من السهل أن نرى في مجتمعاتنا كيف يحكم الناس على بعض الأمور عن بعد ودون أن يلامسوها، فكم مرة حكمت على امتحان ولم تكن الممتحن في ذلك الوقت! وكم مرة حكمت على وظيفة ولم تكن صاحبها! وكم مرة حكمت على موضوع ولم يكن يعنيك شيئًا! لنكن صادقين مع أنفسنا ونقُل: هكذا هي طبيعتنا – نحن البشر – لدينا القدرة على الإفتاء والتكلم في كل الأمور وإن لم يكن لدينا العلم بها، ونحن في هذا الصدد أردنا التوقف قليلًا؛ للحديث عن نظرة الشاعرين أحمد شوقي وإبراهيم طوقان لمهنة التعليم، ولماذا وقف طوقان معارضًا لشوقي في قصيدته الشهيرة.

عندما يذكر اسم أحمد شوقي لا يخفى على أحد أنه من أهم الشعراء في العصر الحديث، فلقد نال من الشهرة والإعجاب ما لم ينله أقرانه من الشعراء والأدباء.

ولطالما كان المعلم ومهنته تستهوي الشعراء وتخرج من قلوبهم أجمل الألفاظ؛ تكريمًا لجهودهم، وتقديرًا لما قدموه، وقد كتب شوقي قصيدة عن المعلم ومهنته ولاقت إعجابًا كبيرًا وذاع صيتها، حتى أصبح يعرفها العامة والخاصة، وكان مطلعها:
قم للمعلم وفّه التبجيلا – كاد المعلم أن يكون رسولًا
لقد تغنى شوقي بالمعلم والتعليم في هذه القصيدة، وأطنب في الوصف والمديح، وأشاد بالمعلم وجعله وريثًا للأنبياء؛ بفضله على المجتمع، وبما يقدمه من تضحيات من أجل التعليم، وكما ذكرنا لقيت هذه القصيدة ترحيبًا كبيرًا من المجتمع العربي بأكمله، وأصبحوا يتداولونها في محافلهم، وباتت رمزًا لراية العلم.
هذه نظرة شوقي للمعلم ومهنته، لكن من الجدير بالذكر أن هذه القصيدة لقيت الكثير من المعارضة من قبل الشعراء الذي يقبعون في سلك التعليم، وكان طوقان يقف في الصف الأول من المعارضين لهذه القصيدة.

 

جاء الدور على إبراهيم طوقان؛ ليكتب عن المعلم ومهنته كما كتب شوقي، لكن ما كتابه كان مغايرًا تمامًا؛ فمن يقرأ القصيدة يلاحظ كيف ابتدأ الشاعر بها، حيث يوجه الخطاب لشوقي في أول بيتين، ويقول:
شوقي يقول وما درى بِمصيبَتِي – قمْ لِلمعلم وفِّهِ التبجيلا
ويكاد يفلقنِي الأَمير بقوله – كَاد الْمعلم أن يكون رسولًا
ظهر طوقان غاضبًا مما كتبه شوقي؛ فهو أدرى بمهنة التعليم وخباياه، فلقد كان طوقان معلمًا للغة العربية، وصور معاناته ومعاناة أقرانه من المعليمن والصعوبات التي تنتظرهم كل يوم في عدة أبيات، ولقد قربت القصيدة لنا الصورة عن وضع التعليم ونقمة المعلمين على هذه المهنة في تلك الفترة، ومن يرجع إلى القصيدة ويقرأ أبياتها بالكامل سيشعر بحجم هذه المصيبة كما وصفها طوقان، فمعاناته مع النشء الصغير، ومرأى الامتحانات والدفاتر، والمستوى الضعيف للطلاب، كلها أمور جعلت طوقان ينتقد مهنة التعليم، ويقف معارضًا لشوقي الذي لم يجرب التعليم قط، وكان بعيدًا عن هذه الحياة المتعبة.

إذا كان هذا حال التعليم والمعلم قبل أكثر من نصف قرن، فماذا نقول وكيف نصف الحال اليوم، فلو أبصر طوقان حالنا لأيقن أن ما مر به هو أمر هين، أأعياك بعض الطلاب برفعهم المضاف إليه والمفعول؟! هذا أصبح أمر طبيعي، وازداد الوضع سوءًا برفع أصواتهم أمام المعلمين.

وليس بالغريب إن قلنا إننا أمام جيل يكره التعلم والتعليم، ويبحث عن الارتواء من نهر الجهل، لتبقى عقولهم مظلمة ومصابيحهم منطفئة، حتى أصبحوا ينافسون زمن الجاهلية الأولى، فلم يعد هناك أهمية للعلم؛ فقد هُمّشَ، وأفلست أخلاق هذا الجيل، وبدت علامات الانزياح والاعوجاج ظاهرة للعيان.
فكما ذكرنا، هكذا هي مجتمعاتنا تنظر إلى الشيء من الخارج، وستبقى كذلك حتى يجربوا هذه المهنة، وسنذهب إلى عالم الخيال ونتخيل قليلًا بأن الأب أخذ دور المعلم في أحد الحصص، فماذا سيفعل الأب إذا وقف مكان المعلم ورأى ابنه متشبعًا بالسوء والجهل؟ هل سيتقبل حالة ابنه؟ أم سيُحمل المعلمين المسؤولية؟ وإذا كان طوقان قد وصف بأنه واقع في مصيبة، فماذا سيقول لو كان بيننا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد