-رابعة، هو الميدان الذي حدده الفصيل الحاكم، ليقيم به مؤيدوه، بهدف الحفاظ على الحكم. ثم بعد أقل من أسبوع تحول إلى نقطة الارتكاز الأولى، للانطلاق نحو معركة إعادة الحكم.

ولو أن ما كُتِب عن اعتصام رابعة طُبِع على ورق ليُفْرش على الأرض لغطاها، وذلك لكثرة ما كُتِبَ وقيل، فلقد كان المُصاب عظيمًا، والحادث أليمًا، وليس من سمع كمن رأى.

وإنّ من شارك وعاش وتدبر اعتصام رابعة منذ يومه الأول حتى  اللحظات الأخيرة من يوم الفض، علم أنه قد مر بمراحل أربع، وهذا ما لن يذكره المؤرخون عن رابعة. وهذه هي الزاوية التي سوف أدخل منها للحديث عن الاعتصام مرة أخرى، (ما لن يذكره المؤرخون عن رابعة).

-وبداية، أقول: لقد شاركتُ في الاعتصام منذ يومه الأول، والذي بدأ في الثامن والعشرين من يونيو (حزيران) 2013، وما كنت أغادر الميدان إلا لضرورة، وسرعان ما كنت أعود إليه مرة أخرى، ولقد شاركت في مواجهات الحرس الجمهوري الأولى، ثم شاركت في أحداث المنصة، ثم دخلت الميدان أثناء عملية الفض.

ومن ثم فإنني أستطيع أن أقسِّم فترة الاعتصام إلى عدة مراحل، للوقوف على أحد أهم الأبعاد التي تُنبئ عن سوء الإدارة، وعدم التفريق ما بين مقام وآخر. (وهذا بغض النظر عما كان يدور في الكواليس من تفاوض).

-المرحلة الأولى، (مرحلة المقاتلين) وتلك المرحلة قد بدأت منذ اليوم الأول واستمرت حتى أول أيام شهر رمضان، وأقول لقد ذهب إلى ميدان رابعة في هذه المرحلة أناسٌ كانوا على أتم استعداد للموت في سبيل الدفاع عن قضية حق، ولست مبالغًا في هذا الوصف، وإنما هذا ما رأيته في أكثر من موضع، ومنها ما كان أمام دار الحرس الجمهوري، فمنا من كان يفتح صدره لمطلقي الرصاص دون أدنى تردد أو خوف.

لقد كان ذلك حال الميدان وحال المعتصمين في تلك المرحلة الأولى والأفضل بين مراحل الاعتصام. وأسميها مرحلة المقاتلين، حتى ولو لم يكن معهم سلاح، فلقد تسلحوا بالعقيدة. (وهذا بغض النظر عن تَغَيُّر المواقف، لا المبادئ، فيما بعد، وذاك أمر له أسبابه قطعًا).

-المرحلة الثانية، (مرحلة الزهاد والعباد)، ولقد بدأت هذه المرحلة خلال النصف الأول من شهر رمضان، وذلك بعد أن شاع في مختلف أنحاء مصر، أن من ذهب إلى ميدان رابعة وشارك المعتصمين العبادة شعر بالخشوع والروحانيات. ومن هنا تحوَّلَتْ أرض رابعة إلى مزار للتعبد بعد أن كانت أرض معركة، فصارت مقصدًا للزهاد والعباد من الرجال والنساء. وإنني لا أقصد التقليل من أمر التعبد والخشوع والروحانيات، كلا، وأكررها مرة أخرى، لا أقصد التقليل من أمر التعبد والخشوع والروحانيات، كلا، وإنما أقصد عدم التفريق ما بين المقامات، فأرض الميدان كانت أرض معركة، وهذا مقام له مقتضياته، ولقد تحولت بمرور الوقت إلى أرض عبادة. ورغم ذلك، فلقد استمر الخطاب فوق المنصة على ما كان عليه منذ اليوم الأول ولم يتغير، بينما كان الميدان يشهد تطورًا خطيرًا.

-المرحلة الثالثة، (مرحلة الفوضى)، ولقد بدأت هذه المرحلة بعد انقضاء شهر رمضان، وإنني سوف أذكر هذا المشهد فقط، كمثال، لأدلل على الحالة التي وصل إليها ميدان رابعة في أيامه الأخيرة، فهذه منصة قد أُقِيمت بالقرب من (طيبة مول) يقف عليها من يغنون أغاني (الراب)، أمامهم جماعة من الناس يرددون كلمات الأغاني ويضحكون! هل يتصور أحد ذلك؟! هل يتصور أحد أن هذا الميدان هو نقطة الانطلاق نحو إعادة المُلْك الذي ضاع؟! هل يتصور أحد أن هذه أرض معركة يخوضها ثوار لإعادة حاكم مصر للجلوس على عرشه مرة أخرى؟!

-بعض من ذهبوا إلى الميدان منذ اللحظة الأولى، حينما كانوا يمرون على مثل هذه المشاهد، تنتابهم حالة من الحزن، ولسان حالهم يقول، أهذا ميدان رابعة الذي كان مطلبًا للباحثين عن الشهادة ذات يوم؟! لقد كانت مرحلة فوضى بكل ما تحمله الكلمة من معنى، من أراد إعلان عقد قرانه ذهب إلى رابعة، ومن أراد التقاط الصور ذهب إلى رابعة، ومن ألَّفَ فقرة كوميدية ساخرة ذهب ليلقيها على المعتصمين في رابعة.

نعم، هكذا كان حال الميدان في أيامه الأخيرة، نعم، لقد تغير الميدان وتطور، بينما ظل الخطاب فوق المنصة على نمطه الذي بدأ به. وبالطبع أنا لا أقصد أنه كان ينبغي إغلاق الميدان في وجه أي أحد بحجة أنه لا ينتمي لأطياف بعينها، كلا، وإنما أتحدث عن غياب الشرط الذي عليه يدخل إلى الميدان من أراد، وأتحدث أيضًا عن فقدان السيطرة والانحراف عن السياق الذي سار عليه الاعتصام منذ البداية.

-المرحلة الرابعة، وهي مرحلة الفض، وسوف أنقل التفاصيل التي رأيتها منذ دخولي الميدان في ذلك اليوم حتى لحظات الانسحاب. ولقد نُشِرت من قبل في مقالة بعنوان:

(رابعة ميدان حرب بلا قائد.. وهذه تفاصيل الانسحاب مساء 14أغسطس).

-صباح 14 أغسطس (آب) كنت خارج الميدان، ولكنني لما علمت بأمر الفض توجهت سريعًا إلى محيط رابعة العدوية وتحديدًا شارع عباس العقاد، حاولت الدخول إلى الميدان أنا وغيري، ولكن ما استطعنا، ظلّت تلك المحاولات أكثر من مرة حتى دخلت بالفعل بعد صلاة الظهر وذلك عن طريق أحد الممرات المؤدية لشارع الطيران، وحقيقةً صدمني المشهد الذي رأيت، وما توقعت يومًا أن أراه، لقد كانت حربًا بالفعل، دخان الإطارات المشتعلة يتصاعد من كل اتجاه، لعله يخفف من رائحة الغاز التي تَعَبَّأ بها الميدان، مياه مختلطة بدماء القتلى والجرحى، خيام محترقة، صوت الرصاص يأتيك من كل مكان، وفي الغالب لا ترى من يطلقونه، إضافة إلى مشاهد الجثث والأكفان المنتشرة في كثير من الأمكنة، وأقسم أن الرصاص قد مرَّ بجوار الرأس أكثر من مرة، ولكن قدر الله النجاة، وهو أعلم بالنوايا، فما دخلنا الميدان إلا للوقوف على ما يحدث فقط لا المشاركة كما كان من قبل.

بعد أذان العصر بقليل كنت واقفًا في الجهة المقابلة لبنك مصر الكائن بشارع الطيران، تحدث أحدهم من فوق المنصة، ومن صوته أعتقد أنه دكتور جمال عبد الستار، وكان آخر من تكلم، أخذ يتحدث عن الثبات والمقاومة استمر ذلك دقائق، ثم لما انتهى وضع الميكروفون أمام الأجهزة ليستمع الميدان كله إلى تكبيرات العيد، في هذه اللحظات فكرت في أن أتحرك لمكان آخر، وبالفعل قادتني قدماي إلى شارع النصر، وقفت في الجهة المقابلة لمبنى الشئون المالية، بمرور الدقائق وجدت العدد قد تزايد لما يقرب من 10 أشخاص تقريبًا، فجأة توقف صوت المنصة واختفى صوت التكبيرات، بعدها جاء واحد وقال لقد قامت القوات بتحطيم المنصة وإشعال النار فيها ثم دخلوا إلى المستشفى.

وبدايةً من هذه اللحظة لا أذكر أن أحدًا فينا قد تكلم بكلمة بعدها، لقد صار رد الفعل واتخاذ القرار بناءً على تعبيرات الوجوه، نعم، فلم يتبق سوى أقل من ساعتين حتى يسدل الليل ستره، وساعتها لا يعلم أحد ما قد يكون، نظرنا خلفنا، وإذْ بممر يؤدي إلى أحد الشوارع المؤدية إلى منطقة السوق ومسجد عبير الإسلام، فتحركنا نحو ذلك الاتجاه وبعد سيرنا عدة أمتار، تفاجأنا بوابل من الرصاص لا نرى مصدره رجعنا على الفور إلى نفس المكان الذي كنا فيه، لحظات عصيبة، ما كان أحدنا يستطيع أن يعبر بكلمة، فصوت الرصاص لا يتوقف.

وفجأة ظهر أمامنا بعض أفراد القوات المسلحة، يقفون أعلى أحد الأبنية الفرعية التابع لمبنى الشئون المالية التابع لوزارة الدفاع، وهو مبنى مكون من طابقين أو ثلاثة، لما انتبهنا إليهم، أخذ بعضنا يشيرون إليهم بالاستسلام وطلب الانسحاب، التفتوا إلينا، وعلى الفور أشار أحدهم إلينا بيديه أن سيروا باتجاه منصة النُّصب التذكاري، ووالله لا أذكر أنه قد تحرك منا واحد، بل ثبتنا في مكاننا ولم نتحرك خطوة، غير أن هناك بعض الناس كانوا قد وقفوا ليشاهدوا ذلك الحوار الصامت، فلما رأوا إشارة ذلك الضابط انطلق منهم من انطلق بشارع النصر تجاه المنصة، فأُطلِق الرصاص عليهم فعادوا مرة أخرى، فتكررت الإشارات أننا نريد الانسحاب، فأشار بيديه تجاه الشمال، ووالله لا أذكر أن واحدًا منا تحرك خطوة في هذه المرة أيضًا، وذلك من توفيق الله عز وجل، إذْ كيف نطلب النجاة ولا نتحرك طاعة لمن يدلنا على طريقها!

نعم، هو توفيق الله وحده، فلو تحركنا في الأولى أو الثانية لفقدنا الثقة، وربما تبعثرنا وسرنا جميعًا نحو المجهول الذي يحمله الظلام، وربما أبادوا الجميع، وما حدث هو أن أناسًا ممن يقفون أيضًا بوسط شارع النصر، قد بادروا بالسعي نحو الشارع الواقع ما بين الحديقة الفرعونية ومبنى الشئون المالية فأُطلِقَ عليهم الرصاص، وربما تم القبض على بعضهم، فتكررت الإشارة مرة أخرى أنْ نريد الانسحاب، ولكن الرصاص يقابل من يذهب باتجاه إشارتكم.

وهنا وجدنا ذلك الضابط يجري مكالمة هاتفية ربما استغرقت دقيقتين أو ثلاثًا، بعدما انتهى انتبهنا إليه وانتبه إلينا، فأشار بيديه تجاه منصة النصب التذكاري، ثم أشار بإحدى يديه تجاه الشمال وبالأخرى أنْ لا، ففهمنا أنه يقصد عدم الدخول من شارع يوسف عباس، ثم أشار بيديه مرة أخرى تجاه المنصة، ثم أشار تجاه الشمال، ثم بيديه أخذ يحثنا على المضي في هذا الشارع، ففهمنا أننا سنمضي باتجاه المنصة نترك شارع يوسف عباس ثم نمضي حتى ندخل الشارع التالي شمالًا، وهو شارع عبد العزيز الشناوي، وهنا تحركت المجموعة، التي أسأل الله أن يغفر لهم ويتقبل منهم وأن يجازيَهم خير الجزاء، فلقد كانوا سببًا في إنقاذ عشرات وربما مئات الأرواح من القتل.

تحركت تلك المجموعة في الاتجاه الذي تم تحديده لها فتحرك كل أو جُل من كان في الميدان خلف هؤلاء، وكانوا ألوفًا، وأذكر أن ذلك كان في الخامسة وأربعين دقيقة تقريبًا.

هكذا كان الأمر، دونما استشارة أحد من المسئولين عن إدارة الميدان، لهذا أقول والله إن هذا الحدث العظيم كان كفيلًا أن يجعل كل الفصائل الإسلامية تعيد النظر في كل سياساتها ومناهجها، إذْ إن الهَمَّ الأول لكل قائد في أي معركة هو الحفاظ على الأرواح، والأمر كان واضحًا في ذلك اليوم منذ الصباح، أقصد يوم الفض، ووالله لقد كان بإمكانهم إنقاذ الآلاف ممن قُتِلوا وسُجِنوا وشردوا، ولكن لما أداروها بتلك الطريقة، حُقَّ أن تكون هذه هي النتيجة. لقد قرأوا ما فعله سيدنا خالد بن الوليد يوم مؤتة، ولكنهم قرأوا فقط.

-وأخيرًا، ذهبنا صباح الجمعة، في السادس عشر من أغسطس 2013، إلى ميدان رمسيس، بدأت الفعاليات، وانتهت. وأُجْمِل أحداث ذلك اليوم في جملة واحدة، (لم يكن فيها جديد سوى الهتافات والشعارات).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رابعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد