“إذا أردت أن تحكم العالم عليك بالقوة” هذا ما يؤمن به قادة العالم ، إلا الدب الروسي أو كما ينبغي “روسيا الاتحادية”، فآمنت بقول: “إذا أردت أن تحكم العالم عليك بالمكوث مدة أطول على أرض المعركة”.

بعيدًا عن أبواق الإعلام دعونا نلقي ضوءً شريرًا على تلك البقعة الأكبر في العالم.
فنَعم هي الدولة الأكبر من حيث المساحة في العالم،هي الأرض التي لايجعلك قائدها تشعر أنك أمام قائد أكبر دولة في العالم بشبابه وخفته ورشاقته.

روسيا التاريخ

روسيا تنقسم إلى حقب تاريخية  كبيرة، بداية من التتار الذين احتلوا العالم قديمًا ولم ينزلوا من على كرسي الحكم حتى استنشاق الأنفاس الأخيرة.

مرورًا بالدولة القيصرية التي اتجهت إلى سيبيريا وحاربت قوة الإسلام العثمانية، وحتى بولندا لم تسلم من أنياب تلك الحاكمة، انتهاءً بالاتحاد السوفييتي الذي استطاع بدهاء حكامه أن يكسر أنوفًا لطالما تكبرت على أطفال العالم الثالث.

نظرة أقرب علي آفاق ستالين

چوزيف ستالين، إنك ربما تسمع هذا الاسم كثيرًا ، إنه المنتصر الأقوى في الحرب العالمية الثانية، هو الرجل الذي تقاسم الغنائم مع الدولة الأمريكية بشدة ومازال حتى بعد مماته؛ فروسيا اليوم تتنعم في بواقي خيرات ستالين، هو القائد الذي طلب رأس أدولف هتلر حيًا أو ميتًا.
في تسليط الإعلام الوثائقي على أحداث الحرب العالمية الثانية يظهرون للمشاهد أن أدولف هتلر هوالأكثر دموية على الإطلاق فهو مؤسس المذهبية النازية  وهي تتلخص في مبدأ البقاء للأكثر جرمًا ودمويةً، ولكن قائد الاتحاد السوفييتي حينها جوزيف ستالين هو الأكثر دموية حتى وإن فقد الكم الأكبر من الجنود، ولكنه سيطر على برلين في ليلة واحدة وقال ” لا يمكنك أن تصنع ثورة بقفازات من حرير”.
فروسيا حكمت العالم ولن تتخلى عن حكمه يومًا واحدًا، حتى قبل ولادة الولايات المتحدة، ومع أنها هي الخاسرة الأكبر من حيث عدد الجنود القتلى والمصابين إلا أن الحظ حالفها، بعد الحرب العالمية الثانية كانت الحرب الاقتصادية العلمية في صالح الولايات المتحدة، أمريكا تركت العالم يلعب في أرض واحدة وكسبت هي الحرب بطريقة أخرى من جهة ما.

كرسي حكم العالم

الذي يهمك الآن هو كيف تنزل روسيا من على منصة حكم العالم وتتخلى عن هدفها هكذا بسهولة؟ في الحقيقة ياصديقي هذا لم يحدث ولن يحدث! ربما تتعجب من كلامي، ولكن إليك بعض الوقائع العصرية الحديثة بنظرة سياسية بحتة.

عليك أن تعرف قبل أن تحدد السياسة الدولية للعالم ماهية الفكر المتبع للدولة، أو بمعنى آخر ما الورقة التي تلعب بها الدولة الموضوعة تحت مجهرك، لدينا الآن دولتان تداولا حكم العالم؛ روسيا أو الدب الروسي، وأمريكا أو الولايات المتحدة،
نبدأ بالأخرى:

الولايات المتحدة: إن الولايات هذه تلعب بورقة الشرق الأوسط بكل وضوح، فهي التي ترعى السلام في هذه، كالعراق والسودان وتحارب الإرهاب في تلك، كمصر وأفغانستان وليبيا، وتكون حليفة مستعمرة لهؤلاء كالسعودية وقطر والخليج، أنت بذلك ربما تظن أن أمريكا تكسب اللعبة.

روسيا تتجه إلي حيث لم يتجه أحد من قبل، ومن هنا تكون القشة التي ستقصم ظهر البعير، روسيا تتجه إلى إيران جنوبًا وإلي سوريا غربًا وإلى لبنان في المنتصف وإلى مصر حديثًا.

بالمناسبة، إتجاه عبد الفتاح السيسي إلى الدعم الروسي، إنما هو بمثابة فتاة ليل كاملة الجمال تهب نفسها للدب الروسي
تاركة الولايات المتحدة بعدما ملت فراشها، وهي لا تعلم مدى حدة أنياب ذلك الدب، ربما يعرف قريبا!

ألا تلحظون شيئًا؟ أن روسيا تتجه إلى الدول الشيعية؟
نعم، هذه هي ورقة الإشتراكية الروسية، تستغل سوء الفهم بين السنة والشيعة، وهناك دولة عظمى تسمى أمريكا تلعب بورقة السنة متمثلة في السعودية وأقرانها، أما الشيعة وتمثلهم إيران كدولة كبرى على خلاف مع تلك الدولة العظمى تستخدم روسيا هذه العلاقة المتوترة بين الحلفاء لتضرب الشرق الأوسط بالشيعة، هذا ما لم يفكر فيه أحد من قبل، فما الذي بربك يجعل بوتين يدعم الأسد بهذه الشدة؟  هل لجمال رقبة بشار الأسد!
لا، فإن بوتين يلعب اللعبة بدهاء ويريد أن يفوز، فحكم العالم الثالث الآن يتمثل في أنك تحصل على دول أكبر تحت جناحيك أقصد تحت قدميك.

تعرف صحة كلامي بما يجري الآن  التأييد الشديد لبشار الأسد من الحليفتين إيران وروسيا حتى وإن كانا يعلمان أن بشارًا فعلاً قد سقط. في حوار دار أمس بيني وبين صديقي أن السنة في سوريا قد انتصرت  قلت إن المعركة كانت بين سنة وشيعة، الآن تحولت الطاولة وأصبحت مستطيلة بدلاً من دائرية، وهناك قوة كروسيا حسمت الأمر لصالح الشيعة، وهذا لا خلاف فيه، وهذا ما دعاني قبل أيام أن أكتب على مدونتي الشخصية (ضاعت سوريا)، وهاجمني كثيرون ولكنها تبقي الحقيقة وإن أنكرنا، فالأمر لن ينتهي إلا باحتلال جزئي أو تقسيم، هذه هي سياسة حكم العالم.

 

دعنا الآن نتكلم عن استراتيجية الحكم

روسيا تملك أهم استراتيجية  تداول سلطة في العالم
فربما ترتفع حواجبك عندما تعلم أن الرئيس الحالي فلادمير بوتين كان رئيس الوزراء للدولة
قبل توليه المنصب في ٢٠١٢ وكان رئيس الدولة قبلها، والرئيس حينها كان ميديفيديف، الآن الرئيس هو بوتين ورئيس الوزراء مديفيديف، وهكذا في سلاسة تامة.

 

بوتين وسياسته

الولايات المتحدة تستخدم سياسة الخطابات المروعة والماكرة في ترهيب العالم، روسيا ربما تختلف فهي تستخدم الصور والفيديوهات لإثبات حقائق موجودة، وربما تستخدم مواقف ذكية من شخص الرئيس وهذا هو الغالب، دعنا نرى.

فلنرجع بالذاكرة إلى ذلك اليوم الذي ذهبت فيه أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية لتهديد بوتين في عقر داره على سياستها الخبيثة وشبه الصامتة تجاه جزيرة القرم، فقام بسهولة في جلوس دبلوماسي يشهده العالم بتسليط كلبته السوداء شديدة الضخامة “كوني”، التي هي من أغلى الكلاب في العالم على ميركل بهدوء وأمام العالم، هو لم ينطق بكلمه لكنه استخدم الدهاء القوي وحسن التصرف والرد على لهجتها التهديدية، وأنجيلا ميركل لم تتفوه بكلمة فربما فهمت المقصود.

موقف بألف خطاب سياسي، لن نذهب بعيدًا، تعال هنا حيث ما يخصنا، تذكرون ذلك البالطو الذي ارتداه السيسي في روسيا منذ شهور؟ الذي أهداه إليه بوتين، إنه سياسيًا يعني أنك تحت عباءتنا من الآن أيها المغفل، أنا أتكلم بإنصاف شديد، ولكن سذاجة هذا السيسي تجعلك تشمئز، خصوصًا في معركة لا تعرف السلاح، بل البقاء للأذكى.

إكمالاً لسياسة التهديد بالمواقف لا بالخطابات كما يفعل باراك أوباما، تجد كل آن وآخر الرئيس الروسي في غواصة تحت الماء، ويتصور وهو يركب دبًا أسمرًا، ويتصور وهو يمارس الجودو ويطرح خصمه أرضًا، وتراه تارة وهو يقود طائرة تحت الاختبار العسكري ما زالت حديثة اليوم، إن روسيا لا تحب الكلام، بل تجوع وتتركك تسمن حتى تأكلك بشراهة.

بوتين ليس بالرئيس السهل؛ فهو بتصريح واحد صار يقض مضجع الغرب، فهو الذي دخل الشرق الأوسط من شرقه من إيران وسوريا، هو الذي عطل قرارات مجلس الأمن مرات ومرات بمجرد تصريح. بوتين على عمره الـ ٦٢ إلا أنه يظهر برشاقة وخفة وهو يصطاد أو يغوص أو يلعب چودو وتايكوندو، حتى في لقاء قمة العشرين الاقتصادي الذي عقد برئاسة الرئيس التركي “أردوغان” تجده يظهر ماشيًا ببدلته ذات الأزرار المفتوحة، هذا طبيعي لشخص بوتين، فهو لم يمتلك كرشًا يومًا ودائمًا ما يفتح أزراره سارقـًا أنظار الجميع.

 

السلاح هو الحكم

أما من ناحية السلاح روسيا تملك أقدم الأسلحة في العالم وأفضل إحدى القوات الخاصة عالميًا.

لا تُثار فكريًا حين تعلم أن الدولة التي يكون من المستحيل عبور أراضيها بريًا هي روسيا، فهي على مساحتها إلا أنها تحكم قبضتها علي الحدود بطريقة مبالغ فيها، فهي بقعة من أصعب اليابسات في العالم، والتي لم يتدرب جنود أية دولة على ظروف المعركة على تلك الأرض؛ فهناك ثلوج طوال العام ومستنقعات وغابات ومنحدرات، ولهذا السبب تم إيقاع جنود هتلر داخل الأراضي الروسية  قبل حتى قدوم الدب الروسي، ومع ذلك جنود الروس يستطيعون عبور أية دولة  لتدربهم على القتال تحت أية ظروف.
ولكن تنتظر الوقت فحسب، الوقت فحسب

لحظة ..

قبل أن تغادر تلك الجزئية عليك أن تعلم أنه في حال قامت حرب نووية فروسيا هي الفائزة بالتأكيد، لسببين:
الأول: أنها تملك أكبر مخزون نووي في العالم منذ الحرب العالمية الثانية حتى من أمريكا، بل إن جل علماء النواة مبعثهم روسي.
السبب الثاني: بُعد أراضيها عن أجواء أرض المعركة، فغالبًا المعارك العالمية ما تدار في صحن غرب أوروبا وشمال إفريقيا، أيضًا روسيا تمتلك أكبر أسطول بحري في العالم بجوار الولايات المتحدة، وأكبر قاذفة صواريخ بالستيه بعد أمريكا؛ ذلك مما يجعلها تطمح لاستعادة الكرسي.

روسيا في الحقيقة لم تنزل من على كرسي حكم العالم، بل أمريكا هي التي تنازعها عليه، فهي تملك أكبر احتياطي معدني وطاقاتي في العالم، فهي لا تبعثر مواردها هنا وهناك، أظنها تنتظر توقيتًا معينا حين تنفد طاقات العالم.
بالمناسبة، روسيا تمتد بعرض قارة آسيا ناحية الشمال وأيضا تمتلك ٤٠٪ من أوروبا، وعلى حدود مشتركة مع أكثر من ١٥ دولة، هي في موقع قوة وليس موقع ضعف، وبالفعل هي شبه حاكمة للعالم، ومحطة الفضاء الدولية هي روسية في الأصل وهو حكم للعالم من جهة أخرى.

من حقك أن تتساءل لماذا أسموها بالدب الروسي؟

هو لك
هذه هي الإجابة:
هو الاسم الذي أطلقه الغرب عليها بعد الحرب العالمية الثانية كنوع من أنواع الإهانة، وتعني قوة الشراسة والدموية، في الحين نفسه لم يتخل الروس عن الاسم بل عندًا في الغرب أحبوه وأطلقوه على أنفسهم، بل كان الدب شعارًا لهم في المناسبات.

أين مصر من روسيا القيصرية؟

الجزء الأخير من هذا المقال هو بيان لتحالف السوڤييت مع مصر قديمًا إبان حرب أكتوبر، حين وقفت السوڤييتية جوار الرئيس أنور السادات في الحرب، هي في الحقيقة لم تدخل لأجل عيون السادات، بل لأن أنور يحارب إسرائيل، وإسرائيل تدعمها أمريكا من خلف الباب، والمحارب الآخر مصر، وروسيا كدولة معادية لأمريكا قررت الوقوف جوار الدولة المعادية لحليفة أمريكا؛ أي مصر، فإسرائيل تحارب مصر أو العكس وروسيا وأمريكا يلعبان بهما شطرنج.

اكتشف السادات ذلك مؤخرًا حين أرسل له كسينجر طلب وقف النار، ولكن يبدو أن العقلية الصعيدية كانت أقوى، حتى وإن تأخرت، إذا أردت أن تكتشف سياسة روسيا ما عليك أن تترجم خطابات الرئيس، بل عليك أن تترقب تصرفاته أمام الجمهور، وتستمتع بالمشاهدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد