سلسلة مقالات بعنوان: «لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟» تناولت الأسباب التي تُحتم الخلاص من تلك الفصائل لانعدام جدواها منذ نشأتها حتى اليوم، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين.

وإنني في هذه المقالة سوف أجيب عن سؤال هو من الأهمية بمكان، ألا وهو: هل سيقف الإخوان المسلمون مكتوفي الأيدي وقت صدور قرار تفكيكهم؟ وأسأل الله أن يوفقني إلى الإجابة عن هذا السؤال المهم.

وبدايةً أقول: إنني أتوقع أن يكون قرار التفكيك قرارًا ذاتيًا صادرًا من داخل الجماعة، سواءً كان ذلك عن طريق إحدى الجبهات الإخوانية، أو بعض القيادات، أو لثورة داخلية، أو لحدث عظيم. المهم أن تفكيكهم قادم.

وذلك لأن جماعة الإخوان التي تأسست منذ قرن من الزمان تقريبًا، تحمل بداخلها أسباب التفكيك، كما حملت أسباب الاستمرار لهذه الفترة، وأيضًا كما حملت أسباب الفشل، فعمرها طالت آماده وانعدمَت أمداده، فلم تُسَطِّر الجماعة أي إنجاز رغم وصولها إلى مرحلة الشيخوخة.

وقد يقول قائل: أليس من الممكن أن تقوم الجماعة بإجراء مراجعات شاملة، بعدما وصلت إلى هذه المحنة الأخيرة؟ أقول: وارد، ولكن علينا أن نتذكر مصير الجماعة الإسلامية في مصر بعد قيامها بالمراجعات، فلقد ماتت موتًا إكلينيكيًا، وهذا المصير هو نفس المصير الذي ينتظر جماعة الإخوان عند قيامها بالمراجعات، حيث وقوع المزيد من الانقسامات والصراعات.

ناهيك عن الصراع النفسي «داخل كل شخص»، وهذا ما سوف يجتاح كل أعضاء الجماعة بلا استثناء، هذا الصراع النفسي ربما يتسبب في إعمال العقل الذي يعترضه مبدأ، بل عقيدة السمع والطاعة، وهذا أيضًا يُعد أحد مفاتيح الانهيار، أو هكذا ينبغي له أن يكون. وأيضًا هو نفس المصير الذي سيحاصر الجماعة في حال عدم إجراء المراجعات، حيث إن القيادات لن تستطيع أن تقدم للأعضاء أسبابًا مقنعة كي يغفروا لهم هذا الفشل، حيث الوصول إلى الحكم وإضاعته، ثم السير في طرقٍ سطحية منذ ضياع الحكم حتى يومنا هذا، رغم توافر المقومات والدعائم التي لم تكن متوفرة من قبل، إلى جانب ذلك فهم لم يفعلوا ولم يقدموا شيئًا يستحق التقدير منذ يوليو (تموز) 2013 سوى التنظير اليومي على مواقع التواصل وغيرها.

وبناء على ما قدمت به أقول: إذا صدر قرار تفكيك جماعة الإخوان، فلن يتسبب ذلك القرار في أية إشكالات، سواء على المستوى العام «الدولة والشعب»، أو على المستوى الخاص، «التنظيمات المختلفة لجماعة الإخوان»، والتي من الممكن أن نقسمها كالتالي:

أولًا النظام العام، والمقصود به قواعد أو أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المنتشرين في مصر. وعن هؤلاء قال القيادي عصام العريان لموقع «إخوان أونلاين» في الرابع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2002، القيادة أكثر تفهمًا للمتغيرات السياسية، ولكن القاعدة علاقتها بالسياسة علاقة موسمية. ربما قصد العريان بكلامه هذا مواسم الانتخابات والتظاهرات. وأقول: لقد اتضح الآن سبب إباحتهم للسباب والشتائم في حق كل المخالفين، إنها سياسة الإلهاء التي أصلوا لها تأصيلًا شرعيًا، وذلك حتى لا تجد القواعد فرصة للتفكير في واقعهم الأليم.

وليس العريان وحده من وصف قواعد الإخوان، فلقد نقل علي الوصيفي في كتابه: «الإخوان المسلمون: بين الابتداع الديني والإفلاس السياسي»، ما وصفهم به سعد الدين صالح، عميد كلية أصول الدين بالزقازيق سابقًا، فقال: «إن الإخوان المسلمين ليسوا على استعداد لإعمال عقولهم وتحكيم ضمائرهم فيما يُوَجَّه إليهم من أوامر، وإذا أُقِيمَت عليهم الحجة على أخطاء الإخوة الكبار (يقصد القيادات) فإنهم لا يسمعون، وإن سمعوا تحت الإلحاح فإنهم لا يعقِلون، وإذا عقلوا واقتنعوا فإنهم لا يتكلمون، وإن تكلموا فسوف يكون كلامهم نميمة».

سيُخبرون قادتهم بأنك تتحدث عن الإخوة الكبار بما يمس هيبتهم وكرامتهم. ثم يقول سعد الدين صالح: إن المؤسف في أمر الإخوان أن القواعد على مستوى عال من العلم والثقافة، ففيهم المهندس النابغة، والطبيب البارع، والمحامي النابه، ولكن حين يتعلق الأمر بما يُسمَّى بقادة الجماعة، فشعارهم: لا أسمع، لا أرى، لا أتكلم. انتهى كلامه.

وأقول: بناء على هذا التوصيف الذي يتفق تمامًا مع ما تعيشه الجماعة الآن، فلن يصدر من هذه القواعد، أو هؤلاء الأعضاء، أي رد فعل على قرار التفكيك، فهم ليسوا مخيَّرِين، وإنما فقط سوف يشعرون بالغربة نتيجة إدراكهم أنهم تجرُّعوا كؤوس الاستبداد مرتين، استبداد الأنظمة واستبداد الجماعة، وهذا ما قد يؤثر في سلوكهم، لذا فسوف يكون حالهم كحال طائر عاش عمره حبيسًا داخل قفص الخداع والأوهام، وفجأة رأى باب القفص يُفتَح أمامه على مصراعيه، صحيح أنه قد يعيش لفترة عاجزًا عن الطيران، وقد يشعر بالخوف لمجرد النظر إلى الآفاق الجديدة البعيدة، ولكنه يومًا سوف يحلق في سماء الحرية، ويومًا ما سوف يغرد مع السرب.

ثانيًا: التنظيم الدولي، وأقول هذا التنظيم ليس له من اسمه إلا الانتشار في دول عديدة، غير أنه بلا إنجازات. إضافة على هذا، أنه تنظيم مخترق اختراقًا استخباراتيًا، وهذا الكلام ليس من عندي، ففي مارس (آذار)  2015، نشر موقع (سي إن إن) وموقع (عربي21) موضوعا صحافيا ورد مضمونه على لسان أحمد منصور، الإعلامي بقناة «الجزيرة»، ولقد تحدث منصور، عن اختراق التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، من قِبَل جهاز المخابرات الأردني الوثيق الصلة بالموساد الإسرائيلي و«سي آى إيه» الأمريكي، على حد وصف منصور، هذا الاختراق كان من خلال المراقب العام السابق للإخوان المسلمين في الأردن، عبد المجيد ذنيبات، ولقد كان ذنيبات عضوًا في شورى التنظيم الدولي.

ونقل عن مقربين قولهم إنه كان ينقل طوال السنوات الماضية تفاصيل ما يجرى في هذه الاجتماعات إلى جهاز المخابرات الأردني، الذي يقوم بدوره بنقل كل ما لديه من معلومات إلى شركائه في سي آي إيه، والموساد، والمخابرات المصرية.

وفي موضع آخر تحدث منصور عن نماذج العمالة داخل الإخوان المسلمين في اليمن، فذكر أن عبد الملك منصور كان واحدًا من أكبر قيادات التجمع اليمني للإصلاح، ولقد كان ينقل كل تفاصيل الجماعة لعلي عبد الله صالح، وحينما كُشف أمره عينه علي عبد الله صالح وزيرًا وسفيرًا مكافأة له. انتهى.

وأقول إن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل إن إبراهيم منير، الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين، صرح تصريحًا لا غموض فيه، حيث قال: إنه كان مُستخدَمًا من قِبل مباحث أمن الدولة في مصر، وأنه كان يقوم بكتابة تقارير عن جماعة الإخوان، ولشدة براعته طلب حسن أبو باشا رئيس المباحث العامة «أمن الدولة» أن يلتقي بهذا المصدر الثري بالمعلومات والتقارير. ورد هذا التصريح في الحلقتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة من برنامج «مراجعات» الذى يقدمه عزام التميمي على قناة الحوار.

وبناءً على هذا الواقع المرير أقول: إذا كان هذا هو حال القيادات الكبيرة داخل الجماعة، فمن أي شيء يُخاف إذا ما صدر قرار التفكيك، وعلي أي شيء سوف يحرص هؤلاء؟ ثم إن مجرد شعورهم بالخيانة والعمالة فقط كفيل بأن يوقف عقولهم «المُعَطلة أصلًا» ومن ثم فسوف تُشل حركتهم، فقط ربما ينشغلون بتبرئة أنفسهم. وأيضًا عند صدور قرار التفكيك لن تكون الجماعة على قلب رجل واحد، وربما تظهر حقائق وأمور لا يتصورها عقل عن هذا الكيان الهرم. فإن جماعة الإخوان المسلمين تضم بين أعضائها، الفِرق الثلاث والسبعين التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا ما قاله أهل العلم، كالشيخ الألباني رحمه الله، والشيخ أبي إسحاق الحويني، وغيرهما. وأقول: إن كان ذلك كذلك، فكيف للرافضي أن يتفق مع السلفي، وكيف لغلاة الصوفية أن يتفقوا مع التكفيري، وكيف للتكفيري أن يتفق مع المرجئة؟ ومن ثم فلا شك في أن هناك ممارسات سرية لا نعلم عنها شيء، وقد يعلن عنها الفرقاء وقتئذ.

ثالثًا: النظام الخاص، وعن هذا النظام أقول: إن النظام الخاص بجماعة الإخوان المسلمين قائم على السرية، والسرية في هذا السياق تعني الخوف، والنظام الخاص يقوم بممارساته العدوانية حفاظًا على وجود الجماعة والإبقاء عليها، فإذا ما صدر قرار التفكيك، وبدأت قيادات الجماعة في الانهيار تباعًا، ثم تقبَّلَته القواعد بصورة أو بأخرى، ساعتها لن يجد النظام الخاص شيئًا يدافع عنه ويحميه بغرض الوجود، فلا قيادي، ولا عضو، ومن ثم سوف يزداد الخوف أضعافًا، وسوف يكون الهمُّ الأول هو الحفاظ على النفس.

يقول صلاح شادي في كتابه صفحات من التاريخ حصاد العمر، إن كل الأحداث التي قام بها النظام الخاص قد تم اكتشافها، ثم يقول شادي: وذلك ليس بسبب السمع والطاعة فقط، ولكن أيضًا بسبب سوء التخطيط.

وأختم بهذا السؤال: هل القُوَى العالمية ستسمح بتفكيك جماعة الإخوان؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد