ملحوظة

لم أقصد في هذا المقال الإساءة إلى الصيادلة أو مهنتهم أو مكانتهم وإنما هو رصد لواقع مرير نسجه كثير من الصيادلة علينا أن نعترف به ونواجهه ونحاول حلّه.

حينما يمارس الصيدلي مهنة الطبيب!

إن فصول المأساة تبدأ حين يدخل المريض على الصيدلي يسأله تشخيصًا وعلاجًا لمرضه، يظن المريض الجاهل أن الصيدلي يتقن الطب مثل الطبيب، سيحكي للصيدلي أعراضه وآلامه ويظن أن الصيدلي ساحر ماهر أو منجّم بارع! سيسمع الشكوى ويعطي العلاج الصحيح بلا فحص (فيما يسمى طب الحكايات!). لا يجد الصيدلي بدًّا من الإجابة على المريض السائل؛ فخجله يمنعه من أن يقول: لا أدري، على الرغم من عدم تأهله للتشخيص والفحص، كما أن الدواء الذي سيصفه للمريض سيدر عليه دخلًا زائدًا، إذن كل الطرق النفسية والمادية تدفع الصيدلي دفعًا للإفتاء في حالة المريض فتكون النتيجة الحتمية أن المريض لا يشفى بل تتدهور حالته ويأتينا المريض في النهاية بعد أن ضاعت صحته وأهدر ماله!

خلق الله البشر واصطفى كل واحد منهم بمهنة يحذقها، لا يصح أن ينازع صاحب مهنة أخاه في مهنته؛ فأهل مكّة أدرى بشعابها، وعليك أن تعطي الخبز لخبّازه؛ فهذا تاجر وهذا صانع وهذا مزارع، وكذا هذا طبيب وهذا صيدلي! لا ينبغي للمزارع أن يمتهن الصناعة ولا يجدر بالتاجر أن يفتي في الهندسة، فلماذا يحدث هذا في مهنة الطب التي صارت مستباحة؟! يفتي فيها من لا يحسنها ولم يدرسها، فتجد الصيدلي يفتي في الطب بغير علم!

مع العلم بأن الصيدلي لم يدرس تخصصات الطب في كلّيته فهو غير مؤهل للتشخيص ولا للفحص ولا لكتابة الأشعات والتحاليل، لذلك هو غير مؤهل لكتابة الدواء التي تنبني على معرفة التشخيص.

إن الأحوال المادية المتردية التي يعيشها كثير من أبناء وطننا تدفعهم كثيرًا إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة لتسيير حياتهم ومعاشهم، حتى صار الطب والعلاج خاضعًا لتلك المعايير المؤلمة؛ فلماذا يذهب المريض الفقير إلى الطبيب ويدفع له أجرته ليكتب له علاجًا يصرفه من الصيدلية بعد ذلك؟! سيختصر المريض المُعوز ذاك الطريق الوعر ويذهب للصيدلي ابتداءً ليصف له الدواء في أسرع وقت وبأقل تكلفة، ويظن المريض المسكين أنه حقق المعادلة الصعبة، ولكن الكارثة أن التكلفة الحقيقية ستكون من صحّة المريض الذي ستسوء حالته ويندم حيث لات ساعة مندمٍ!

إذا كان إفتاء الصيدلي في الطب وفروعه جريمة فهناك جريمة أعظم، أغلب الصيادلة في بلادنا لا يعملون في صيدلياتهم وإنما يستأجرون شبانًا وشابات من ذوي المؤهلات المتوسطة وربما العليا التي لا علاقة لها بالطب ولا الصيدلة فيدربونهم على معرفة الأدوية وبيعها، والسر في ذلك بسيط، إنها عمالة رخيصة تؤدي الغرض دون أن يلجأ الصيدلي لتعيين صيادلة سيطالبون بأجور عالية تناسب شهاداتهم! تجد الصيدلي يمتص دم هؤلاء الشبان والشابات ويمنحهم الفتات وهم راضون بحالهم لا يجدون بديلًا ولا متحولًا، ولكنهم مثل معلميهم من الصيادلة يمارسون الطب والتشخيص والوصفات الطبية حتى يظن أحدهم أنه صار طبيبًا!

إن طب العيون من التخصصات التي تحيطها الخطوط الحمراء من كل جانب؛ فلا ينبغي لأي طبيب في تخصص آخر أن يجتهد في أمراض العيون، كل ما عليه حين يأتيه مريض يشتكي من عينه أن يحوله لطبيب العيون بلا أدنى اجتهاد أو فتوى، والسبب في ذلك أن تشخيص أمراض العيون يعتمد اعتمادًا كليًا على الأجهزة التي لا تتوفر إلا في عيادة طبيب العيون ولا يتقن استخدامها إلا طبيب العيون الذي تدرب عليها سنوات طويلة ليغدو مؤهلًا لتلك المهنة الصعبة والدقيقة، وإذا كان طب العيون ممتنعًا الإفتاء فيه من قبل الزملاء الأطباء فالأحرى بالصيدلي ألا ينبس فيه ببنت شفة وإلا وقع في جريمة بحق نفسه وحق المريض الذي لا ذنب له سوى أنه وثق بالصيدلي واستأمنه على عينه!

سأضرب عدة أمثلة تبين خطورة المسألة:

1- جاءني مريض يشكو من ألم واحمرار شديد بعينه، أخبرني أنه استفتى الصيدلي – من يقف بالصيدلية! – فأعطاه قطرة للعين ولكن الأمر تفاقم فجاءني شاكيًا، فَحَصْتُ المريض وتبين لي أنه مصاب بقرحة بقرنية العين، تحوّلت عيناي للقطرة التي استخدمها المريض ففجئت أنها تحوي مادة كورتيزونية وكما هو معلوم الكورتيزون يسبب تفاقم قرح القرنية واشتدادها، هذا يعني أن تلك القطرة سببت زيادة القرحة للمريض! التي ربما تسبب له عتامة دائمة إن لم تتحسن بالعلاج، فنهرت ذلك المريض ونصحته ألا يتناول دواء بغير استشارة طبيب وألا يستشير صيدليًا بعد الآن!

2- أحد الأطباء كتب علاجًا لمريض مصاب بصداع نصفي، فذهب المريض لصرف العلاج من الصيدلية فإذا الصيدلي المتحذلق يحملق في وصفة الطبيب ويسأل المريض عن تشخيصه فيجيبه بأنه مصاب بالصداع، فيقول الصيدلي له وقد وضع قبّعة الخبير: إن هذا الدواء لعلاج الصرع فكيف كتبه لك هذا الطبيب؟! فيصدم المريض المسكين ويفرّ هاربًا صابًّا لعناته على طبيبه المظلوم، فلا يعلم هذا المريض المخدوع ولا الصيدلي المتشدق أن هنالك أدوية متعددة الوظائف كما تعالج الصرع تمنع الصداع النصفي!

إن كارثة التشخيص ووصف العلاج لا تقف بالصيدلي عند هذا الحد، فأنا أعلم صيدليات في بعض المناطق العشوائية يقوم أصحابها بمهنة الجراحة وهم ليسوا جراحين! يتهافت عليهم المرضى الجهلاء بلا وعي ولا فهم، ولا تسأل هنا عن ترخيص طبي أو رقابة الدولة فالمسئولون لهم اهتمامات أكثر أهمية من ملاحقة هؤلاء!

حتى مهمة وصف البدائل الدوائية للمريض لم تخل من العبث، فعلى الرغم من أن تلك وظيفة الصيدلي كثير من الصيادلة وعمالهم يصفون بدائل خاطئة للمرضى فيأتينا المرضى وقد ساءت حالتهم، والسبب واضح، صيدلي أعطى بديلًا خاطئًا ليحقق أكبر قدر من الربح على حساب صحة المريض!

هناك صيدليات تتعاقد مع الأطباء ليحولوا إليها مرضاهم فيأخذ الطبيب نسبة من الربح مكافأة له! إن هذا العمل لا يليق بالطبيب ولا بالصيدلي ولا بمهمتهما السامية التي تحولت لتجارة لا أخلاق فيها!

أخيرًا، أيها الصيدلي، إرضاءً لله وإرضاءً لضميرك الإنساني عليك أن تلتزم بحدود وظيفتك وأن تدرك أنك غير مؤهل لممارسة الطب؛ فهذا ليس عيبًا؛ فأنت لم تخلق لذلك كما أن الطبيب غير مؤهل لعمل التركيبات الدوائية، الطبيب لا يتطفل على ما ليس من وظيفته وأنت كذلك عليك أن تحترم تخصصك لأن الخاسر في النهاية هو المريض المسكين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد