_ فَعَلها يا حليمة، فعلها، ألم أقل لكِ لن يلبث طويلًا وسيُقدم عليه،لقد فَعَلها.

= مَنْ فعل ماذا يا جارية؟ ألم أقل لكِ أن تتأدبي قليلًا وأن لا تناديني حليمة مرة أخرى! أنا أمك يا جارية.

_ليس الآن يا حليمة، ليس هذا موضوعنا، أقول لكِ لقد فعلها.

= هل صُرعتِ يا فتاة؟ فعلها! فعلها! ما بكِ يا جارية؟ مَنْ فعل ماذا؟ ألم أقل لكِ من قبل ألا تتبعي أخبار القوم؟ لدينا ما يكفينا!

_ أنصتي إلي يا امرأة، ألم أخبركِ تلك المرة بأن الناس تهمهم حول عمر وأنه لا تستقيم له حال منذ ظهور ذلك الأمر، فهو يقوم بالفعل وضده، أعني أمرَ محمد.

يقوم على مَن أسلم من قومه تارة فيوقع بهم الأذى، وتارة يرق قلبه لغيرهم، ألم أخبرك أيضًا بأنه قد سار في مكة خبر بأن محمدًا يقول «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك» ويقولون بأنهما ابن الخطاب وأبا الحكم بن هشام، من وقتها وقد علمتُ بأنه لن يلبث طويلًا حتى يدخل في هذا الأمر.

= أقصري يا جارية! ماذا تقولين الآن؟ أتقولين بأن عمر دخل في أمر محمد؟!، أرى بأن تتبعك لأخبار الناس قد ذهب بعقلك، نعم لقد سمعتُك في ذلك اليوم ولكنني سمعتُ أيضًا عن ما قاله عامر بن ربيعة عند خروجه للحبشة، لمّا قال لبنت أبي حيثمة عندما رأى منها ميلاً لإسلام عمر أنه لا يسلم ابن الخطاب حتى يُسلم حماره؛ اعقلي ما تقولين يا جارية.

_ ولكنها رغبت في إسلامه لأنها رأت منه رقة في أمرها، لطالما أخبرتُكِ بأنه على الرغم من شدة عمر إلا أن في قلبه رقة وعطفًا ليس كغيره.

ها هو!! أنصتي الآن يا حليمة، ها هو يمشي مناديًا بين الناس بأنه قد دخل في أمر محمد، أنصتي انصتي علّك تصدقين الان، ها هو يعلنها عند الكعبة.

= أهاا.. حقًا ما تقولين!! إنه هو عمر، لقد أسلم ابن الخطاب!! والله لو يقولون لي بعد ذلك بأنهم قد وجدوا نهرًا بجانب أحدٍ ما كذبتهم، لقد أسلم ابن الخطاب!!

________________________

عُمَر، تشغلني كثيرًا قصة إسلامه وأغبطه عليها، نعم والله أغبطه، فهو عمر مَن حمل سيفه يومًا ليقتل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رغبة منه في إنهاء أمر الإسلام قبل أن ينتشر.

عمر من قالوا بأنه لا يُسلِمَ حتى يُسلم حماره. عمر من كان يقود قريشًا ليوقعوا الأذى بمن أسلم من أهليهم حتى يحجموا عن الإسلام.

عمر..

أسلم عمر، وبُشر بالجنة، أسلم عمر، ورأى النبي له قصرًا في الجنة، أسلم عمر، وأصبح الشيطان يهرب من طريقه، قد أسلمَ عمر! دعك من سياسته، وحنكته، وحكمته، دعك من قوته، غض الطرف عن مآثره، وشجاعته، دعك من هذا كله فوالله ما هذا الذي يشغلني. ما يشغلني حقًا منزلته عند الله – تعالى -، لا أزكيه أبدًا عليه، ولكن ذلك الأمر يشغلني حقًا.

هل لك أن تتخيل كيف لعدو أمرك أن تحبه وهو ما زال على عداوتك؟

كان عمر على الشرك والمعاداة للإسلام، والله – سبحانه وتعالى – يحبه من فوق سبع سماوات، تخيل معي أن يذكرك الله في نفسه وأنت على دينه، إذا علم الناس بهذا كيف سينظرون إليك، فكيف وأنت مشرك وتعاديه؟ ماذا فعل ابن الخطاب لينال مثل تلك المنزلة، والله إني لأغبطه.

رجلٌ اختاره الله ليكون سببًا لعزة الإسلام؛ نعلم جميعًا وعلى يقين بأن الله كان مظهرًا دينه على أية حال، كان الإسلام سينتشر رغمًا عن الجميع بحوله وقوته – تعالى -. ولكن أن يختارك الله لتكون سببًا في هذا، بل ويُعلم الجميع أيضًا بحبه لك، هذا الذي لا بد من الوقوف عليه، لِمَ عمر؟! تخيل معي بأن الرسول يدعو «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك» ومن ثمّ يكون ذلك الرجل المحبوب هو أنت.

يحبه الله منذ الجاهلية، هل لك أن تتصور، يحبه الله من قبل إسلامه، ماذا رأى منه ليحبه؟ ماذا فعل ابن الخطاب؟ أنا أيضًا أريد أن يحبني الله، أريد أن يذكرني، ما الذي اختلف فيه عمر عن البقية حتى يحبه الله ويذكره وهو ما زال على شركه.

_____________

عندما أصل في التفكير لهذه النقطة أتذكر دائمًا تلك المقولة عن أبي بكر «ما فَضُلَ أبوبكر بكثير صوم ولا صلاة، ولكنه شيء وقر في قلبه». والله أظن بأن جميع من نحسبهم على خير عندهم مثل ذلك، بينهم وبين الله سَريرة.

لا بد أنه كان لعمر شيء وقر في قلبه أيضًا من قبل إسلامه، شيء رآه الله في قلبه فجزاه خيرًا منه، تلك الآية تتردد على مسامعي في كل موقف شبيه «إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا».
السرُ إذا يكمن في القلب، وليس الأمر يقف حينها عند عمر – رضي الله عنه – أو غيره، القلب.. نعم أغبط قلب عمر الذي أحبه الله.

ما يثير غضبي فعلا هو أنه لِم نحن نرضى بالحال التي عليها قلوبنا؟، لم لا نطمع في قلب كقلب عمر أو خير منه؟، لِم لا نريد بأن يذكرنا الله في نفسه؟! أحيانًا كثيرة أفكر ماذا ستكون ردة فعلي لو عرفتُ بأن الله يذكرني باسمي في ملإ عنده أو في نفسه؟ لِم حقيقةً لا نسعى بأن نُري الله في قلوبنا سلامةً وحبًا له؟

الأمر مناطهُ ما وقر في القلب «إلا من أتى الله بقلب سليم»، ذلك هو المحرك، ذلك الذي يدفع لفعل الخيرات، ذلك الذي تُهدى بسببه النفوس «ومن يؤمن بالله يهدي قلبه».

لِم لا تزاحمُ هممنا همة مَن كانوا يُسابقون على مجلس الحوض؟ لِم؟، ستقولون لسنا مثلهم، ولم لسنا مثلهم؟! ألسنا على الأمر ذاته؟ ألسنا جميعًا مرادنا واحد؟ ألسنا نسعى جميعًا للجنة ورؤية وجهه – تعالى -؟ ألسنا جميعًا نسعى لرضاه؟ لم نرتضي هممًا ليست كهِمَمِهم؟ لم لا نُري الله قلوبنا؟ 

أشعلوا الهمة فى قلوبكم، تنجوا يرحمكم الله، سابقوا همتهم ليس لتسبقوهم وإنما لتبلغ القلوب مرادها، سابقوا لجنة عرضها السماوات والارض، هناك خلف ذلك الباب، ذلك الباب حيث الأمان والراحة، حيث سننسى تلك الدنيا وما فيها من ألم ومعاناة، حيث الجمال وما لا يمكن وصفه، حيث المزيد وما أدراك ما المزيد، حيث ستستطيع فعلًا أن تقول لقد علا شأني وبلغتُ مرادي.

هناك خلف ذلك الباب، حيث الجنة.

رضي الله عنك يا عمر، أشهد الله أن أحبك فيه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد