في مفهوم تحديد النسل

قبل بيان تعريف تحديد النسل لا بد من شرح معاني مفرداته اللغوية وبيانها.

مفهوم تحديد النسل في اللغة

يتركب مفهوم تحديد النسل من مفردتين وهما:

أولا: التحديد

فقد جاء في لسان العرب: حدد: الحد: وهو الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر أو لئلا يتعدى أحدهما على الآخر، وقيل: أراد لكل منتهى نهاية ومنتهى كل شيء: حده، وحدده: ميزه، وحد كل شيء: منتهاه لأنه يرده ويمنعه عن التمادي.1

وجاء في تاج العروس: الحد: (الدفع والمنع)، وحد الرجل عن الأمر {يحده} حدا: منعه وحبه. 2

وجاء في المعجم الوسيط: (حدد) على الشيء أقام له حدا. 3

ويفهم مما سبق أن التحديد هو إقامة الحد للشيء ومنع التمادي.

ثانيا: النسل

فقد جاء في مختار الصحاح: (النسل) أي الولد، و (تناسلوا) أي ولد بعضهم من بعض.4

وجاء في لسان العرب: النسل: الخلق. والنسل: الولد والذرية.5

ويفهم مما سبق أن النسل هو الذرية والولد.

ثالثا: تحديد النسل

وبعد الاطلاع على ما ذكرناه سابقا يمكننا الخلاص إلى أن تحديد النسل هو: إقامة الحد للذرية والولد ومنع التمادي.

المطلب الثاني: مفهوم تحديد النسل في الاصطلاح

مصطلح تحديد النسل مصطلح مستحدث فلم يذكر في أبواب الفقه في الأصول تحت هذا العنوان وإنما ذكر ما يتوصل به إلى تحديد النسل تحت مسمى العزل.

وقد عرفه خليل بن إسحاق المالكي بقوله إن العزل: هو أن يطأ إلى أن يأتي المني فينزع ذكره حتى لا ينزل فيها.6

وعرفه النووي بقوله: العزل هو أن يجامع فإذا قارب الإنزال نزع وأنزل خارج الفرج.7

وباستقراء تعاريفهم للعزل نستنتج أن العزل هي وسيلة يتوصل بها إلى الامتناع عن التوالد بمنع مخالطة ماء الرجل لماء المرأة.

وأعرف تحديد النسل بأنه: الحيلولة دون الزيادة في عدد الولد والاكتفاء بالموجود.

حكم تحديد النسل

أولا:  أقوال المحرمين ومناقشتها

فقد قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1-6 جمادى الأولى 1409 الموافق 10 – 15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م، تحت قرار رقم 39 (1/5) أنه:

يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان، إذا دعت إليه حاجة معتبرة شرعا، بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما وتراض، بشرط ألا يترتب على ذلك ضرر، وأن تكون الوسيلة مشروعة، وألا يكون فيها عدوان على حمل قائم.8

ونستنتج من الشروط أمرين، الأول أن يكون لفترة معينة من الزمن، والثاني أن يكون له سبب شرعي يبرر هذا التوقف وعلى ذلك فتحديد النسل المطلق حرام عندهم.

وقد جاء في قرار هيئة كبار العلماء رقم (42) وتاريخ 13/ 4/ 1396 هـ:

ونظرا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد للمسلمين بصفة عامة وللأمة العربية المسلمة بصفة خاصة، حتى تكون لهم القدرة على استعمار البلاد وأهلها.

وحيث إن في الأخذ بذلك ضربا من أعمال الجاهلية، وسوء ظن بالله تعالى، إضعافا للكيان الإسلامي المتكون من كثرة اللبنات البشرية وترابطها.

لذلك كله فإن المجلس يقرر: بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد من ذلك خشية الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها.

وقد استدل المحرمون بالأدلة التالية:

الدليل الأول: قال تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ] (الإسراء: 31[.

ويرد عليهم بأنه استدلال في غير موضعه فقد ذكر الطبري وغيره في الآية: إنما قال جلّ ثناؤه ذلك للعرب، لأنهم كانوا يقتلون الإناث من أولادهم خوف العيلة على أنفسهم بالإنفاق عليهن10، وبهذا يرد عليهم من وجهين الأول أن وجود الولد حادث ثم يتم قتله وأما تحديد النسل فهو يحول دون الحمل أصلا فلا وجود للقتل فيه، أما الثاني فالقتل هنا بين وهو بسبب الاملاق وكما ذكرنا سابقا فتحديد النسل ليس بقتل بالإضافة إلى أنه لا يشترط لمن قرر تحديد النسل أن يكون خائفا من الفقر.

الدليل الثاني: وقال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود-6].

الدليل الثالث: وقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}] العنكبوت-60[.

فاستدلوا بعموم آيات الرزق ويرد عليهم بأنها آيات عامة في الرزق ولا يوجد فيها أي وجه للاستدلال في المسألة.

واستدلوا بعموم الأدلة في الترغيب بالتكاثر ومقاصد الشريعة باعتبار حفظ النسل مقصد شرعي لا يتحقق إلا بالتكاثر، ويرد عليهم بأن كل الأدلة الواردة في الترغيب لا تتعارض مع طبيعة تحديد النسل فلو أنجب الزوجان طفلا واحدا واكتفي به وغيرهم طفلان وغيرهم ثلاث فقد تحقق معنى التكاثر في جميع الحالات.

واستدل ابن باز في الفتاوى بقوله:« لا شك أن تحديد النسل، لا يجوز، وفيه مضار كثيرة، منها إضعاف للأمة وتقليل لعددها، والشريعة جاءت بالحث على أسباب التوالد والترغيب في ذلك، ومن ذلك قوله: «تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»»11.

ويرد عليه بجملة من الاستدلالات:

أولا: من المقاصد الشرعية حفظ النسل وهذا يتحقق بالواحد والاثنين والثلاث.

ثانيا: أن الأمة لا ينقصها العدد في زمن لم تعد فيه الكثرة تغلب الشجاعة بل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل.»12.

ثالثا: الاستدلال بالحديث في غير موضعه فهو ترغيب للتزوج بالمرأة الولود لينجب منها ولا يوجد في الحديث ما يمنع التحديد.

رابعا: ما يؤكد أن الحديث للترغيب أنه لو أخذنا الحديث على الوجوب، لكان مفهوم المخالفة منه لا تتزوجوا غير الولود فيكون حراما الزواج منها وهذا ظلم لها والله منزه عن الظلم، وبالتالي هذا باطل بالإضافة إلى أن حكم الزواج في مجمله ليس بواجب وإنما سنة مؤكدة فكيف حملوا هذا الحديث على الوجوب وحملوا نقيضه على الحرمة؟

خامساً: الولد فرع عن أصل الزواج فعندما كان الزواج ليس بواجب كان من باب أولى أن لا يكون الفرع واجب فالتابع تابع.

ثانيا: القول المختار

وبعد طرح أقوال المحرمين ومناقشتها تبين لنا التالي:

لم أجد فيما وقفت عليه ما ينهض دليلاً على حرمة تحديد النسل، كما أن الأمة لا ينقصها العدد في زمن لم تعد فيه الكثرة تغلب الشجاعة.

وعلى ذلك فإن تحديد النسل مباح، وهو الأصل وقد يكون مستحبا لضمان التربية والتعليم المناسبان للأطفال والانشغال في توجيههم والاعتناء بهم في هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والفواحش جهارا نهارا. ويحرم تحديد النسل في حالة واحدة ألا وهي إذا كان لا يريد النسل خوفا من قلة الأموال للإنفاق وهذا يتعارض مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية فيما يخص الرزق.
والله أعلى وأعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد