إن ما يجري على خشبة مسرح الأحداث، على هذه الأرض من مشاهد تتغير وتتبدل بشكل سريع كالبرق الخاطف؛ مما تجعل الإنسان العادي يقف مذهولًا ومندهشًا ومتحيرًا لما يراه من صور متحركة وأشكال متقلبة وأحداث متتابعة وراء بعضها البعض بسرعة رهيبة، فيحتار في أمره من يصدق ومن يكذب؟

بل الأنكى من ذلك أن نفس الأحداث تعود للظهور بأشكال مختلفة وببيانات تكذب الأحداث السابقة أو تنفيها، ثم تعود مرة ثالثة للظهور بأشكال مختلفة أيضًا، وسرد وقائع مغايرة للأولى وللثانية!

وتنطلق بين الفينة والأخرى، صيحات من مسؤولين حكوميين، أو دبلوماسيين، أو وزراء، أو إعلامين، بأن طبول الحرب قد بدأت تُقرع، وساعة الصفر لبدء المعارك الضارية بين الدولة الفلانية والفلانية أو بين عدة دول قد حانت، واقتربت عقارب الساعة من الوصول إلى اللحظة الحاسمة، فتقوم وزرات الخارجية في بلد أو بلدان ما بنصح رعاياها بمغادرة ذلك البلد أو تلك البلاد سريعًا وحالًا، وعدم السفر إليه أو إليها بتاتًا لتمرير الخديعة على الناس، وإشعارهم بأن الأمور في غاية الجدية ومنتهى الخطورة!

ثم ينطلق التهديد والوعيد وعظائم الأمور، والعنتريات من حكام من هنا، ومن هناك وبأنهم سيبيدون كل من يتصدى لهم، ويجعلونه حصيدًا، كأن لم يغن بالأمس، أو أثرًا بعد عين!

وتمضي الأيام، والليالي، والشهور، والسنوات، وتذهب كل هذه العنتريات، وكل هذه التوقعات، والتنبؤات والتصريحات الجوفاء أدراج الرياح!

وفي غمرة هذه الأحداث الملتهبة، المعدة، والمصنوعة في مطابخ السياسة، والمكر، والخديعة.. وفي هذه الأجواء المشحونة بالأكاذيب، والأضاليل.. ينبري أساطين الفكر والسياسة والإعلام لتحليل وتشريح، وتفسير ما يجري على خشبة مسرح الزمان، من أحداث تجعل الحليم حيران!

فيقولون: إن ثمة خلافات أو صراعات أو تنافسات على سيادة العالم بين أمريكا وروسيا، أو بين أمريكا والصين، أو بين أمريكا وكوريا الشمالية، أو أن إيران تريد السيطرة على المنطقة العربية، أو أن الكيان الصهيوني يريد القضاء على التوسع الإيراني في المنطقة العربية، وعلى أذنابه من ميليشيات شيعية، كحزب الله وسواه، أو تغير توازنات، وإستراتيجيات بين الدول!

كَبُرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبًا، وإفكًا مبينًا.. ولكن – للأسف – أكثر الناس لا يعلمون، فيصدقون ما يسمعون، وما يشاهدون!

إن ما يجري من أحداث، على هذا الكوكب الصغير يشبه تمامًا ما يجري على خشبة المسرح، حينما يقف السحرة أمام النظارة فيلقون بعصيهم وحبالهم، فيُخيل إليهم من سحرهم، أنها تسعى!

إنه خداع البصر، والعقول، والألباب، فيصدق دهماء الناس، وغوغائهم، ما يجري على خشبة المسرح، بأنه حقيقة، وما هو بحقيقة.

وما يزيد في خداعهم أكثر أنه حتى أساطين وأساتذة التحليل السياسي، والإعلامي، يصدقون هذه المسرحيات الهزلية المضحكة، ويدعون العامة إلى تصديقها!

لأن عقولهم، وقلوبهم، خاوية من التواصل مع خالق السماء والأرض، والذي يعلم السر وأخفى.. وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ. الأنعام 59.

فيجهل هؤلاء المساكين حقيقة الأحداث، ويجهلون من يصنعها ومن ينتجها ومن يخرجها بحبكة فنية غاية في التعقيد، لا يفهمها ولا يدركها إلا أولو الألباب، من المؤمنين الصادقين القانتين.. الموصولين مع الله تعالى.. والذين يعلمون تنبؤات رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي يقول: سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ. سنن ابن ماجه.

وَفِيهِ: وَحَتَّى تَرَوُا الْجِبَالَ تَزُولُ عَنْ أَمَاكِنِهَا. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ.

وهنا مربط الفرس! ترى ما هو التفسير الحقيقي والصحيح لهذه الأحداث؟

حتى نعرف الحقيقة كاملة، علينا أن نعرف جذور الأحداث وأسبابها ومنابعها، ونستكشفها كما يفعل الطبيب الحاذق الماهر في تحري أسباب المرض كي يعالجه، ويقضي عليه قضاءً مبرمًا.

علينا أن نرجع إلى الوراء 1441 سنة هجرية، أو 1397 ميلادية، حينما ظهرت دولة الإسلام الأولى في المدينة، بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إليها، والتي كان يسكنها طوائف عديدة من اليهود، وكانوا يعلمون من كتبهم ومن التوراة أنه سيبعث رسول من العرب، وهو خاتم المرسلين، وكانوا يتوعدون الأوس والخزرج ويهددونهم به، وبأنهم سيؤمنون به، ويتحالفون معه ضدهم.

وقد أشار القرأن إلى هذا المعنى بقوله: وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ. البقرة 89.

فكتب الرسول صلى الله عليه وسلم حالمًا وصل المدينة وثيقة تحالف، وعقدًا اجتماعيًا معهم للمشاركة في العيش الآمن جميعًا، والدفاع عن المدينة جميعًا.

ولكنهم نقضوا العهود، والمواثيق، وحرضوا المشركين، وتعاونوا، وتحالفوا معهم ضد المسلمين، نابذين حلفهم مع المسلمين.. وسنرى في الجزء الثاني إن شاء الله ماذا حصل من أحداث مشينة قام بها اليهود ضد المسلمين.. والجواب الشافي عن السؤال المطروح في عنوان المقالة.. فانتظرونا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد