استيقظ الشعب المصري على خبر موافقة صندوق النقد الدولي على منح مصر قرض تبلغ قيمته 12 مليار دولار ستحصل عليه على مدار 3 سنوات، فانصرفت أذهان الناس بين مؤيد لهذه الخطوة وبين معارض لها، وثار التساؤل حول هذه الخطوة وهل هي في صالح الاقتصاد المصري وسيكون مآلها إنعاشه واستعادته لحيويته، أم سيكون عبئا آخر على الحكومة؟

قبل التسرع في الحكم بذلك أو ذاك، دعونا نفند هذا الموضوع بطريقة أكثر عقلانية ولننظر إليه من عدة جوانب مختلفة.

يعد هذا القرض أكبر اتفاق تسهيل ائتماني حصلت عليه مصر في تاريخها من صندوق النقد الدولي، ليس هذا فحسب، بل هو أيضا أكبر قرض منحه صندوق النقد الدولي لدولة من دول الشرق الأوسط، فلكل دولة عضو في صندوق النقد الدولي حصة في رأسمال الصندوق، وتبلغ حصة مصر والتي ارتفعت في وقت قريب إلى 2.9 مليار دولار، تستطيع كل دولة أن تقترض ما يعادل 335% من حصتها، أي أن أقصى تقدير تستطيع مصر أن تحصل عليه وفقا للوائح الصندوق هو 9.7 مليار دولار، وهو ما أصابني بالدهشة، فكيف حصلت مصر على قرض بهذه القيمة!

فبهذا القرض تكون مصر قد استنفذت الطاقة القصوى لها في الاقتراض من صندوق النقد بأكبر رقم ممكن للاقتراض.

أما الآن فسنأخذ جولة في جعبة صندوق النقد الدولي

يخضع هذا الصندوق وعلى غرار غيره من المنظمات الدولية لهيمنة وسيطرة الدول الأقوى، يعمل لصالحها على حساب الدول النامية، فهو يخضع تحت سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية والتي تمتلك الحصة التصويتية الأكبر للصندوق، حيث تمتلك 17% من رأس مال الصندوق، فبالتالي تستطيع إيقاف أي قرض وعدم الموافقة عليه.

وبالتالي يظهر لنا جليا أن حصول مصر على هذا القرض الضخم يُفهم منه أن النظام المصري متوافق مع النظام الأمريكي في وجهات النظر.

فلو استعدنا ذاكرتنا إلى الوراء قليلا لتذكرنا أنه تم رفض تمويل مشروع السد العالي في فترة حكم«جمال عبد الناصر»، وذلك لأن النظام المصري آنذاك كان لا يتفق مع وجهات النظر والتطلعات التي كانت تسعى إليها الإمبريالية الأمريكية.

من إرهاصات تعسف صندوق النقد الدولي هو تطبيقه لمبدأ«المشروطية» والذي يقوم على تعهد صندوق النقد باستمرار منح التمويل في حالة التزام الدولة الممنوحة بالإصلاحات الفنية والاقتصادية المتفق عليها، ويندرج دائما تحت بند الإصلاحات، تحرير سوق الصرف، وإزالة العوائق والعقبات أمام دخول وخروج رؤوس الأموال، والالتزام باتفاقيات تحرير التجارة الدولية ومواجهة التقلبات في أسعار الصرف وأسعار الفائدة وخفض الإنفاق العام.

يتم خفض الإنفاق العام عن طريق خفض الدعم الموجه للصناعات، ممايؤثر بالسلب على المنافسة الدولية طبقا لبرنامج المشروطية الذي يتبعه صندوق النقد مع الدول المقترضة، فإن برامج الإصلاح التي تتبعها الدول المقترضة تكون مكلفة ومؤلمة لطبقات المجتمع المختلفة خاصة الفقيرة والمتوسطة، والحقيقة المؤلمة هنا أن صندوق النقد ليس كما يصوره البعض بالشيطان الأعظم الذي يدمر الدول ويقتل الفقراء، أو الجراد الذي يلتهم الأخضر واليابس ولا يترك الدول إلا وهي هشيما تذروها الرياح، فالحقيقة أن أغلب برامج الصندوق وضعتها الدول المقترضة بنفسها كما هو الحال في التسهيل الائتماني الحالي.

يهدف صندوق النقد الدولي في حقيقته إلى سيادة الرأسالية العالمية، حيث تمهد لفتح أسواق في الدول النامية أما الدول المتقدمة، كسوق استهلاكية رخيصة بعد تدني أسعار عملات هذه الدول، وهو الطلب الأكثر أهمية والذي يرمي إليه الصندوق دائما في أغلب اجتماعاته مع مسئولي الدول المقترضة.

لا يهدف الصندوق إلى إفلاس الدول النامية، ولكن يريد فقط سيرها في الطريق المرسوم لها في ظل النظام الاقتصادي العالمي، وليس كما يزعم البعض أنه يهدف إلى تدمير هذه الدول، فو سلمنا لما يروجونه فإن الدول الصناعية الكبرى تدمر أسواقها الاستهلاكية، وهذا لا يعقل.

لذلك يُطرح على أذهاننا هذا التساؤل، لماذا اضطرت الدولة المصرية إلى هذا القرض المرهق، ولم استسلمت لمبدأ المشروطية الذي يفرضه صندوق النقد في وجه الدول المقترضة منه.

هل سيحقق هذا القرض الهدف المرجو منه؟، وهل هناك خطة اقتصادية حكيمة ومنظمة للاستفادة بأكبر قدر ممكن من هذا القرض؟

هذا ماسوف تجيبنا عنه الأيام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

صندوق النقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد