مع بداية تسعينيات القرن الماضي، مرت الجزائر بمرحلة صعبة ومعقدة للغاية، بعد توقيف المسار الانتخابي، وسطوة العسكر على اختيار الشعب الجزائري، في انتخابات شهد بنزاهتها العدو قبل الصديق، اشتعلت بعدها نار الفتنة، وقتل الإرهاب الدموي أكثر من ربع مليون جزائري جلهم لا يعرف من قتله ولم قتل!

دمرت المنشآت التحتية، وأحرقت المدارس والمساكن، ولم تنج حتى المساجد والمستشفيات من أيادي المجرمين الدمويين، وجيء بالمرحوم «محمد بوضياف» و«عين» رئيسًا للدولة من طرف العصبة الحاكمة من دون أن يُستفتى الشعب الجزائري في رئيسهم القادم من المغرب الشقيق بعد غياب طويل.

وفي أول خطوة له، اختار الزج بآلاف الجزائريين في المعتقلات، بعد أن نُسبت لهم تهم خطيرة ظلما وبهتانا، لم يحاكموا عليها إلى اليوم، وبعد مائة يوم من الحكم بالتمام والكمال، تم اغتياله من طرف القيادات السابقة التي أتت به إلى سدة الحكم، حينما أحست بالخطر قادمًا إليها، وأن دورها في التصفية مبرمج في أجندة الرئيس المغتال.

وعم الدمار أرجاء البلاد، وانهار الاقتصاد، واستغل الانتهازيون الفرصة لاختلاس أموال الشعب، وأصبحت الدولة على حافة الإفلاس، ولم يجد آنذاك المحللون السياسيون إجابات شافية لما يحدث في الجزائر وكان أبرز تلك الأسئلة، من يقتل من؟

ومرت تلك الحقبة السوداء، ولملم الجزائريون جراحهم ودفنوا موتاهم، وتم تمرير قانون لمصالحة وطنية عرجاء، لم يعرف فيها الجلاد من الضحية، وطمست آثار الجرائم الشنيعة التي اقترفت في حق الشعب، ومنع أهالي الضحايا والجمعيات الحقوقية من تقصي الحقائق، وتم التقنين لتجريم البحث والتحري عن أسباب المأساة الوطنية، فطوي الملف نهائيا.

وعادت الدولة إلى نقطة الصفر، فتم التمهيد لانتخابات رئاسية مسبقة، بعد إقالة الرئيس السابق «اليامين زروال»، وكانت بحق « كرنفالًا» لم يسبق له أن حدث حتى في دولة «اللوزوطو».

نجح «بوتفليقة» في سباق الرئاسيات الذي شارك فيه وحيدا، بعدما انسحب «الفرسان الستة»، وكانت له (الغلبة!)، ومرت السنون والعهدة تنطح العهدة، وعم الأمن وانتعش الاقتصاد بعد الارتفاع الجنوني للبترول، وملئت الخزائن عن آخرها، واستبشر الشعب الجزائري خيرا بمجيء الرئيس بوتفليقة، الذي كان الجميع يظن أنه امتداد للراحل «هواري بومدين» رحمه الله، وبدأ بفتح الورشات التي لم تنته حتى اليوم، ولعل أهم ورشة كثر فيها اللغط وفتحت من خلالها تحقيقات لم تر نتائجها النور، هو الطريق السيار «شرق غرب»، أو كما كان يسمى «مشروع القرن» الذي أصبح يطلق عليه فيما بعد «فضيحة القرن»، حيث التهم نحو عشرين مليون دولار في طريق ثلثه مهترئ، بشهادة وزير الأشغال العمومية الأسبق، الذي تمت تنحيته لفضحه هذا القطاع الذي تدوال عليه المختلسون واللصوص لسنوات عديدة.

وبدأت الفضائح تطفو على السطح، الفضيحة تلو الأخرى، بداية من الخليفة، ذلك «الولد الذهبي»، الذي تم الزج به في غيابات السجن من دون أن تسترجع ملايير الدولارات التي ضاعت وبددت، وقدمت هدايا لممثلين فرنسيين ومسؤولين كبار، مرورا بمسلسل سوناطراك الذي ما زلنا ننتظر آخر حلقاته، وقضية وزير الطاقة السابق شكيب خليل الذي، عوضا عن أن يلجأ إلى القضاء، اختار الزوايا، بإيعاز من محيط الرئيس، لتبرئة ذمته من التهم الثقيلة التي وجهت له.

وها نحن اليوم نسمع عن فضائح من نوع آخر، أو ما يسمى بـ«بنما بيبرز» التي ذكر من خلالها بعض الوزراء السابقون والحاليون وذكر معهم حتى أبنائهم وزوجاتهم، ولسنا ندري ما يخفيه لنا المستقبل من فضائح مدوية، أبطالها قد لا تخطر أسماؤهم على بال أحد، كنا نراهم بالأمس حماة للوطن، فإذا بهم مصاصون لدماء الشعب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد