هناك أمم تتعرض للحروب والمهالك والأزمات الاقتصادية، ونظن أنها جثة هامدة لن تبعث من جديد، وأنها أمة أعيتها الحروب وأصابتها المهالك والأزمات بالعرج فلن تنهض بعد كساحها. ولكن الإيمان بالعمل والعلم وتأثيرهما في النهضة يمكن أن يقلب الموازين رأسًا على عقب، فالأمم العاملة لن تهتم بما تواجه من معوقات في حياتها، ولن تركز على زلاتها معتقدة بأنه لا أمل في التقدم، ولن ترثي لحالها كثيرًا، ولن تظن أنه من الصعب عليها النهوض. بل كل ما ستفكر به هو العمل من أجل التقدم. لأن العمل والعلم هما طريق نجاتها وخلاصها من التخلف. وهما في الحقيقة جوهر الإيمان.

ولكن في عالمنا العربى أرى شعوبًا أنعم الله عليها بالثروات الوفيرة ومع ذلك لا تنهض، هم في رقود تام، ربما البعض يستريح من إنهاك الاستعمار له! ولكن متى يغيب الكسل وهذا السكون الأشبه بالموت وتحل شمس التقدم؟! متى نفيق من غفلتنا؟ هناك مجموعة من الدول التي أبت التخلف وأرادت لها مقعدًا في الصفوف الأولى على الرغم من الصعوبات التي واجهتها مؤمنة بأن العمل سبيل الرقي.

سنغافورة: من جزيرة مليئة بالمشاكل إلى واحدة من أغنى الدول في العالم. كيف حدث التحول؟ في عام 1965 قررت ماليزيا التخلي عن سنغافورة التي كانت جزءًا منها. فقد وجهت ماليزيا صفعة كبيرة لهذا البلد الصغير، وهو ما أحزن الرئيس السنغافوري (لي كوان يو) الذي بكى على التلفاز. وصرح بأنه كان يؤمن باندماج البلدين. وكتب صحفي بريطاني أن الاقتصاد السنغافوري سينهار إذا ما تم إغلاق القواعد البريطانية في سنغافورة التي تفوق تكلفتها 100 مليون جنيه إسترليني. وحدث بالفعل. وكان يتحتم على سنغافورة البدء من الصفر مع انعدام الموارد. فالشعب السنغافوري لا يمتلك أي موارد على الإطلاق. فهو يستورد الرمال لبناء المنازل، ويستورد ماء الشرب من ماليزيا.

وكانت سنغافورة بلدًا مليئة بالقاذورات وكان (لي كوان يو) يشتكي من أخلاقيات الشعب وأنهم يبصقون في الشوارع ويرمون القاذورات بها. كانت سنغافورة تنضح بالفقر والجهل والعشوائيات، ولكن بالعمل استطاعت النهوض حيث فكر (لي كوان يو) في إقامة اقتصاد عالمي، وذلك عن طريق ترحيبه بالشركات العالمية للاستثمار في سنغافورة. وألغى الرسوم على الواردات لتتدفق التجارة، وبذلك استطاع إقامة اقتصاد عالمي. فمحور التقدم في سنغافورة هو القطاع الخاص وحرية التجارة والانفتاح على العالم وترحيب سنغافورة بدخول الخبرة الأجنبية. وفهمت الحكومة أن وظيفتها التيسير في شتى الأمور في التحولات البنكية وإجراء الصفقات وغيره. فهي لا تتبع الروتين فهو قاتل العزائم كما أنها لا تعقد الأمور، فالتعقيد يطرح الأفكار المستنيرة أرضًا. ومواني سنغافورة أكثر المواني ازدحامًا في العالم لعدم وجود جمارك على البضائع كما أن عملية تفريغ السفن تأخذ بضع ساعات. ومن سهولة الإجراءات تتعامل البلدان مع سنغافورة في التجارة. وتتميز سنغافورة بأنها من أقل البلاد تلوثًا وحرصًا على النظافة. فقامت سنغافورة بوضع غرامات لكل شيء، فإذا بصقت في الشارع أو مسست الممتلكات العامة بسوء فستدفع غرامة حتى إن كنت أجنبيًا. فالقانون هو القانون يطبق على الجميع بما فيهم الوزير والسياسي والأجانب، فجواز السفر الأمريكي مثلًا لن يعفي أحدًا من القوانين في سنغافورة.

ففي التسعينيات قام شاب أمريكي بإلحاق ضرر بالممتلكات العامة بسنغافورة فحكم عليه بالسجن أربعة أشهر وجلده ست جلدات وتغريمه. وعندما حاول الرئيس الأمريكي التدخل رفض السنغافوريون بشدة معللين بأن القوانين تسري على الجميع. لم يكن لدى (لي كوان يو)  الدولارات ولا الإمكانيات، فسنغافورة شحيحة في الموارد بل ما كان لديه هو الإدارة الحكيمة والشعب العامل الذي تملكته الهمة لينهض ببلده وأيضًا العدل وتطبيق القوانين على الجميع والقضاء على المحسوبية والرشوة. وكذلك القوانين الصارمة التي تلزم الجميع بالالتزامات الأخلاقية. فاللبان – مثلًا – ممنوع في سنغافورة نظرًا للتكلفة الباهظة التي يجب على الدولة تحملها من أجل إزالة العلكات بالشوارع.فالبلد تحرص على النظافة كما أنها تغرم أي شخص يحاول عدم الالتزام بالقوانين.

والآن سنغافورة إحدى أغنى دول العالم ودخل الفرد من أعلى الدخول بالعالم ومعدل البطالة من أشد معدلات البطالة انخفاضًا. سر تقدم سنغافورة هو الإرادة والعمل والالتزام وكما قال فيليب يو، مستشار القسم الاقتصادى بمكتب رئيس الوزراء، في إحدى الوثائقيات التي كانت تتحدث عن نهضة هذا البلد: المهم ليس أن يملأنا الهم بل أن نتأقلم! لم يقض السنغافوريون حياتهم في البكاء على انفصالهم بماليزيا وشح مواردهم بل تأقلموا.

ماليزيا: ماليزيا – يابان العالم الإسلامي – استطاعت أن تشهد نهضة كبيرة في جميع المجالات. اهتمت بالقيم الأخلاقية والعدالة الاجتماعية، ووجهت اهتمامًا بالغًا للتعليم باعتباره الركيزة الأساسية للتنمية في كل المجالات. وسر تقدم التعليم في ماليزيا هو سياسة الدولة التي تجعل من التعليم أولوية. هناك الطاقات البشرية التي تتميز بالكفاءة العالية من مسؤولين أكاديميين وأساتذة ومحاضرين يرسلون الطلاب في بعثات للخارج، والطلبة الذين استفادوا من الدراسة بالخارج يعودون للعمل في ماليزيا.

يهتم الماليزيون بأحدث طرق التدريس، فاهتموا بالتدريس بالحاسوب وتم إدخال الحاسب الآلي وشبكة الإنترنت في كل فصل، وكل ذلك ممول من وزارة التربية والتعليم. لا تقتصر تلك الوسائل التعليمية على المدن فقط بل تم الاهتمام بطلاب الأرياف. تعطي المدارس دروسًا خاصة للتلاميذ الذين يعانون من صعوبة في التحصيل مؤمنة بأنها تستطيع أن تخرج طاقات بشرية كامنة وأنه يجب إعطاء فرص لهؤلاء الذين يعانون من صعوبات للتعلم فربما خرج منهم عالم أو وزير.

إنهم مؤمنون بقدرتهم على صناعة الأفضل حتى وإن بدا الوضع غير ذلك. وأنشأت المدارس الذكية لحسن استعمال التقنيات الحديثة كما اهتموا بالنشأة الدينية، ففي المدارس يوجد فصول لتعليم الصغار وكذلك كبار السن الفقه والتجويد والقرآن. فالجو الإسلامي يغطي البيئة التعليمية وذلك لا يتعارض البتة مع التفوق الدراسي ونهضة التعليم. وما يحزنني هو عدم الاهتمام بمادة التربية الدينية في بعض البلدان العربية، فالتركيز يكمن في المادة العلمية فقط.

وبالنسبة لعدد الوافدين فإنه يتزايد في ماليزيا باستمرار نظرًا لجودة التعليم فيها وانخفاض تكلفته. تهتم الجامعات بالجودة أكثر من الكم كما أنها تهتم بالبحث العلمي حيث توجد جامعات متخصصة فقط للأبحاث العلمية كما تهتم الجامعة بتحلي الطالب بقيم الريادة والمواطنة وتشجيعه على ممارسة الرياضة. تهتم ماليزيا بالتعليم وتنمية الشعور الديني بالإضافة إلى اهتمامها بالتربية الوطنية مؤمنة بأن روح الوطنية والأخلاق الكريمة هي ما يخلق مواطنًا صالحًا. ماليزيا آمنت بأن النهضة الشاملة ترتكز على محورين: العمل بالمبادئ الإسلامية والقيم الأخلاقية والتعليم. أما بالنسبة للوضع الاقتصادي فمعدلات الفقر في ماليزيا انخفضت بشكل كبير وذلك بفضل مجهودات الرئيس الماليزي (مهاتير محمد) الذي اهتم ببناء الطرق السريعة والجسور والكباري وبالتالي جذب الاستثمار. وهناك استثمارات ضخمة في التعليم والمنح والجامعات والمدارس باعتبار التعليم هو أساس التنمية.

الصين: كان 30 بالمائة من سكانها تحت خط الفقر ولكن كيف حدث التحول؟ بدأت الصين في إصلاحاتها الاقتصادية منذ عام 1978 حيث كان سبب نهضتها الكبرى هي التجارة. وتلك النهضة التجارية تحققت بفضل العمل الدائم للشعب الصيني وتنشيطه للسوق الحر وأيضًا العمل بالتجارة الإلكترونية التي مثلت الاقتصاد الصيني الجديد. أطلق موقع (تاو باو) حملته الترويجية التي تعرف باسم (الحادي عشر من ديسمبر) في عام 2009م، وحققت أرقامًا قياسية في التسوق العالمي عبر الإنترنت. و(تاو باو) التابع لمجموعة (علي بابا) – أكبر شركة للتجارة الإلكترونية بالصين والتي أنشأها مايون – هو الموقع الأكبر في أسياد التجارة عبر الإنترنت.

وأنشأ (تاو باو) عام 2003م ولم يكن أحد متفائلًا به، ولكن الصينيين أدركوا أنه من المهم تنمية السوق بدلًا من جني الأرباح لذلك جربوا النماذج المجانية في البداية، وأسلوب الصفقات الآمنة حيث يأتمن المشترون أموالهم على إحدى منصات الدفع والتي تدفع للبائعين بعد رضا المشتريين وهكذا تفوق (تاو باو) على مواقع التجارة بالتجزئة الإلكترونية. وأنشأ الموقع متجرًا له في قرية فقيرة في الصين لتسويق الأثاث البسيط. وبدأ جميع من في القرية يعمل، فارتفع دخلهم وعاشوا حياة أفضل.

وفر الموقع وظائف عديدة لمن يعمل بالتصوير من أجل تصوير السلع ولمن يعمل بعرض الأزياء والتوصيل السريع وبالتالي وفر الموقع فرص عمل للجميع. وفى عام 2016م تفوقت مجموعة (علي بابا) على متجر وولمارت الأمريكي لتفوق الصين بما بنته خلال فترة صغيرة لا تتجاوز الأربعين عامًا ما بنته أمريكا في تاريخها كله. التجارة الإلكترونية بالصين هي الاقتصاد الصيني الجديد. كما أن الصين اهتمت بالبنية التحتية فتصدر سندات في البنك لتمويل البنية التحتية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي والسوق الحر الذي تنميه المبادرة الفردية، وأيضًا جذب الشركات الأجنبية لبناء المصانع واستغلال الأيدي العاملة الرخيصة. يزداد احتياط الصين من النقد الأجنبي لتصبح أكبر مصدر وثاني أكبر مستورد بالعالم. كما نفذت الصين الكثير من المشروعات الضخمة مثل نفق مضيق برينغ لإيصال روسيا بالولايات المتحدة تحت الماء. كما أنشأت أكبر محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية بالعالم بالإضافة لامتلاكها ثلاثة مفاعلات نووية لتوليد الكهرباء، فالصين تتصدر العالم في إنتاج الطاقة المتجددة.

هذه هي الصين الجديدة التي لا يكل شعبها عن العمل والإنتاج والابتكار. هذه هي الصين التي ينزعج الغرب من اقتحامها للسوق العالمي. لم يتوقعوها فصدمتهم! والصدمة الأكبر للغرب التي يمكن أن تنتهي بشلل رعاشي لكيانهم هي اتحاد العرب ونهضتهم. متى يحين ذلك؟ الله أعلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك