“كم رجل اعتلاكِ باسم الفن” كانت تلك الجملة الأشهر التي يعرفها القاصي والداني عن ذلك الرجل وهو يتحدث عن تلك الممثلة الشهيرة، وعلى الرغم من تأفف البعض من أسلوبه وأنا منهم، إلا أنني شاهدت في سجن العقرب نفس الرجل ولكن على هيئة ووقار ولبس على غير المعهود عنه.

على الرغم من كوني أعمل بمجال الصحافة ولكني خلال دراستي بالجامعة قليلًا ما كنت أشاهد التلفاز أو أتابع القنوات الفضائية “الإسلامية” ببرامجها المختلفة، وحتى خلال متابعة مواقع التواصل كان لا يروق لي أن أقف كثيرًا على تلك الأخبار الخاصة بالفنانات وبعض المشايخ والفيديوهات المنتشرة على يوتيوب.

عرف الشيخ عبد الله بدر بقصة إلهام شاهين وما دار في تلك المرحلة من سجالات كثيرة، أنا كشخص لا أتفق معها كلية ولا أرى ذلك سبيلًا لدعوة الناس بالحسنى والموعظة الحسنة، بالتأكيد سمعت عن الأمر حينها واستنكرت فعل الشيخ وأصبح في نظري “شيخًا غريبًا يحب الظهور”.

وكانت محكمة جنح الزاوية قد قضت في 17 ديسمبر 2012 ، بحبس عبد الله بدر سنة وغرامة 20 ألف جنيه بتهمة سب وقذف إلهام شاهين، وإيقاف بث قناة الحافظ ومنع عبد الله بدر من الظهور على القنوات الفضائية 30 يومًا، وقرر الشيخ في 3 يناير 2013 اعتزال الظهور في الإعلام بسبب مزاجه العصبي، نافيًا أنه قد اتخذ هذا القرار بسبب ضعفه وعدم قدرته على الثبات، وتوالت الأحكام مرارًا على الشيخ وظل مسجونًا إلى يومنا هذا.

داخل سجن العقرب تردد كثيرًا أن الشيخ مسجون في زنزانة مجاورة لنا في نفس العنبر، فرح البعض كثيرًا بذلك، وقال آخرون “دا الشيخ بتاع إلهام شاهين”، واستنكر شبان “الله يسامحك يا مرسي ياما حذرك الشيخ وأنت ماسمعتش الكلام واتسجن في عهدك” وسط كل هذا أقف لا أعرف حتى شكل الشيخ، كل ما تذكرته في حينها ما سمعته من البعض عن مسرح الردح الكبير في قناة “الحافظ” والشيخ يتكلم فيه على هذه وتلك.

حقيقة، ظهر الشيخ داخل السجن متعاونًا ودودًا للغاية، ووقت أن دخلنا العقرب في أغسطس 2013 كان بدر في عنبر للجنائيين فقط، معظمهم أحكامهم قاربت على 70 عامًا، كانت أشكالهم وطريقة حديثهم كفيلة أن تخيفك أبد الدهر من التحدث إليهم، تأملت أحدهم مرة بتمعن فقال لي: “فيه حاجة يا كابتن؟” فابتسمت والقلب يخفق: “لا يا كبير بصبح بس”.

معروف عن السجون أنه كلما كانت مدة سجنك أطول سُمح لك بالخروج من الزنزانة فترة أطول، وكلما احتوت جيوبك على “السجائر” كلما كان الشاويش أرحم وكثرت عندك بعض المميزات كـ”السلك الذي تكهرب به الماء لعمل الشاي” أو بعض الماء البارد أو بعض الجبن من الخارج وبعض الملابس الزائدة.

ظللنا في الزنزانة طيلة الستة أيام الأولى دون هواء، تخطت فيه درجة حرارة الغرفة 50 درجة مئوية على حد تقديري، بلغ الحر بنا مبلغه حتى أكرمنا الله بالشيخ عبد الله بدر فكلمناه ووعد بتلبية طلبنا وأنه سيتكلم مع بعض مسؤولي السجن، بعد يومين فقط جاءت المروحة، كانت من أسعد اللحظات وأشدها فرجًا علينا، كانت الفرحة كبيرة ليس فقط لأن المروحة أتت لنا بهواء بارد بعض الشيء، ولكن لخروجنا أول مرة خارج الزنزانة ما إن فتحت حتى خرج أربعتنا نجري ونتكلم مع المساجين الآخرين، حتى نادانا الكهربائي “أمال مين هيشتالني يا عم أنت وهوه وأنا بركب المروحة؟ ايه أنتم ما صدقتم”، فحمله أحدنا وكانت فرحة لا توصف وبتنا ليلتنا نعدد في فضائل المراوح وأنواعها.

كان الرجل متواضعًا يحدثنا كثيرًا من تلك الفتحة الموجودة بباب الزنزانة “النضارة” يأتينا ببعض الجبن، والصابون الأسود، والملابس، والماء البارد وقت الصيام، زجاجة “مشبرة” في ذلك الحر الرهيب وكنا صيامًا، فأقول في نفسي حرام عليك يا شيخ “طاب هاتها وقت الفطار” وتظل النظرات تداعب زجاجة الماء حتى قال أحدنا “أنا هفطر النهارده مش قادر أقاوم الميه الباردة، حرام عليك يا شيخ” ونضحك ضحكات عالية بعضها يكون مؤلمًا، وأخرى تهون مرارة المكان.

أظن أن الشيخ كان في بداية وجودنا هناك في زنزانة فردية، انتقل بعدها إلى زنزانة أخرى مع جنائي، ظهر الشيخ هادئ الطبع مرنًا خدومًا متعاونًا مبتسمًا يخدم الجميع حتى لو طلبت منه شيئًا عسيرًا يحاول قدر الإمكان أن يلبي لك طلبك دون نفور أو غضب، يقتسم معنا بعض قوته اليومي ولعل ذلك وقصة المروحة والبنطال الذي أتى لي به وقت ما كانت تكشف عورتي ترك في نفسي سيرة طيبة للرجل تعالت على ما سمعته عنه أو ما شاهدته له من فيديوهات على موقع “يوتيوب” وأنا أحضر لكتابة تلك السطور. “الإنسان أسير الإحسان”.

وبعد أن رأيت الرجل مرات عديدة طيلة 13 يومًا كنا سويًا في نفس العنبر نرى بعضنا يوميًا لدقائق فقط، أريد أن أقول أن الإعلام وأخص التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” و”توتير” تظهر لنا فقط الجوانب السلبية من شخصيات الناس، أما عن المعايشة في الظروف الصعبة والمعتقلات فهي شيء آخر سواء كان بالسلب أم بالإيجاب، و”ليس من رأى كمن سمع”، أنا هنا لا أدافع عن الرجل فـ”مواقفه بالطبع محسوبة عليه” ولا أعرف عنه إلا ما كتبته من مشاهدات من خلال المعتقل رآها الكثير من ساكني العقرب.

فاللهم هون على أهل العقرب والمعتقلين ما هم فيه، آمنهم من خوف، أطعمهم من جوع، اسقهم من ظمأ، خفف عنهم برد السجون وحرها، كن لهم عونًا ونصيرًا ومددًا يا رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد