تأسرني أضواء المدينة لكن لا تُغريني كما تفعل عيناك، وظل النخيل إذا ما حل الليل عليه وتشارك مع سحب السماء في رسم لوحة لطيفة كما لطف وجنتيك إذا ما ابتسمت، وارتسم على محياك ما يُحيي قلبي، فأنا لا أمثل سوى قالب أجوف تنضب منه آثار الحياة، وتختفي منه كل علامات الوجود، تنسجم روحي مع تلك الطبيعة كما تفعل سجيتك، أبقى بوُجُودك ولا يبقى وجْدِي، ذهب كما تذهب الريح وجاء طيفك كنسيم عليل في ليلة صيفية حارة ليريني خالقي في كل مرة معنى من معاني رحمته الواسعة.

فتملكتني دهشة درويش تائه فرحة بملاقاة محبوبه حينما صدى صوت يُعرفني الهوى مذ عَرفت هواك، ويغلق قلبي على كل من عاداك، أدركت عظمة الرحمة التي أوزعها الله في الأرض لتتراحم بها الخلائق، وأي مخلوق أنت؟

محبوبي الأول والأخير والوحيد والأوحد القريب الذي لا يدنو، والغائب الذي لا أعرف له مكانًا سوى تيهته بين حُجرات قلبي الصغير، حجمه الكبيرة فيه مكانتك وحبك وشغفي للقياك.

لكن حزنًا دفينًا يقطع شرودي، تساؤل ينهي فرحة قلبي الخالي دون وجودك، كم هو موحش شعور جسد بلا روح! كأن أحاسيسك تعاتبك على ما ليس لك من الأمر فيه شيء، ليلًا يعلو من داخلنا صخب جاهدنا في إخفائه طيلة اليوم، ليلًا تقترب كل الذكرى الحزينة والخوف والترقب، الليل يقسو ما دمت قاصيًا.

ينتابني شجن وحنين يسكن عيني مسافر ينظر من شباك سيارة يستند عليه من ثِقل ما يدور في باله. هو حقًّا لا يعلم من أين ينبع كل هذا الأسى الممزوج بنظرة طويلة شاردة إلى العالم حوله وهو يدور، يعبث لا يتوقف، وهو جسد ساكن حيث وجد في طريقه إلى ما يرغب أو ما لا يرغب ودُفع رغمًا عنه إليه، ذهن وفؤاد يضطرب، ربما لا يضطرب، ربما يشغل باله قدرًا كبيرًا من الوقت لا ينبغي أن يشغله كله، ثمة أشياء لا يستطيع الإنسان التوقف عنها بإرادته، كلما أراد أن ينتزع نفسه منها ما يلبث إلا أن تتشبث به و يتغلغل بها، هي اختياره، قيل إن المرء اختياراته، لكن يقينًا اختياراته هي أقداره فيما يسَّره الله له، لنعود أنها بإرادته؛ هكذا تنجذب الفراشات نحو مصدر الضوء بحثًا عن متاع فتلاقي حتفها، هلا تساءلت إن كانت تعرف مصيرها أكانت تقترب؟ لكنها النشوة.

النشوة التي تعترينا في كل مرة، وتدفعنا لفعل ما لم نتوقع أن نفعله يومًا، ربما هو شعور جيد انتابك ومن سوء حظك أنك حظيت به، ربما ليكون من حسنه أن تناله دون ما ينقص نشوته، لكنه استلذاذ الألم وحب لسجان لا يغفل عن تعذيبك. والخوف تملك من روحك لما راح يُكمل برؤيته نظرة حنين بين عينيك! فيباغتك بسؤاله لمن؟ ومن؟ تخشى من حنينك لراحل لم يأتِ، وتخشى ما تخشاه ندمك لتركك البحث عنه.

فهل ترانا نلتقي؟ هل سيجد كل منا ضالته؟ هل سيتعرف كلانا على الآخر بسهولة لأن أرواحنا قد تعارفت من ذي قبل في عالم البرزخ! أم ستحكمنا قوانين الفيزياء متشابه لا يقترب، المتشابه يتنافر. كغرباء على طريق ألفناه لكنه استوحشنا وأوحشناه، لا ندري من سنلاقي؟ هل سنتلاقى؟ ربما لِلُقيانا وجود في مكان ما في زمن ما، لا نعلمه نحن على حد سواء، ربما سيعرج كلانا إلى الآخر، لن تضيق بنا الطرقات، ستتسع الميادين، كل شوارعي المظلمة التي مشيتها وحدي ستنير لي يومًا ما، كل شوارعي الحزينة الآسفة ستفرح يومًا ما، سينبت في وادينا زهرة جميلة نسقيها بصبرنا الطويل وأرواحنا المرحة – التي تتلاقى بعد أمد بعيد لربما قريب – وودنا الذي لا ينضب أبدًا وفيض مشاعرنا ونفوسنا سنرعاها بكل ما أوتينا من قوة؛ لإدراكنا قيمة عدمها من الوجود. لذة الحصول بعد الفقد واستشعار النقص، لذة لا يضاهيها أي وجود مادي وبالأحرى معنوي، وصولك بعد السعي ووجودك ما كنت تبحث عنه يعيد كل ما انطفأ في حجراتك بما في جعبته مما يردك لكل ما افقتدته وفقدك.

ها أنا تلك،أفتقدك لا أجدك، أستعذبك ما أعذبك! أناديك لا تسمع، وأكاتبك لا تقرأ، أنعتك ولا أعلمك.

ما تظن أنك فاعله هو مفعول بك، هو نفسه ما أنت مفعول به تشارك فاعله، لك قدر من الفعل، لك تحكم فيما فُعل بك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تظن, مفعول
عرض التعليقات
تحميل المزيد