عدد كبير من شباب وشابات إفريقيا جنوب الصحراء، من السينغال، مالي، كونغو، غمبيا.. وغيرها، يحلمون بتغيير قدرهم، فيقررون الهجرة نحو الخلاص، نحو مستقبل مليء بالتساؤلات، ورحلة بحرية مليئة بالمخاطر، كل ذلك في سبيل تحقيق الأحلام، وتحصين الأمان وكسب لقمة العيش. يختار المهاجرون الأفارقة الذين أصبحوا يملأون المغرب الهجرة إما لهذا البلد، أو يتخذونه سبيلا نحو بلد آخر.

منهم من ضاع وسط أمواج البحر، ومنهم من وصل إلى بلد الأحلام (أوروبا) منهم من رحّل إلى بلده، ومنهم من استقر ببلد العبور المغرب خوفا من إكمال الرحلة، وتقبلا للواقع بهدف الاستقرار.

وبعيدا عن أولئك الذين اختاروا العيش على التسول ومساعدات الجمعيات، هناك من اختار العمل لتحصين لقمة العيش وكسب ماء الوجه.

فماذا يعمل المهاجر الإفريقي عندما يقرر الاستقرار بالمغرب؟

اعتماد القدرات الشخصية

عديد من المهاجرين الأفارقة الذين جربوا التسول قبل اتخاذ قرار البحث عن عمل يكسبهم قوت يومهم وثمن أجرة مكان إقامتهم، يعتمدون على مهاراتهم وقدراتهم الشخصية، خاصة وأن تواجدهم بهذا البلد تواجد غير شرعي وغير قانوني. لذا، تجدهم يلجأون إلى العمل اليومي أي العمل بالراتب اليومي دون الحاجة إلى الأوراق ودون الاستفادة من أي مميزات.

ولأن أغلبية المهاجرين الأفارقة بالمغرب تجدونهم ذوي بنية جسدية قوية خاصة الرجال، تجدهم في أشغال البناء أو في الأسواق يحملون الأغراض وحتى لدى بعض الشركات والمقاولات حيث يتم الاعتماد عليم لتحميل المواد في الشاحنات، وذلك مقابل مبلغ بسيط في اليوم مقابل دراهم تسد حاجة أيام قيلة، وكلما انتهى عمل أحدهم يبحث عن عمل آخر مشابه. يقول دانييل 25 سنة: “لقد اشتغلت في البناء بمدينة فاس، لكنه عمل لا يدوم فور ما ينتهي العمل أعود إلى التسول من جديد، أنتظر ما تقوم به بعض الجمعيات التي تقدم لنا بعض المواد الغذائية، الأغطية والألبسة وأنتظر في مفترقات الطرق الرئيسة للمدينة أتجمع رفقة أصدقائي، نتملق المارة طالبين أي عمل وبأي ثمن”.

وهناك من تجدهم يشتغل في صالونات الحلاقة البسيطة، الخاصة بالرجال يعملون طيلة اليوم مقابل يومية من الدراهم القلية.

أما عن النساء فطبيعة الأعمال التي تشتغلها مغايرة، فتجدهم في مكان يسمى بـ “الموقف” حيث تقف النساء وتأتي ربات المنزل لتختار إحداهن من أجل الأشغال المنزلية، عمل لا يتعدى اليوم وأجرته لا بأس بها.

اقتحام ميدان التجارة

في الأسواق الشعبية والمناطق العتيقة بمختلف المدن المغربية سواء بباب مراكش بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، أو باب الحد بالعاصمة الإدارية الرباط أو ساحة جامع الفنا بالمدينة الحمراء مراكش.

تجد المهاجرين من جنوب الصحراء نساءً ورجالا، يعتمدون على تجارة شخصية صغيرة تتميز بالطابع الإفريقي. لا تتطلب سوى مكنة صغيرة على الرصيف لتجذب المارة.

فالرجال مثلا يقومون بإصلاح الأواني الإلكترونية، وبعضهم تجده وراء طاولة صغيرة لإصلاح الأحذية المتلفة.

كما تجد البعض يقوم بإعداد بعض الأكلات الشعبية والسندويتشات الخفيفة في الأزقة وعلى أرصفة الأسواق، وبيعها لذوي الدكاكين هناك أو المارة؛ وهو ما اختار القيام به ماليك ذي 29 سنة: “بعدما شاهدت أصدقائي يغرقون في عرض البحر وبعد الصعوبات التي واجهتني للوصول للمغرب لم أستطع المجازفة وإكمال رحلتي لأوروبا، لذلك قررت الاكتفاء بما وصلت إليه والاستقرار بهذا البلد، عشت على التسول مدة طويلة وتنقلت بين مدن عديدة، قبل أن أقرر الاستقرار بالدار البيضاء، التقيت بمجموعة من الأصدقاء هنا وصرنا نعيش سويا وفي يوم قررنا أن نقوم بعمل ثابت نوعا ما، يكسبنا ثمن أجرة البيت الذي نسكنه وطعامنا، نقوم بقلي الحوت وإعداد سندويتشات خفيفة من الطماطم والبصل واللحم المدخن والجبن وبعض الخضر أو نقوم بإعداد (أمليط) من البطاطس والبيض، هو عمل يكسبنا بعض الدراهم القلية التي تسد حاجياتنا الشهرية”.

122815_1220_2.jpg

 

أما بالنسبة للنساء منهم، فتجدهم ينادون المارة من أجل تسريح شعرهم بتسريحة الراسطا وهي أكثر التسريحات شهرة بإفريقيا يعتمدها النساء والرجال، كما يقومون بطلاء الأظافر وإلصاقها للمارة من النساء وحتى إلصاق الرموش وخصلات الشعر. وفي مناطق أخرى تجدهم يبيعون الحلي ومواد التجميل.

122815_1220_3.jpg

وعدد من هؤلاء المهاجرين يختارون الاستقرار بالمغرب ويؤسسون حياتهم على هذا الأساس، فتجدهم متزوجين من بعض ولهم عملهم الخاص، يبيعون الأعشاب الطبية والمواد التي تستخدم في مواد التجميل أو ترطيب البشر والشعر يستوردونها من منطقتهم، ومنهم من يبيع الأثواب والحلي وحتى الأثاث والديكورات المنزلية.

تحصيل مهاجرين من جنوب الصحراء لبطاقة الإقامة

تحصيل مهاجرين من جنوب الصحراء لبطاقة الإقامة

من بلد العبور إلى بلد الإقامة هكذا أصبح المغرب خلال السنوات الماضية، فبعدما كان للعديد من المهاجرين من جنوب الصحراء جسر عبور نحو الفردوس الأوروبي، أصبح اليوم لهم بلدًا للاستقرار. ولأن عددهم أصبح يزداد من سنة إلى أخرى، أصبح المغرب يبحث في إشكالية هجرة الأفارقة، بشكل متطور يتماشى مع ارتفاع وتيرة الهجرة السرية التي أصبح يعاني منها المغرب. وعلى هذا المنوال يعمل المغرب من ملكه وحكومته ومنظماته وجمعياته، على تسوية أوضاع المهاجرين السريين المقيمين بالممكلة المغربية في سبيل إعادة إدماج هؤلاء المهاجرين وتمكينهم من حقوقهم الإنسانية سواء في العيش، الصحة، التعليم أو العمل.

فخلال السنة الماضية تم تسوية وضعية 1800 مهاجر سري من بين 21 ألف طلب ورد للحكومة، وهو العدد الذي من المتوقع أن يرتفع خلال هذه السنة بسبب عمل المغرب على تسوية أوضاع هذه الفئة التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من المجتمع المغربي.

هذه الفئة التي استطاعت تحصيل بطاقة الإقامة، أصبحت تعيش بشكل قانوني يحمي حقها بالمغرب ويخولها الحصول على عمل بمميزاته وضماناته الاجتماعية.

إذ يشتغل العديد ممَن حصل بطاقة الإقامة بمراكز نداء بمرتب شهري جيد، أو حتى ببعض الشركات الخاصة، ومن النساء من يشتغل مربية أطفال لدى عائلات مرموقة مقابل مرتب شهري وعطل أسبوعية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد