منذ خروج المغرب سالمًا من حالة الفوضى التي سببها ما يسمى الربيع العربي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، عرفت البلاد خطابًا إعلاميًّا وسياسيًّا يتحدث عن حالة من الخصوصية ميزت المغرب وجعلت منه بلدًا مستقرًّا في منطقة عمتها الفوضى والخراب.

هذا الخطاب الذي تروج له الأجهزة الإعلامية الحكومية، ينتصر للقصر، ويصف تعامله مع الحركات الاحتجاجية التي بدأت في المغرب شهر فبراير (شباط) 2011 بالتعامل الرزين والحكيم.

إذن، ربما يحسب لمؤسسات الدولة المغربية، وعلى قمة هرمها القصر الملكي، النجاح في الخروج بالبلاد من عنق الزجاجة، وتفادي أي انزلاقات كانت لتؤدي بالبلاد إلى سيناريوهات لا يحمد عقباها. لكن في الآن ذاته، هناك أسئلة لا مفر منها يفرضها الواقع الحاضر على كل متابع للشأن المغربي، هل كان هذا الانتقال السلمي الذي أوصل الإسلاميين إلى الحكم فعلًا بدايةً حقيقية لمرحلةِ جديدة من تاريخ المغرب الحديث، مرحلة تستحق بصدق أن نصفها بالاستثنائية؟ أم أن كل ما أعقب احتجاجات حركة 20 فبراير كان وما يزال مجرد مسلسل فاضح عنوانه الأبرز الضحك على الذقون؟

ما الذي يحدث في المغرب؟

بعيدًا عن الكلام الرومانسي المنتصر للاستقرار، الذي أصبح منةً من السياسيين على الشعب، وبعيدًا أيضًا عن صور منصات مهرجان موازين التي قد تخدعك بأن هذه البلاد لا ينقصها حقًّا سوى لويس فونسي ليغني ديسباسيتو الشهيرة في سماء الرباط، يعيش الرأي العام المغربي حالة تتراوح بين الحنق والصدمة بسبب ما يجري حاليًا في المغرب؛ فالبلاد أولًا تعرف في سابقة من نوعها مقاطعة شعبية كاسحة لمنتجات بعض الشركات بسبب غلاء الأسعار، والتي تعاملت معها الحكومة المغربية معاملة مخجلة؛ إذ انحازت لصف الشركات، وطالبت المقاطعين بالتعقل وتغليب مصلحة الاقتصاد الوطني، وثانيًا أن القضاء المغربي أصدر أحكامًا، على طريقة قضاة السيسي، أقل ما يقال عنها أنها قاسية في حق نشطاء حراك الريف، ليصل مجموع هذه الأحكام 300 سنة كاملة، نال منها ناصر الزفزافي أحد متزعمي الحراك 20 سنةً. ولأننا نتحدث دائمًا عن الاستثناء، ولأن الصدمات لا تأتي فرادى؛ جاء حكم قضائي آخر في حق الصحفي حميد المهداوي بالسجن ثلاث سنوات، ليجعل الجميع يتساءل بدهشة ما الذي يحدث في المغرب؟

لا يحتاج أي واحد منا إلى شهادة دكتوراه في العلوم السياسية لكي يخرج بخلاصة أن المغرب يعيش حالة من الاحتقان الاجتماعي. قد نختلف في تحديد درجة خطورة هذا الاحتقان، ومدى انتشاره، لكن وجوده هو حقيقة لا يمكن نكرانها أو التغاضي عنها، إذ يكفي التأمل في وجوه العابرين على الأرصفة ومرتادي المقاهي لتشعر بهذا الاحتقان والتذمر، دون الحاجة إلى استطلاع رأي، أو تجميع بيانات بطريقة دقيقة وعلمية. من البديهي أن في الدول التي تحترم نفسها، وتحترم قبل ذلك مواطنيها، يميل الساسة إلى الاستماع إلى مطالب الشعب، والعمل بها، بغض النظر عن أي حسابات سياسية ضيقة، ذلك أن الثقة بين الشعب ومؤسسات الدولة هي صفقة تبادلية تتجاوز أي شخص أو منصب، وهي أساس المواطنة، ولا يمكن التفريط في هذه الثقة تحت أي اعتبار. لكن في المغرب، تميل الحكومة وغيرها من مؤسسات الدولة إلى تبني سياسة الأذن الصماء، وبدل العمل على تخفيف الاحتقان بتلبية مطالب الشعب، ومن ضمنها الإفراج عن المعتقلين السياسيين، تلعب هذه المؤسسات بالنار، وتضع مستقبل البلاد على المحك، بهذا التمادي الذي لا يمكن فهمه ولا تبريره، في تجاهل المطالب الشعبية المشروعة.

في انتظار الإصلاح.. وغودو!

لم يخطر ببال صمويل بيكيت، صاحب مسرحية في انتظار غودو التي أسست لمسرح العبث، وهو يتجول في أزقة طنجة بسروال قصير وسيقان نحيفة، أن هذا البلاد التي يستكشف أغوارها، هي نفسها ستغدو خشبة عرض كبيرة تستكمل فيها فصول مسرحيته العبثية، إذ بعيدًا عن أي مبالغة، تكثر أوجه التشابه بين مسرحيته والعبث السياسي الذي يعرفه المغرب. فنحن ننتظر جميعًا هذا الإصلاح والانتقال الديمقراطي الذي يروج له لسنوات، تمامًا كما ينتظر فلاديمير وإستراغون غودو؛ هل سيأتي هذا الإصلاح؟ متى؟ وكيف؟

العديد من المغاربة ينفقون أيامهم في محاولة فهم هذه الأسئلة، والإجابة عنها مع غياب أي مؤشرات ملموسة قد تساعد على الفهم فيما يشبه فلاديمير وإستراغون اللذين يغرقان في حوارات عبثية عقيمة في محاولة الإجابة عن ماهية غودو، وقدومه، ولم تأخر كثيرًا، وهل سيأتي حقًّا؟

يبدو سيناريو الإصلاح المغربي شبيهًا جدًا بمأساة قدوم غودو والانتظار الأبدي العبثي، لدرجة أن هذه المقارنة يمكن أن تطول جدًّا إلى تفاصيل صغيرة، لكن سأكتفي عوضًا عن ذلك بطرح أسئلة لا يجد لها الكثيرون جوابًا شافيًا، رغم أن الإجابة لا تتجاوز كلمة واحدة:

1. أليس من العبث أن تنادي الدولة بالاستقرار، وهي نفسها تزج بالمتظاهرين في السجون، مما من شأنه ضرب الاستقرار في مقتل؟

2. أليس من العبث أن يصبح القضاء المغربي مضربًا للمثل، ومنافسًا للقضاء المصري في الأحكام القاسية؟

3. أليس من العبث أن يتضمن ملف ترشيح المغرب لتنظيم المونديال مشاريع بناء طرق وملاعب، ومرافق عمومية، وشبكة سكك… إلخ، وأن يزج بالزفزافي ورفاقه في السجن لمطالبتهم بهذه المشاريع على أرض الواقع؟

4. أليس من العبث أن يسجن صحفي في دولة المؤسسات وحرية التعبير؟

5. أليس من العبث أن تدافع الحكومة عن الشركات الأجنبية وتقف إلى جانبها في ضرب القدرة الشرائية للمواطن؟

6. أليس من العبث أن يدخل المغرب حرب اليمن؟

7. أليس عبثًا أن يشارك المغرب في حرب سعودية بالوكالة، في الوقت الذي أدارت السعودية ظهرها للمغرب في ملف المونديال لصالح الأمريكان؟

8. أليس من العبث أساسًا لدولة تصنيفها في التعليم، والصحة، والتنمية البشرية جد متراجع أن تتقدم بطلب تنظيم المونديال؟

هذه الأسئلة جميعها جوابها واحد: بلى، نعيش حالة من العبث، وهي التي لم يجد المطبلون مرادفًا لها سوى كلمة الاستثناء، فالعبث في جوهره استثناء، والاستثناء ليس بالضرورة أمرًا إيجابيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد