لست قادرة على أن أكون أنا ما أنا عليه حقًا، عندما أبكي من شيء ما أتذكر كيف أن أمي تبكي وصديقتي تبكي وآخرين أعرفهم، أناسًا عاديين يبكون لمثل ما أبكي عليه، إن هذا الأمر يجعلني أمتنع عن البكاء مؤخرًا؛ لأني لا أريد أن أكون شبيهةً بأحد ما، حتى لو كان عظيمًا، بل حتى لو كان قدوةً لي، ولأني شخصٌ يظن إنه لم يخلق ليكون عاديًا وهو في نفس الوقت لا يتقبل ما هو عليه.

أنا أخلق لنفسي اختلافًا وأطمر نفسي فيه أمام الجميع؛ فقط لكي أكون غير عادية، ولا يشبهني أحد، لا يمكنني أن أتقبل نفسي كما هي، أنا عاجزة عن أن أكون أنا! أريد أن أكون أنا حقًا أنا، ولكن دون أن يشبهني أحد أو شيء. لقد كرهت هذا، وإن كان ما يحدث معي سببًا ليجعلني أكتب فأنا أكره الكتابة لهذا.

يبدو أنني لكي أكتب علي أن أكون حزينة وغير مؤثرة وغير عادية وغير نافعة في شيء آخر غير الكتابة، وأن أكون رافضة لفكرة العيش كشخص سعيد طبيعي وعادي يمتلك أحلامًا عادية يمكنه تحقيقها ويعيش كشخص عادي.

لا أعلم ما المخيف في العادي؟! لماذا نريد أن نكون غير عاديين، بينما نحيا نحن في ظروف عادية أصلًا؟! أشعر أن الله منحني الكتابة، وهمًا يرافقها لكي أكتب عنه، فيقال: إن الكاتب الجيد هو الذي لا يكتب عن السعادة؛ لأن الكاتب هو الشخص الذي لا يعيش حياةً تافهةً ككل الناس، لأنه لو كان سعيدًا وعاديًا لما كتب أساسًا.

 

كما يقال أن الكتابة تداوي من عاش سحقًا مجتمعيًا وحزنًا آسرًا، بينما هي لا تفعل شيء سوى نبش الأفكار من أعماق الأرواح لصياغة العبر ومشاركتها مع الآخرين، وإن الكاتب الذي تنبش أفكاره لا يجب أن يعيش كالآخرين، بل يجب أن يكون مفعمًا بالألم لكي يتحدث عنه، ومفعمًا بالتجارب السيئة لكي يشارك نتائجها ويعظ الناس، ويجب أن يكون بعيدًا عن الرفاهية ومتع الحياة، وأن يكون مجهدًا بالتفكير في كل شيء، خاصةً التفاصيل التي لا يهتم بها أحد.

 

إن تحدث معه شخص أو خاض تجربة أو سمع نقاشًا أو شارك في فعالية أو درس علمًا أو تعلم لغةً أو فعل أي شيء، هامًا كان أو عاديًا، فإنه يجب على هذا الشيء أن يلهمه لكتابة نص. يجب أن تكون له رؤية في كل شيء ويكتب في كافة الأمور التي يهتم بها بحيث يمسي موسوسًا من فوات أي شيء كان من الممكن أن يكتب عنه. يصبح شغوفًا بالإلهام وينتظره ويتقصاه ويتمناه في خلوته، لكي يقال عنه إنه عظيم.

 

لا يوجد كاتبٌ عظيم، الكتاب والمفكرون ليسوا عظماء وإن كان هناك من بينهم أحدٌ عظيم، فهو عظيم في تعاسته ككاتب، وليس عظيمًا كشخص يعيش مثل كل الأشخاص الآخرين غيره، الأشخاص العاديون غير المهووسين بالكتابة والوعي وتقصي الحقائق والعظمة الجائرة على صاحبها.

 

لا يوجد أحد من هؤلاء الكتاب المفوهين يستطيع أن يعيش حياةً عاديةً مع الآخرين، لا يمكنه أن يكون صداقات أو علاقات، سوف يؤذي كل من يقترب منه، ولن يكون سوى جالب للهم على من يهمهم أمره، وستكون صداقته متعبة.

 

لا يمكنه أن يكون إلا أنانيًا، يمكنه أن يستغل الآخرين ويستخدم تجاربهم أو يأخذ مواقفًا معهم ليكتب عنها أو يلحظ بعض الخصال السيئة فيهم ليطرحها كموضوع للنقاش غير مهتم بمشاعر أحد،  فالأهم هو أن يكتب وأن يلهم للكتابة وأن يعيش مع الآخرين كناقد لما يفعلونه حسب قناعاته هو، قناعاته الثقافية التي اكتسبها من كثرة قراءاته وثقافاته التي يترفع بها عن الجميع، بوصفه إله الثقافة الأعظم! الكاتب ليس سوى انتحاري عظيم! صعبٌ أن يعيش بسلام مع نفسه أو مع الآخرين. صعبٌ أن يترك وعاءًا لا يغرف منه، أو شاردًا لا يلهمه الكتابة عنه. صعبٌ أن يكون عاديًا أو يحيا كشخص عادي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

سهم الزمن
شارك 30
علوم
منذ شهر
عن هانا آرنت
شارك 2
ثقافة
منذ 4 شهور