلص من قدرة الحزب على الرد.

ووصل الأمر إلى نفي نظام بشار الأسد  أن تكون إسرائيل المسؤولة عن تصفية القنطار، واتهم الفصائل السورية المسلحة لكي يقلص مستوى الحرج الذي تشعر به إيران وحزب الله، مستدركًا بأن حزب الله جزم بمسؤولية إسرائيل، لأنه يعرف أن إسرائيل هي المعنية الأبرز بتصفيته.

الأرقام تتحدث بالفعل أن حزب الله فقد حتى الآن 2000 عنصر، في حين أصيب الآلاف من عناصره بجراح في المواجهات داخل سوريا، مشددًا على أن الإيرانيين تكبدوا خسائر كبيرة وبحسب المحافل، فإن حزب الله بات يبدي حساسية كبيرة إزاء خسائره في سوريا في ظل التساؤلات التي تطرحها عوائل القتلى ونخب شيعية وازنة.

كما تعتقد إسرائيل أن حزب الله يعتبر القنطار ليس أكثر من رمزي ثوري ووطني كبير وليس قياديًا فعالاً في الحزب، غير أنها لا تضع هذا التفسير موضع اهتمام كبير، فقد اغتالت من قبله وزير دفاع حزب الله عماد مغنية دون أن يحرك الحزب ساكنًا البتة.

نقطة في النهاية مهم أن نذكرها هنا، الدور الروسي القادم بقوة في سوريا جعل من دمشق مرتعًا لإسرئيل بحماية بوتين حليفة إيران؛ ولن تخسر إيران قوة كروسيا من أجل رمز ليس أكثر لم يقدم كثيرًا حين أسندت له مهمة عسكرية؛ وكان الرئيس الروسي فلادمير بوتين أعلن في خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة أن روسيا تقر بحق إسرائيل في الدفاع عن مصالحها في سوريا، وهو ما مثل “تصريحًا مفتوحًا” لإسرائيل بالقيام بكل ما تراه مناسبًا للحفاظ على هذه المصالح في سوريا.

فهل يكون أقصى ما يمكن أن يقوم به حزب الله ردًا على اغتيال قنطار هو تفجير عبوة ناسفة على الحدود، أو أي عمل لا يظهر فيه أثر الحزب بشكل واضح وجلي؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد