نظمت حركة حماس اليوم في غزة، من خلال هيئة سمتها «وعد الآخرة»، مؤتمرًا استشرافيًّا، تناول دراسة لواقع فلسطين بعد عملية التحرير ودحر الاحتلال الإسرائيلي منها، ووضع تصورات واضحة لآليات تأمين وتوزيع مقدرات البلاد والاستفادة منها عند عملية التحرير، ووضع تصور لآليات ملاحقة المجرمين الصهاينة عبر العالم، ووضع اليد على مقدراتهم الاقتصادية المنقولة وغير المنقولة، وسن قوانين وفق الواقع الجديد، ووضع تصوُّر لكيفية التعامل مع اليهود الراغبين في الاستمرار بالعيش بسلام في فلسطين، وشهد المؤتمر مشاركات متعددة بأوراق بحثية.

ربما الموضوعات التي تناولها المؤتمر كانت مفاجئة وصادمة نوعًا ما لكثير من الناس، وصادمة لي شخصيًّا، حيث تابعت مجريات المؤتمر عبر الإنترنت، وكنت أستغرب ومندهشًا من حجم الثقة التي يتحلى بها المتحدثون في المؤتمر، لسبب أنها غير منطقية ولا تمت للواقع بصلة، بل يعد جزء كبير منها من الخيال.

إسرائيل اليوم أصبحت واقعًا لا مفر منه، حيث يفوق تعداد سكانها 6 ملايين نسمة، ولديها إمكانيات اقتصادية وعسكرية وزراعية وتكنولوجية كبيرة جدًّا، فلنكون واقعيين نوعًا ما كيف لحماس بقوتها العسكرية الصغيرة مقارنة بأكبر ترسانة عسكرية في الشرق الأوسط، أن تنتصر على إسرائيل عسكريًّا وهي الدولة الأكثر امتلاكًا للرؤوس النووية بالشرق الأوسط؟ وهذا السؤال موجه إلى المتحدثين بالمؤتمر، الذين لم يتطرقوا خلال حديثهم عن آليات التحرير.

أليس من الجدير بالهيئة التي أشرفت على تنظيم المؤتمر، أن يكون فحواه، بكيفية مجابهة إسرائيل، وآليات توحيد الجبهة الداخلية، وكيفية تفعيل الطرق الدبلوماسية والسياسية، وهي الأنجع باعتقادي في الفترة الراهنة، وحققت إنجازات ملموسة، وكان آخرها تأييد حزب العمال البريطاني لفرض عقوبات على إسرائيل والاعتراف بدولة فلسطين، وأيضًا إنجازات حركة «BDS»، وهي مقاطعة إسرائيل، والتي سجلت إنجازات غير مسبوقة، من خلال مقاطعة منتجات المستوطنات الإسرائيلية الموجودة في الضفة الغربية، وشكلت إزعاجًا كبيرًا لقادة إسرائيل، حيث ساهمت في رفض شركات عالمية التعامل مع إسرائيل.

وهذه النقطة تستوقفني كثيرًا، لماذا لا تمنع حماس المنتجات الإسرائيلية وتدعم المنتج المحلي الفلسطيني؟ أليس من الأجدر أن تشارك حماس في دعم حركة «BDS»، من خلال وقف استيراد المنتجات الإسرائيلية، حيث إن غزة غارقة بآلاف أصناف البضائع الإسرائيلية، وهنا أتحدث عن منتجات لها بديل في السوق المحلي الفلسطيني.

يا هيئة وعد الآخرة، أليس من المبكر الحديث عن تحرير فلسطين؟ والأجدر بنا في الوقت الراهن ملامسة احتياجات سكان غزة وتطلعاتهم للعيش بكرامة، في ظل الظروف المعيشية المزرية، لماذا لم يبحث المؤتمر كيفية العمل على النهوض بالواقع المعيشي للسكان، وتوفير فرص العمل لآلاف العاطلين عن العمل؟

وكيف لنا أن نحرر فلسطين، في ظل الانقسام الفلسطيني المقيت، والفرقة والتشرذم بين شقي الوطن، والعمل بنظام الحزبية، ورفض مبادرات الوحدة الوطنية، وكيف لنا أن نتحرر بدون العمل بنظام ديمقراطي، حيث إن آخر انتخابات تشريعية ورئاسية كانت منذ العام 2007م؟

فقبل الحديث عما بعد التحرر وتوزيع الأراضي وتوزيع ملايين العقارات السكنية، والعيش بالأوهام، عليك أن تحل مشاكلك الداخلية، وتوحد صفك الداخلي، وتلبي تطلعات شعبك، في العيش بكرامة وعدل ومساواة، ثم تشكيل تحالفات دولية قوية، وتفعيل مسارات السياسة والدبلوماسية الدولية، ومن ثم تحدث بعد ذلك كما تشاء عن تحرير فلسطين، التي لا أعلم كيف يرسمونها في مخيلتهم.

حيث إن الحديث العالمي والاعتراف الدولي هو إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 67، وأن اعتبار إسرائيل دولة محتلة، بسبب احتلالها أراضي بالضفة الغربية، لذلك نهج حماس في تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، هو أمر غير واقعي سواء في الفترة الزمنية القريبة أو حتى البعيدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد