«أيها الملك! كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف».

هكذا وصف الصحابي جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- حال العرب قبل الإسلام، حينما كان الخلاف بين القبائل العربية على أشده، واندلعت حروبٌ داميةٌ فيما بينهم لأتفه الأسباب، مثل حرب البسوس التي دامت أربعين سنةً سببها ناقة! هكذا الحال إلى أن جاءهم النبي محمد ابن عبد الله –صلى الله عليه وسلم- هدىً من عند الله تعالى، فآخى بين القبائل المتناحرة، ثم جمعهم ليصيروا أمةً واحدةً لا فرق فيهم بين عبدٍ وسيدٍ، ولا أبيضٍ وأسود، ولا عجمٍ وعربٍ إلا بالتقوى.

وعلى هذا الأساس أصبحت شبه الجزيرة العربية مجتمعةً على كلمةٍ واحدة هي الإسلام، ثم صارت إمبراطوريةً متنامية الأطراف في بضع سنين، فما كان للعرب يومًا أن يحلموا بهزيمة الفرس ولا بطرد الروم من دمشق، إلى أن وُحِدوا تحت لواء الإسلام، فازدهرت بعدها العلوم عند المسلمين، وأصبحوا قبلة العالم، ومنبت الحضارة.

وفي الحقبة نفسها كانت أوروبا غارقةً في الظلمات، تعاني من طغيان رجال الكنيسة، وتعيش تاريخ ما قبل الحضارة، وقد روى يوهانس جروس في أحد كُتُبه عن تخلف أوروبا عندما كانت تحاكم الحيوانات والحشرات، والديك الذي أُعدم بسبب الجريمة الشنعاء غير الطبيعية أن وضع بيضة!

هذا الحال لم يدم للأبد؛ فبعد عقودٍ من الازدهار عند المسلمين، بدأت الصراعات الطائفية بينهم، وظهرت العديد من المذاهب الفكرية والسياسية التي شقت لُحمتهم ووحدتهم، ومع ذلك ظل المسلمون الأكثر تحضرًا، إلى أن بلغت أوروبا عصر النهضة، فمع بداية القرن الرابع عشر، بدأ الأوربيون بتطوير أنفسهم عبر القراءة والتعمق في العلوم الدقيقة، وباختراع آلة الطباعة نُشر الوعي والعلمُ بين شعوبهم، ليتفوقوا شيئًا فشيئًا عن العرب المسلمين. هذا التطور شمل أيضًا النظام السياسي لدولهم، فأنشئت العديد من الأنظمة الديمقراطية عقب الثورة الفرنسية، فراحوا يتنافسون فاكتسحوا العالم حتى احتلوا العديد من الدول العربية المسلمة بعد سقوط الدولة العثمانية.

لعبت الثورة الصناعية واكتشاف البترول دورًا كبيرًا في تغيير الخريطةِ السياسية في العالم، فبهذا الاكتشاف أصبحت الدول الأوروبية المتقدمة تدخل في حروبٍ كبيرة متطورة آخرها الحرب العالمية الثانية، إذ خلفت 60 مليون قتيل، مما جعل الأوروبيين يُفكرون بِجديةٍ في إيجاد حلٍ في أزماتهم المتكررة، وتمثل هذا الحل في تأسيس حلفٍ مشترك فيما بينهم سُمي فيما بعد بالاتحاد الأوروبي الذي استطاع أن يُطوّر من الحلة الإقتصادية والسياسية للدول المتحالفة، والتي يبلغ عددها حتى الآن 28 دولة.

العرب بدورهم حاولوا تأسيس تكتلٍ عربي يحميهم من الحروب الداخلية ويعيدهم للمجد، إلا أن هذه التحالفات باءت بالفشل، لتستمر التقسيمات العربية وكان آخرها تقسيم السودان في 2011، لتليها الأزمة الخليجية التي فوجئ العالم العربي بها في 5 من يونيو 2017 بعدما قطعت كل من السعودية والبحرين واليمن والإمارات ومصر علاقاتها مع قطر قطعًت نهائيًّا بسبب دعم الأخيرة للإرهاب على حسب تصريحاتهم.

في الوقت الذي يستعد فيه الاتحاد الأوروبي إلى تطوير تحالفه بخلق جيشٍ موحدٍ لجميع الدول الأعضاء، رغم اختلاف لسانهم وعقائدهم وأعراقهم، واجتماع كل أسباب الفرقة بينهم، في حين ما زالت الدول العربية التي تحمل الدين نفسه، التاريخ، اللغة، وكل أسباب الوحدة بينها، تعاني من انقسامات وتحارب بعضها بعضًا؛ فالحاصل أن وحدة الدول وائتلافها يمن عليها وعلى شعوبها بالراحة والرخاء والإزدهارِ والعمران، كحال أوروبا اليوم ومسلمي الأمس والعكس صحيح، فما أشبه وصف جعفر بن أبي طالب حال عرب الجاهلية اليوم من الأمس. إننا نحن العرب اليوم أشبه بأوروبا المظلمة في القرون الوسطى، فإذا أراد العرب أن يتطوروا أو أن يتوحدوا اليوم فلا يوجد غير طريق الله المستقيم والعلم، «نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله» عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, تاريخ, رأي, قصة

المصادر

الهجرة إلى الحبشة
عرض التعليقات
تحميل المزيد