فوجئت بحجم القراءات والمشاركات لمقال “نص ديني متعارض مع العلم” التي وصلت بالمقال للأكثر قراءة في أقل من أسبوع. فالمقال مهما تم تبسيطه، هو مقال فلسفي ومن المثير أن يحظى باهتمام طيف واسع من الثقافات، من دكاترة فيزياء عرب في أكبر جامعات في العالم، إلى عمال يدويين في إحدى القرى، وفتيان في مدن أوروبية. وهذا يعد بأننا لا نرى من الجبل الثقافي إلا قمته. وأن المجتمع المعرفي العربي والذي يبدو ساكنا ومتشرذمًا من الخارج يعج بتفاعلات تكاد تنفجر في مسار قد لا يتوقعه كثير من المثقفين الكلاسيكيين.

 

ولأن التعليقات ومراسلات القراء كانت ثرية وعميقة – رغم أن الكثيرين، للأسف، لم يأخذوا وقتهم لقراءة المصادر المبني عليها الطرح – فقد رأيت أن أستفيض في مناقشة الخلفية العلمية لإتمام الفائدة قبل أن نستأنف سلسلة المقالات. ففي المقال السابق تعمدت أن أعيد صياغة المقال بأدوات تبسيط العلوم. فاقتصدت كثيرًا في إدراج المراجع، أو في تبرير اختياري لنظرية دون أخرى، أو في شرح المنهجية العلمية. قد يجد البعض المناقشات في هذا المقال جافة ولهم أؤكد أنهم يمكنهم ببساطة عدم قراءة المقال وانتظار المقال القادم، فهذا المقال يثبت الطرح ولا ينشئ طرحًا جديدًا.

 

هل هناك فعلا إجماع علمي على بداية الكون؟ ألم تنفه نظرية الأكوان المتعددة؟

الإجابة لا. فطرح الأكوان الموازية لم يكن أبدًا بديلًا للانفجار الكبير كما يعتقد البعض. بل إنه مبني على الانفجار الكبير ويحاول تفسيره رياضيًا كحدث من ضمن سلسلة من الأحداث لا أن ينفيه. بل إن الاكتشاف الحديث لموجات الجاذبية قد يفتح الباب أخيرًا لدعم نظرية الأكوان المتعددة، وهو أمر مهم فنظرية الأكوان الموازية لا تتوافر فيها كثير من شروط “الجودة” للنظرية الفيزيائية وأهمها أنها غير قابلة للدراسة التجريبية لذا فكثير من العلماء انتقدوها بأنها طرح فلسفي أكثر منه علمي.

 

على عكس نظرية الأكوان المتعددة، فقد بنيت طرحي بأن “للكون بداية“ على نظريات عليها إجماع من العلماء. وهي تحديدا مجموعة النظريات الخاصة بالانفجار الكبير مثل الدليل الحراري لبدء الكون والحاصل على جائزة نوبل ١٩٧٨، والمادة السوداء الحاصلة على نوبل ٢٠٠٦، والتضخم وموجات الجاذبية المرشحتين لنوبل. وهذه النظريات تفصل بدء الكون وتقدم على البدء الأدلة العقلية والمادية. يستعرض مقال الدكتور بيرت أوڤرت إجماع العلماء على صحة النظرية، وحجم الأدلة الدامغة على صحتها ودقة تنبؤاتها. ويقول نصًّا:

‫“أقدر الإجماع بـ٪١٠٠، هناك حجم دامغ من الأدلة، وكل تنبؤات النظرية سليمة‫”.

 

هل للزمن بداية؟

هل وجود حلقة ما للوجود بلا زمن هو طرح علمي أم جدل فلسفي؟

يسيء البعض الفهم بأن نظرية الأكوان المتعددة تقول بأن الكون لا نهائي الحجم والزمن. بينما تقول النظرية أنه “قد يكون هناك عدد غير محدود من الأكوان لهم وجود متواز أو متعاقب” يوازنون بعضهم أو يسببون وجود بعضهم. ولكنها لا تقول أن هذه الأكوان خالدة أو مطلقة القدم.

سأنقل هنا رد هاوكينج نفسه (واحد من أكبر منظري الأكوان المتعددة) في الرد على هذا السؤال “هل للزمن بداية؟” وهي مقتطفات من تفريغ لمحاضرة له من موقعه الرسمي نفسه.

يقول في أولها:

“في هذه المحاضرة أود مناقشة هل الزمن نفسه له بداية؟ وهل له نهاية؟ كل الأدلة تشير أن الكون لم يكن موجودًا منذ الأبد ولكن بدأ منذ ١٥ مليار سنة”.

ويستعرض هاوكينج محاولات العلماء الفاشلة في بناء أي نظرية قد تفترض أن الزمن أبديٌّ بلا بداية. ويثبت بشكل قطعي أن وجود بداية للزمن هو الطرح العلمي الوحيد المقبول والذي يتسق مع العلوم ولا يناقض نظريات لها قبول شامل من المجتمع العلمي كالنسبية.

وينهي المقال بـ:

“خلاصة المحاضرة هو أن الكون لم يكن موجودًا منذ الأبد، ولكن الكون والزمن نفسه بدؤوا بالانفجار الكبير منذ ١٥ مليار سنة”.

“The conclusion of this lecture is that the universe has not existed forever, Rather the universe, and time itself, had a beginning in the Big Bang, about 15 billion years ago.”

 

 

هل يقر العلم حقا بوجودٍ ميتافيزيقي خارج حدود الكون؟

ألا يمكن أن يكون ما خارج الكون هو عبارة عن أبعاد أخرى لا ندركها، ولكنها لا تزال تخضع للزمن.

ببساطة لا يمكن. فالأبعاد سواء أدركناها أم لا هي أبعاد فيزيائية للكون الفيزيائي، وتترواح حسب النظريات من ١٠ إلى ٢٦ وهي غير منفصلة عن بعضها البعض، بمعنى أنه لا يمكنك أن تأتي بجسم فيزيائي ثم تنزع عنه بُعْد الارتفاع أو أن تضيفه إليه. فالجسم الفيزيائي إما موجود فهو موجود بأبعاده المدركة وغير المدركة، وإما غير موجود فهو غير موجود بأبعاده.

وعندما يقول العلماء أن للكون بداية معناه ببساطة أنه لم يكن هناك وجود فيزيائي أصلا بكل أبعاده.

فالكون تعريفا هو “الزمان والمكان، متضمنا كل ما يحويانه، من كواكب ونجوم ومجرات وما بينها، ومتضمنًا كل ما هو مادي وكل ما هو الطاقة” ‫(مختصر من ويكيبيديا‫).

وفي تعريف الأكوان المتعددة أيضًا ‫“إجمالي الأكوان تشمل كل شيء بما فيها الزمن والمكان‫”.

 

يظن البعض أن العلماء (وخصوصًا الملحدين منهم) لا يعتقدون بأن هناك موجودات خارج الكون الفيزيائي. هنا أود اقتباس نص آخر من محاضرة هاوكينج السابقة (فهو أيضًا أحد أهم المنظرين الفيزيائيين للإلحاد) يقول في وسط مقاله:

“هذا البدء يجب أن يكون مقحمًا على الكون بواسطة مؤثر خارجي”.

‪“These ‪[beginning‪] had to be imposed on the universe by some external agency.”

 

منهجية التنظير للواجد الميتافيزيقي

طرحي الخاص بالوجود الميتافيزيقي لا يتعدى الاستنتاج المنطقي الآتي:

بما أنه:

  • أ. أجمع العلماء على أن الكون الفيزيائي له بداية.
  • ب. يحتوي الكون على إجمالي الزمان والمكان.

إذًا:

  • ج. الوجود خارج حدود الكون الفيزيائي ليس به مكان ولا زمان.

وبما أن:

  • د. هناك وجودًا ما خارج حدود الكون أدى لبدء الكون.

إذا:

  • ه. الوجود خارج الكون هو وجود ميتافيزيقي (غير فيزيائي) لا تنطبق عليه قواعد الزمان والمكان.

 

إلى هنا والاستدلال منطقي. وعلميا منضبط وصحيح (Valid) لأن مقدمات الاستدلال صحيحة، والاستدلال المنطقي صحيح، إذًا النتيجة علميا منضبطة (راجع موسوعة الفلسلفة).

وهنا أسهبت في تحليل عقلي Rational Analysis لصفات المؤثر الميتافيزيقي وبالرغم من أنه ليس لدينا علم بماهية واجد الكون، إلا أن لدينا علمًا بماهية الموجود (الكون)، بالتالي استخدمت “نفي الصفات الفيزيائية” كأداة معرفية للإشارة “لمن ليس كمثله شيء”. فاخترت مجموعة من المعارف لبناء تصور عن ماهية الوجود الميتافيزيقي وهي تحديدًا:

المؤثر الخارجي كفاعل مستقل لهاوكينج متوافقا مع النسبية ومع معظم نظريات الانفجار الكبير بما فيها الأكوان المتعددة ومختلفا مع نظرية الأوتار.

الفلسفة النسبية للزمن كبعد للمكان وفقًا لأينشتين (Eternalism) والتي تقول بأن الماضي والحاضر والمستقبل لهم وجود متواصل ومتواز، وأن تصنيفنا للحظة ما أنها من الماضي هو تعبير عن أنها خرجت عن حيز إدراكنا، بالرغم من أنها لا تزال موجودة (المرجع المرفق هنا مهم للتفصيل).

وما فعلته هنا يماثل إلى حد كبير ما يفعله علماء الفيزياء حين يبنون النماذج الرياضية باستخدام حدود النموذج (Exogenous Boundaries) كنقطة بداية لوصف النموذج، واستخدام فرضيات نظرية لوصف التداعي السببي (Theoretical Dynamic Hypothesis) لوصف النموذج. بمعنى آخر، فالتحليل العقلي استخدم ما قد أسميه بنمذجة معرفية.

نهاية، فقد أعدت صياغة النتائج بشكل شخصي لأحفز القارئ على بناء صورة خاصة به باستخدام معارفه الخاصة (Subjective Realties) لأزيد وضوح الصورة لدى القارئ وأزيد من صحتها لكل شخص على حدة على الرغم من أن هذا كان ثمنه أن الصورة في ذهن كل قارئ قد تختلف عن القارئ الآخر، وهي منهجية توفر نتائج أقل انضباطا ولكن أكثر صحة (less reliability and higher validity).

وهي المنهجية التي بدأت تنتهجها كثير من العلوم الآن وتبشر بثورة علمية كبيرة في نطاق واسع من العلوم (كما أنتوي التوضيح في مقالات قادمة) وهي ذاتها المنهجية التي استخدمها الدين نفسه في مخاطبة طيف واسع من البشر متنوعين معرفيًّا وثقافيًّا، وكل منهم يمكنه أن يكون صورة شخصية صحيحة عن العدل، مثلا، وعلى الرغم من أن كل الصور مختلفة باختلاف الأشخاص إلا أنها صحيحة لكل منهم على حدة، ولهذا حديث يطول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد