ذات يوم جاءتني فكرة مقال جديد عن بعض الأفلام الدرامية المحببة إلى قلبي، كنت متعمدة ذلك الابتعاد عن الموضوعات السياسة أو الاجتماعية التي غالبًا ما أكتب عنها، فبعدما أطرب أهالينا الشجعان قلبي؛ برفعهم لأعلام المملكة العربية السعودية، وأحذية الجيش فوق رؤوسهم، في احتفالات عيد تحرير سيناء، وقد قررت أن سياسة هذا البلد أصبحت أقل من أن «أحرق أعصابي» وأنا أتابعها، أو أن أضيع وقتي وأنا أكتب عنها، فلتذهب السياسة إلى الجحيم، فالأفلام أفضل بالتأكيد!

وبالفعل كتبت المقال، وفتحت الملف الخاص به في اليوم التالي؛ من أجل تصحيح بعض الأخطاء اللغوية والنحوية، كما أفعل في المعتاد،.ولكن حظي السيئ جعلني أفتح قبلها مواقع التواصل الاجتماعي في تلك الجمعة «المشئومة»، الموافقة للتاسع والعشرين من أبريل، لابد من حفظ هذا التاريخ جيدًا، لربما احتجنا إليه في المستقبل لرثاء إنسانيتنا وآدميتنا.

حلب تحترق! هذا هو العنوان الرئيس الذي غزا كل مواقع الأخبار والتواصل الاجتماعي، والذي أطلق كـ«هاشتاج» مع صورة حمراء؛ إذ ربما نلفت انتباه العالم أن هناك من يُبادون في هذا العالم، وأنتم صامتون!

ثم انهالت علي صور، أقل ما يُقال عنها «إنها لا تُحتمل»، الدمار، والأطفال المحترقة، والمساجد المهدمة، التي تُعلق فيها صلاة الجمعة لأول مرة منذ دخلها الإسلام منذ 14 قرنًا، ثم ذلك الطفل الجريح الذي يبكي أخاه الميت، قائلًا له «ياريتني مت، وأنت لا يا أخي»، ثم ذاك الشيح الهرِمَ الذي يبكي فوق أطلال منزله، ويصرخ قائلًا «وينكم يا عرب! عم ننباد هون»، ثم ذلك الأب الذي يجري، تحت القصف؛ لكي ينقذ ابنته من تحت ركام أحد المنازل، ليجدها ميتة، ثم ذلك المنشور الذي كتبه سوري آخر قائلًافيه «وفي يوم ما تخلص الحرب عنا راح بنسيجها بسياج دوار، ونكتب على بابه ممنوع الدخول»، راح نفرح لوحدنا، ونحزن لوحدنا، راح نبني الصور بيد، وباليد التانية بنكتب يلعن روح العروبة والأمة، يلعن روح كل العالم، ويلعن روحك بشار، وحافظ، ويلعن روحكن ياللي نضرتولنا واحنا عم بنموت وضلتن ساكتين».

رحت أطالع كل هذا، وأنا مندهشة، ولا أعلم ما أقول، ولا أدري؛ إن كانت هذه الدموع التي انسابت رغما عني، سوف تفيد هؤلاء في شيء، ولكن عندما فتحت الملف الخاص بمقالي، أحسست بمدي سخافتي وأنانيتي؛ أي أفلام درامية هذه، مهما بلغت روعة قصتها، وبراعة أداء ممثليها، تقارن بتلك المأساة، التي نحيياها، إذا كانت قائمة الأفلام التي ذكرتها في مقالي، منها أفلام بُنيت عن أحداث حقيقية لأشخاص عانوا من الظلم أو الحرب، فمن سوف يحكي قصة سوريا؟ ما هو نوع العمل الذي سوف نشاهده في المستقبل يحكي عن جراح هذا الشعب التي لا تلتئم؟ حتى، وإذا شاهدنا هذا العمل، هل سيكون بواقعية الوجع الذي نراه الآن؟

صناع السينما ـ غالبًا ـ يعرفون كيف يجعلونك تتعاطف مع بطلهم، مهما كان هناك من مصائب أخرى تستحق الشفقة في العمل، وأشهر مثال هو فيلم «Titanic»؛ فهم جعلونا نبكي ـ فقط ـ على البطل والبطلة، متناسين أن اكثر من ألف شخص ماتوا غيرهم، بينهم شيوخ وأطفال! هم هنا جاءوا بشخصية فقيرة مغمورة على السفينة؛ ليجعلوا منها بطلة حكاية الحب والتضحية الأسطورية، والشخصية بالمناسبة – كما صورها لنا العمل-  تستحق كل الحب والتعاطف الذي منحهم إياه المشاهد، فهي تعتبر أكثر شخصيات العمل وفاء وشجاعة وإيثارًا.

ماذا إذا كان كل أفراد الحكاية السورية يستحقون دور البطولة؟ كم مسلسلٍ وفيلم سينمائي، سوف يغطي هذا الكم من التضحيات التي نراها؟ هل نبدأ بقصص الشهداء، أو بحكايات المعتقلين المنسيين في سجون الأسد الرهيبة؟ أم نبدأ بمضايا وأهلها، الذين اضطروا لأكل قطط الشوارع، وطهي ورق الشجر؟ ما رأيكم بمخيمات اللاجئين السورية في لبنان والأردن؟ ما رأيكم بقصص الأطفال العاملين هناك؛ ليتمكنوا من إعالة أسرهم؟ أم أن حكاية مخيم اليرموك تصلح أكثر؟ أم نبدأ القصة من ذلك الطفل السوري اللاجئ لمصر، الذي اجبرته معلمته في المدرسة على التحدث باللهجة المصرية، وكيف أنه أجابها قائلًا« لما نرجع على الشام وتقوم حرب في بلدكم وتيجوا لعننا، ما راح خليكي تحكي معنا إلا بلهجة بلدك»، أم نبدأ الفيلم بمشهد تلك الصحفية المجرية التي كانت تعرقل اللاجئين أثناء عبورهم للحدود الصربية؛ حتى تتمكن الشرطة المجرية من القبض عليهم؟ أم صورة «إيلان» الغارق على إحدى الشواطئ التركية، تصلح أكثر؟

منذ فترة قليلة كان هناك «event»، منتشر على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، يتحدث عن أول الأشياء التي سيفعلها السوريون عند رجوعهم لبلادهم، بعد انتصار الثورة ، وكان هناك تلك الفتاة التي كتبت «راح دور على قبر أمي، وابني بيتي، هونيك مشان أضل جمبها، احكيلها كل يوم على الحرب، واللي عملته فينا»، ومنهم هذا الشاب الذي قال« راح ارجع على ركام بيوت شارعنا؛ ابوسه شبر شبر، بلكي جثة اخي بتكون تحت أي شبر منهم».

هذه كلمات تصلح لصنع عشرات الروايات ومئات الأعمال الدرامية، هل قصة هذه الفتاة وهذا الشاب ستكون هي المدخل للعمل المنشود؟

كم من المشاهد علينا أن نذكرها! وكم من مشاهد خفية بالتأكيد سوف ننساها! كم من سوري يستحق دور البطولة في أسمى معاني العزة والكرامة والنضال! وكم من مجزرة بقيت حتي يشبع بشار دمًا! وكم من مأساة أخرى ينتظرها مؤيدونه؛ حتى يتأكدوا من خسة وسادية النظام الذي يهتفون بحياته! كم تبقى من أطفال سوريا؛ حتى يستقيظ  ذلك العالم الذي انتفض بكل حكوماته ومنظماته عند هجمات باريس وتفجيرات بروكسل؟

في النهاية لا يسعنا إلا أن نتمني نفس أمنية ذاك الطفل ذي الثلاثة أعوام الذي قال قبل وفاته «سأخبر الله بكل شيء»؛ فهو الحكم العدل الذي لن يظلمنا أبدًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

بشار, حلب, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد