ذكرنا في الجزء الأول، أن كل ما يجري على مسرح الأحداث، من مشاهد، تجعل الحليم حيرانًا، ليس إلا خداعًا بصريًّا، يسلب الناس عقولهم، وتفكيرهم، ويسحر أبصارهم، كالسحرة الذين يلقون بعصيهم وحبالهم، فيُخيل للمشاهدين، من سحرهم، أنها تسعى!

وهذا الرابط  لمن فاته قراءته: التفسير الصحيح لما يجري على مسرح الأحداث هذه الأيام ج(1)

وفي هذا الجزء نكمل الحديث، ونبين بالدليل القاطع أسرار هذه المشاهد المسرحية.

فكتب الرسول، صلى الله عليه وسلم، حالما وصل إلى المدينة، وثيقة تحالف، وعقدًا اجتماعيًّا معهم، للمشاركة في العيش الآمن جميعًا، والدفاع عن المدينة جميعاً.

ولكنهم نقضوا العهود، والمواثيق، وحرضوا المشركين، وتعاونوا، وتحالفوا معهم ضد المسلمين، نابذين حلفهم مع المسلمين؛ فأخرجهم الله ورسوله والمؤمنين من بيوتهم من المدينة، قبيلة وراء قبيلة، على حسب نقض كل واحدة منها حلفها مع المسلمين، ابتداءً من بني قينقاع، ثم بني النضير، ثم بني قريظة، والذين تجمع بعضهم في خيبر، وبدؤوا يكيدون الدسائس، ويشجعون مشركي قريش، على قتال المسلمين. فطُردوا من خيبر، وأخرجوا من الجزيرة العربية بشكل كامل.

وهنا بدأت قلوب اليهود المتبقين في الجزيرة العربية، تتقد بالحقد، وتتأجج صدورهم بالكراهية للمسلمين، وتشتعل جوانحهم كالمرجل، بحب الانتقام، والثأر لأصحابهم. ولا يخفى أنهم شياطين الإنس في المكر، والخديعة، لا يضاهيهم أي قوم آخر. فظهر رجل منهم أصله من يهود صنعاء في اليمن، يُدعى عبد الله بن سبأ، وكانت أمه حبشية.

فلذلك دعي أيضًا بابن السوداء، أظهر للمسلمين أنه أسلم – وهو كاذب- في زمن الخليفة عثمان بن، عفان رضي الله عنه، وجاء إلى المدينة، وأخذ يعلن معارضته له، ويهجوه، ويؤلب عليه ضعاف الإيمان، ثم خرج إلى مصر وحشد حوله السوقة، وحديثي الإسلام، الذين لم يتمكن الإسلام من التغلغل في قلوبهم، كما خرج إلى العراق، وفعل الشيء نفسه، فجمع خليطًا من الناس، شحنهم بالكراهية، والبغض لعثمان، رضي الله عنه، وحرضهم على قتله. ثم بعد ذلك أصبح من شيعة علي، رضي الله عنه، ومن الغلاة في مولاته، بل وتأليهه!

وكان هو المحرض الرئيسي لإفساد الصلح، الذي تم بين أم المؤمنين عائشة، وعلي، رضي الله عنهما، في وقعة الجمل، فأشعل هو وجماعته، في ليل بهيم، فتنة هوجاء، خرساء، بين جيشهما، أدت إلى استشهاد عشرة آلاف من الصحابة في يوم واحد.

ومن ثم، وضع النواة الأولى لتأسيس ما يسمى الشيعة، الرافضية، والسبئية التي ما تزال تنمو، وتتكاثر، وتتفاخر بعداوتها للإسلام، والمسلمين، ولعن الصحابة، وأمهات المؤمنين، مع تسترها برداء الإسلام.

وإن خمدت السبئية في أزمان عز الإسلام، وقوته، فإن أتباعها بقوا، يحملون في كوامنهم، ذكريات طرد أجدادهم من المدينة، ومن الجزيرة العربية كلها، ويتحينون الفرص، للظهور، والسيطرة، والعلو.

فظهر في القرن التاسع عشر، شخص شبيه بابن السوداء، في مكره، ودهائه، وخبثه، يُدعى هرتزل، إلا أنه يعلن صراحة، أنه يريد تأسيس مملكة لليهود، في أرض فلسطين، لاستعادة أمجاد داود وابنه سليمان، عليهما السلام.

فأخذ بالتواصل مع زعماء اليهود في العالم، وخاصة أوروبا، وأمريكا، ودعاهم إلى عقد المؤتمر الأول للصهيونية في بازل بسوسرا في 29-8-1897، وتأسيس الحركة الصهيونية، للعمل جديًّا على تأسيس الوطن القومي لليهود، بعد خمسين سنة، مع الاستمرار في التواصل مع الحكام، للحصول على دعمهم، عن طريق تقديم الأموال السخية لهم، والتي بدؤوا جمعوها بوسائلهم الخسيسة المعهودة، منذ كانوا في يثرب، وغيرها، بالربا، والاحتيال، والخداع.

ومن ضمن من تواصلوا معه أيضًا، السلطان عبد الحميد الثاني، الذي عرضوا عليه، أموالًا طائلة، لقاء السماح لهم بالسكنى رسميًّا، في فلسطين، لكنه رفض، وأبى.

فكان جزاؤه، أن دبروا له مكيدة، فعزلوه عن العرش في عام 1909. ومن بعدها، أخذ نفوذهم يزداد، ويقوى.

واحتلوا فلسطين في 15 مايو (آذار) 1948، وأنشأوا لهم فيها دولة، أطلقوا عليها اسم نبيهم إسرائيل، عليه السلام، ليس افتخارًا، واعتزازًا بالانتساب إليه، ولكن، لكي تأتيه الشتائم، واللعنات من أهل الأرض، الذين تظاهروا عليهم بالإثم، والعدوان، وأخرجوهم من ديارهم، وشردوهم في بقاع الدنيا المترامية الأطراف.

والآن، بلغوا ذروة علوهم وفسادهم الأول، الذي قضاه الله عليهم:

«وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا» الإسراء 4.

وهنا نصل إلى لب الجواب الشافي، عن أسرار هذه الأحداث الجارية منذ سقوط الاتحاد السوفيتي.

فانطلاقًا من الكراهية الشديدة، والحقد الدفين في نفوس اليهود، وكل من يواليهم من النصارى، والعرب، والفرس، والهنود، والصينيين المتصهينين، ضد الإسلام، والمسلمين.

وانطلاقاً من العلو، والجبروت اليهودي، الذي بلغ ذروته، وهيمن على العالم أجمع، اقتصاديًّا، وسياسيًّا، وأخضع القوى الدولية كلها – بما فيها أمريكا – لسلطته وإرادته، مما مكنه من التحكم فيها كيفما يشاء، وانطلاقاً من تأسيسه، مراكز استشعار الخطر الإسلامي عن بعد، ومراكز الاستخبارات، التي تتجسس على الناس، وتراقب تحركاتهم، وأنشطتهم، وتترصد أي حركة إسلامية، تود أن تظهر، فتعمل مباشرة، على تجييش الإعلام ضدها، ووصفها بالوصف المخيف، المرعب للناس، وهو: الإرهاب، لإجهاضها، وتأليب الناس عليها، وتشويه سمعتها، وتنفير الناس منها.

وبناء على هذه المنطلقات:

فإنه هو الذي يغير المشاهد على المسرح، ويبدلها على حسب المعلومات الواردة إليه، من المراكز الآنفة الذكر، مشابهًا في ذلك، لما كان يفعله قديمًا، قبل ظهور السينما، محرك الدمى، والعرائس المربوطة بخيوط موصولة إلى يديه، وهو يقف وراء الستار، مما يجعل الناس يتخبطون، ويتيهون في ضلال مبين، ولا يدرون ماذا يجري وراء الأستار، ويظنون ما يظهر من تهاوش، وتناحر بين الدول، وخاصة بين إيران وأمريكا، أو إيران والاحتلال الصهيوني، على أنه حقيقة، وما هو بحقيقة، وإنما خداع بصر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد