شارع المعز لدين الله الفاطمي يعتبر من أكثر الأماكن الأثرية في مصر حالية، وأصبح يجذب الكثيرين من هواة التصوير والرسامين، وبدأت تنساب إليه بعض مجالس الثقافة والفن إن كان في الربع الثقافي، أو متحف النسيج المصري.

وفي ذلك الشارع هناك مسجد الحاكم بأمر الله الذي يزوره المئات يوميًّا، من أجل التصوير أو الجلوس والصلاة به، فإنه مليء بسحر وروحانية لا يمكن تخيلها، فيكفي فقط بأن تجلس هناك فتجد نفسك قد أزيلت كل همومك وهدأت نفسك.

إنه بيت الله الذي يذكر فيه اسم الله، وتقام صلاته، ويؤذن فيه، ولكن هناك شيئًا فاجعًا أخافني وجعلني اتسمر في مكاني من هول الموقف، جعلني أفكر فيه كثيرًا وماذا آلت إليه الأمية والجهل والبلطة والنماذج غير المشرفة التي أصبحت تظهر على شاشتنا لتنشر بيننا أشياء لم تكن موجودة بتلك القوة من قبل.

رأيت أمين شرطة وعسكري ممسكين بفتى وفتاة ذاهبين إلى البوابة، وأمين الشرطة يضرب الشاب الذي يبجح فيه قائلًا بالنص: «ما كل الناس قاعدين محترمين أهو غيرك أنت».

تلك الجملة الذي فجرت في عقلي مئات بل آلاف الأفكار داخل عقلي، ماذا كان يحدث وماذا حدث؟

وهل فعلًا حدث ذلك ما يدور بخاطري؟ وإن حدث فأي فاجعة قد تحدث بنا إن لم نحترم بيوت الله ونعصي بداخلها الله.

هنا توقف عقلي تمامًا عن التفكير، أوصلنا بأننا لم نعد نحترم حتى بيوت الله، أفقدنا قدسية بيوت الله؟

وهنا كان سؤالي المعتاد ماذا بعد تدني الأخلاق؟ لكني اكتشفت بأن تدني الأخلاق ما هي إلا البداية لكل شيء سيئ، وعندما نصل لفقدان قدسية بيوت الله إذًا ماذا بعد؟

أهناك كبير سنحترمه؟ أهناك أب نخاف منه؟ أهناك دين؟ أهناك قوانين؟ أهناك شيء أصبح له قيمة نحترمها؟

لقد فقد كل شيء معناه وقيمته ولم يعد هناك شيء سوى انتظار النهاية، نهاية المجتمع والأسرة والأجيال القادمة.

فتخيلوا معي إذا أصبح ذاك الفتي وتلك الفتاة أم وأب ماذا ستكون تربيتهما؟ إذا كانا قد فقدا قدسية بيت الله فما هي القيم والمبادئ التي سيزرعانها بداخل أبنائهما، ستكون البذرة فاسدة والتربة أكثر فسادًا، والماء الذي تروى به هو الفساد بعينه.

لا عجب بأننا نسمع يوميًّا بفاجعة جديدة وفقدان لقدسية أشياء عديدة في حياتنا اليومية، وحوادث تجعل العقل يتوقف عن التفكير يوميًّا، إذا كان باغتصاب فتاة صغيرة داخل مسجد، أو بقتل الأبناء لوالدهم أو أمهم، وغير ذلك من فقدان كل شيء قيمته وقدسيته.

فلم يعد احترام الكبير مكانة، وأصبحت عناوين الأخبار تتصدر بعناوين فاضحة دائمًا لنجوم الفن والكرة.

لا عجب بأن عناوين الأخبار في الأعياد أصبحت تتحدث عن كيفية مواجهة التحرش الجنسي الذي أصبح كالطاعون لا يسلم منه بيت، كل يوم نستمع لقصة تحرش أو فضيحة جنسية. لا عجب بأن دولتنا من أوائل الدول في البحث عن كلمة الجنس في جوجل.

فقدان قدسية الأشياء وقيمتها أصبح فاجعة لكل من يهمه ذلك المجتمع، فقديمًا كانت الجوامع مساجد ومدارس يتعلمون فيها القيم واحترام الكبار، يضعون بذرة الإيمان والأخلاق داخل الصبية الصغار، واليوم فقدت المساجد قيمتها وقدسيتها كما فقدت من قبل المدرسة قدسيتها وقيمتها، فأصبحنا نسمع كثيرًا عن حوادث ضرب مدرسين ومدرسات داخل الحرم المدرسي.

فلم يعد للمدرس قيمته المعهودة، وحجتهم من قبل بأن المعلم أفقد نفسه هيبته بالدروس الخصوصية، ولكن كيف فقدت المساجد هيبتها حتى نرى ونستمع لتلك الحوادث التي تجعل القلب يقشعر هيبة لذلك المكان.

وإذا كان هناك أحد يريد لتلك الدولة السلام والمضي نحو تقدم فلترجعوا لنا مبادئنا، وتنشروا القيم والأخلاق، فلا يوجد صلاح لمجتمع فاسد أخلاقيًّا تنتشر بين حاراته وبيوته شرائط الترامادول وسجائر ملفوفة بمواد مخدرة، وأكبر قدوته بلطجي يموت دومًا في الحلقة الأخيرة.

ولكي أختم مقالتي فلن أجد أحسن من تلك الأبيات:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت .. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد