في الوقت الذي يجتمع في القادة لتباحث القضية الليبية يزحف فيروس جديد ليحصد ضحايا جدد انطلاقًا من الصين، وحين سيتفق السادة سيكون حوالي آلف شخص قد وضع لحياته، وحوالي 50 آلف شخص آخر قد مات جراء السرطان، وآلف آخرى ماتت جوعًا. بينما يجتمع القادة سيحدث هذا وأكثر.

يقول عالم الاقتصاد البريطاني جون كينزي «إن الحكومات يجب أن تحل المشكلات على المدى القصير.. على المدى الطويل سنكون جميعًا في عداد الأموات».

هذا الازدياد الطارد في الأسلحة والمعدات العسكرية الثقيلة لينبئ لزامًا بحرب نووية تقضي على الأخضر واليابس، ولكن قضية مقتل السليماني وكيفية رد إيراني، أقنعتنا بإعادة التفكير في إمكانية وقوع حرب نووية، فالظاهر أن الكل خائف، وأن إشعال حرب كهاته أمر مستبعد. لهذا فالحديث عن حرب نووية محض سخافة اليوم، فالعالم لن تفنيه الأسلحة، بل أشياء أخرى.

هل يقتله الفيروس؟

في فيلم «I’m Legend» وبعد أن قضى الفيروس على الكل، كان ويل سميث في مدينة نيويورك برفقة كلبته يحاول عبثًا إيجاد ترياق مضاد للفيروس، وعبر تجارب مخبرية. لا نعرف كيف انتشر الفيروس لكن ما نعرفه هو كون القوة الأمريكية بل العالمية تهاوت أمام هذا الفيروس الفتاك.

سنة 2017 أعلنت الصين افتتاحها لمختبر في مدينة وهان، هذا المختبر لم يكن سوى مختبر لدراسة الفيروسات (الإيبولا، سارس…)، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد حذرت الصينيين من إمكانية تسلل الفيروسات خارج المختبر.

حين أعلن عن الفيروس أول مرة لم يكن موقع انتشاره إلا وهان وبالضبط مطعم قريب من المختبر كما أوردت موقع «RT» الروسي، وأضاف ما نصه: «وذكرت بعض التقارير أنه في عام 2004، هرب فيروس السارس في «تسرب» من أحد المختبرات العلمية؛ ما دفع المسؤولين الصينيين للعمل على تحسين السلامة».

يبدو أن ما تنبأ به الأمريكان صحيحًا، فالفيروسات لها قدرة على التسلل شأنها شأن الإنسان، فكيف غامر الصينيون وأنشأوا مختبرًا كهذا وسط السكان؟

ليس بالأمر العارض ولا الجديد على نظام مستبد ومتخلف كالنظام الصيني، فالذي شرد الملايين وسجن الآلاف لا لشيء إلا لأنهم مسلمون، باستطاعته أن يفعل هذا وأكثر، وكما مارس العقاب الجماعي على الإيغور فإمكانه إغراق العالم بفيروس كهذا، وقد نشير هنا إلى نوع جديد من الحروب وهو ليس بجديد كذلك، ولنتذكر جميعًا كيف فعل الغرب حين أراد فتح أسواق التنين الصيني، أقصد حرب الأفيون.

هَل تقتلهُ الثقة الزائدة؟

يقولُ اللَّه تعالى في كتابهِ العزيز: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15).

لمن أرادَ استشرافَ المستقبل دون الحاجة للبحثِ والتنقيب؛ لمن أراد الحقيقة كما هي فليقرأ القرآن الكريم، ولكن قبل أن يقرأه فليقرأ كُتبا غيره وليتبحر، هكذا فقط سيبدو القرآن واضحًا، وصوره الرمزية ذات الدلالة العميقة ستنكشف دون عناء.

ربط الله تعالى في عديد الآيات بين الهلاك والطغيان، وبين القوة والتجبر. وهكذا يحدث دائما، فحين نقول أن القرآن صالح لكل زمان ومكان فإننا نقصد أن أحكامه وتصوراته على الإنسان أبدية بأبدية الإنسان، فالإنسان هو الإنسان لم يتغير من آدم إلى يومنا هذا ولن يتغير.

أمثلة كثيرة على كون الإنسان أحقر كائن على وجه الارض – كما قال هيروسترات – هذا الكائن زئبقي سائل مرن يصعب التكهن بتصرفاته فهو عبد لمشاعره وشهواته، ولهذا فالأنثروبولوجيا هي أصعب العلوم على وجه الاطلاق، كونها لا تهتم بدراسة جزء او ظاهرة ذات خصائص معينة، بل تدرس ظاهرة غير قابلة لتصنيف الإنسان.

لقد تحدى الإنسان الكل وظن منه بأنه تقوى، بعد أن هزم الطبيعة والأمراض، تحدى الله تعالى، كقصة يأجوج ومأجوج حين قالوا فلن نقتل أهل السماء بعد أن قضينا على أهل الأرض والقصة معروفة.

يقول الفيلسوف الدنمركي سورين كيركيجار: «أين الله؟ سأقول لكم! لقد قتلناه أنتم وأنا، نحن، نحن كلنا قتلناه.»، وصرخ نيشته: «لقد مات الإله».

نيتشه حين صرخ صرخته، توقف مليا، وقال وهو رجل عرف الإنسان «ماذا سيحدث لو أن الإله قد مات؟» نعم ماذا سيحدث؟ هذا ما سيحدث يا نيتشه، تعالى وانظر إلى إنسانك المتفوق وهو عبد للآلة وللسلع، هذا ما حدث. حين أراد الإنسان أن يتفوق على الله وجد نفسه أحط من الحيوان، فالحيوان يمتلك القدرة على مقاومة الاغراءات إذا ما أحس بالخطر على عكس الإنسان فهو مستعد للتخلي عن كل مبادئه إذا لبيت رغباته. حين مات الإله حسب زعم أوروبا، اعتلت الشهوات والرغبة مكانه في أوروبا. فالحمد لله على نعمة الاسلام.

سيقول المرء إن موت إله أوروبا كان ضرورة وحتمية، نعم هذا حسن فالديانة المسيحية المبنية على تخاريف بولس الرسول كان لزامًا عليها أن تسقط عند أول امتحان حقيقي، وأي امتحان! فسلطان العلم قضى على آخر معاقل المسيحية في أوروبا، وإن استمرت الكنائس لكنها فارغة من جوهرها.

ولكن تراجع الدين فسح المجال – كما قلنا – للمادة في اعتلاء صهوة الإنسان، وهي ليست بأفضل من تعاليم بولس الرسول ولا من دعاوي البروتستانت، ولكن على الأقل الدين كان يحافظ على فكرة الخلود في الجنة أو النار وعلى إمكانية المغفرة إن تعاملنا بلطف وما إلى ذلك.

أما ونحن تحت رحمة الآلة والسلع فلا مجال للأخلاق، ولا صوت يعلو فوق صوت المنافسة الحرة، وقوة السوق وضغط الشركات، وسحر الإعلانات. لقد حدث وأن أضحت الحياة بدون معنى أو هدف، فوجد الإنسان المابعد حداثي نفسه في مأزق هو أشد وطأة عليه من الأول (مأزق المسيحية)، فماذا سيفعل؟ وإلى أين المفر؟ هذا العالم يخنقه يوم بعد يوم وقوته تتعاظم أمام انحطاط الإنسان ومثله العليا.

في هذا الصدد يقول ماركس «إن البرجوازية لخصت الحياة الإنسانية في وضْعين وضِيعين: إنتاج وحشي واستهلاك حيواني».

هل يقتله التنمر؟

لم يكن آرثر شريرًا كما كنا نشاهد في سلسلة أفلام «دراك نايت» أو «بات مان»، لقد بدى الأمر مريبًا، فآرثر شخص مرِح يحب أن يدخل السرور على قلوب الناس، وهو أيضًا ابن صالح يعتني بوالدته المريضة، ويعيلها، فهما وحيدان، فلا أخ له ولا والد، ثم هو مواطن صالح كذلك، فآرثر على ما يبدو يحب موطنه ومواطني بلده ويشارك الحياة الاجتماعية الأمريكية فنجده مولعًا ببرنامج كوميدي، بل يشارك في أحد حلقاته. ثم فجأة يصبح هذا الرجل وحشًا!

لطالما قلنا «النقطة التي أفاضت الكأس»، لكن في حالة آرثر لم تكن نقطة واحد كانت هناك نقاط كثيرة. على رأسها التنمر.

مع بداية الفيلم يظهر لنا آرثر بلباس المهرجين هو يحمل لفتة إشهارية لأحد المحلات، وكعادة البهلوان يقفز آرثر ويدور وكأنه طفل صغير، محاولًا جذب أعين المارة لعل أحدهم يمر على المحل ويحصل على علاوة، وكأي عمل آخر لابد له عن مواجهة الصعاب، فالصعاب جزء من العمل ومن الحياة بشكل عام، لكن!

لكن فجأة يقفز طفل من هنا وآخر من هناك، وفي رمشة عين يأخذون من آرثر لافتته ويركضون بعيدًا، ليتبعهم آرثر حيثما ذهبوا، وكله أمل في استعادة لافتته الإشهارية، وفي الحقيقة ليست بلافتته، بل لافتة المحل، ولهذا رآيناه يصارع من أجل استعادتها، فقدانها يعني عدم تسديد أتعابه ليوم وربما لشهر، وقد يعني تغريمه مبلغًا ماليًا مقابلها، وقد يعني طرده من العمل. لهذا يصر على استعادتها، لكن يحدث أن يسقط آرثر أرضًا في أحد الأزقة وينهال عليه الصبية بالرفس والضرب، وهكذا كأنه حشرة، بلا أقل من ذلك، لا إنسان من شحم ودم. ثم حين ينتهون من تعذيبه يحطمون اللافتة فوق رأسه. لا يحرك آرثر ساكنًا ويكتفي بالبكاء، وماذا يمتلك غير دموعه، ومن يأبه لدموعه ومن سيحاسب الجناة على ما فعلوه.

إن حقيقة التنمر لا تعني أذية جسدية، بل هي تتجاوز الجسد، فالكدمات يمكن معالجتها والجراح قد تندمل، ولكن من يملأ الفراغ الذي تتركه نظارات الناس وقهقهاتهم، من يغسل البقع التي يتكرها التنمر؟

نشرت مجلة «Nippon» مقالا عن ظاهرة التنمر في اليابان ننقل منه ما يلي: «قالت وزارة التعليم اليابانية في مسح جديد، أن حالات التنمر التي تم الابلاغ عنها حول اليابان وصلت إلى 543 ألف و933 حالة في عام 2018، أي بارتفاع وصل إلى 31.8% عن العام الذي سبقه».

الحقيقة كما يلي: إن آثار التنمر أخطر من الاعتداء الجسدي، وإن التنمر داء يفتك بالإنسان ويحول الحياة إلى جحيم، وفي بعض الأحيان ينشط الاقتصاد خاصة في ما يتعلق بالصناعة التجميلية.

وهنا نعود للبداية هل للإنسان دور في هذا؟ أو بمعنى آخر هل أضحى العذاب والموت وسيلة للإنتاج؟

النهاية: هَل نسير نحو الهاويةِ؟

يقول إدجار موارن في كتابه «هل نسير إلى الهاوية؟» ما يلي: « إننا نمضي صوب كارثة». وذلك أمر قد أجاد ج. ب. دوبي التعبير عنه في كتابه «من أجل كارثية متنورة»، ثم إنه يدعونا ويا للغرابة، إلى أن نقر بحتمية حدوث الكارثة لكي نسعى إلى تلافيها.

إننا حين نامل في غد أجمل ونحن نرى كل هذا. فإننا ولابد نسير نحو الهاوية، وذاك لأننا مغرورون لدرجة أننا غير قادرين على الاعتراف بفشل الحضارة الغربية في بناء نموذج إنساني مثالي، مستحيل كون الإنسان كائنًا خطاء بطبعه ومغرورًا، وهذا الإنكار سبب من أسباب نكبتنا.

الحضارة الغربية فقدت معنى الحياة، والإنسان الغربي اليوم يتخبط عشوائيًا بين المنية والحياة، فالفردانية والعقلانية لا تؤدي سوى لخلق عالم مزيف مليئ بالملونات الاصطناعية، خالٍ من أي مذاق أو طعم.

التجربة الغربية يمكن اعتبارها من بين أسوأ تجارب بني البشر، لقد تلاعبت بأحلام الإنسان، وعوض أن تجعله إلهًا كما كانت تدعي، قيدته ليصير عبدًا ولمن؟ للمادة، المنتوجة وهما من صنعه. لم يعد للإنسان من حل،  فكل ما حوله يهدده، إن الخوف يرافق هذا المسكين حيثما رحل. فأين المفر؟ أهو البحث عن كوكب جديد؟ وحتى وإن وجدناه، فإننا سنكرر نفس الأخطاء، هذا حتمي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد