لا شك أن جميع أفراد المجتمع يشتكون ويئنون من سوء الحال الذي آل إليه المجتمع والأمة، ومن الانهيار الحاصل على جميع الأصعدة، فالخراب لا يأتي للمجتمعات دفعة واحدة وكذلك الإصلاح والتطور، إذًا ما الحل لتصحيح الخلل؟ سؤال بسيط لكن يحتاج إلى عمل كبير وفهم عميق وثقافة عالية. لذا أعتقد أن الحل يبدأ من هنا حيث قال تعالى في سورة القصص: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ 26.

هذه الآية لو طبقناها لجعلت مجتمعنا مجتمعًا آمنًا قويًّا منيعًا خاليًا من الفيروسات البشرية بجميع أشكالها وبمختلفِ أنواعها وأوزانها ولجعلت من أمتنا أمة قوية منيعة حصينة. فالإنسان القوي بالمفهوم الشامل الواسع هو قوي الإيمان والأخلاق الرصين الرزين، والأمين هو الإنسان الأمين على أموال الناس وعلى أعراضهم، الذي إن تقلد منصبًا لا يرتشي ولا يسرق والذي إن دخل بيتًا من بيوت الناس حافظ على أسرارها وأعراضها، والذي لا يكشف سرها، ولا يهتك سترها، والذي لا يتخذ من أهلها وأفرادها مادة دسمة للسخرية والتهكم عليهم، والذي لا ينظر إلى الناس نظرة الدون والازدراء، الذي يضر ولا ينفع، والذي وإن دخل بيتك دخله لمآرب حقيرة ومقاصد دنيئة، الذي تاريخه سيئ، وحاضره أسوأ ومستقبله لا يبشر بخير.

فالواجب تشكيل بيئة مجتمعية صالحة ضاغطة تتمثل بمقاطعة أولئك الأفراد الزناة الوشاة، سراق المال العام، سراق مداد الأقلام، المرابين، مرتشي أي شيء حتى الخراف! وإلا فإن النفاق لمثلهم سيجر إليك وللمجتمع كل ما هو سيئ، والتقرب منهم سيضعك في أعين المجتمع بين خيارين أحلاهما مر، فإما أن تكون مثلهم، وإما أنك تقرُ بأفعالهم.

ولعل تصرف الرسول، عليه الصلاة والسلام، وصحابته، رضوان الله عليهم، تجاه الصحابة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك وهم خيرة الخيرة وصفوة الصفوة، خير مثال على ذلك النموذج الذي يجب أن يحتذى به، فقد قاطعهم جميع أهل المدينة بما فيهم رسول الله حتى برأهم الله تعالى وعفا عنهم لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓاْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة:118،119).

هكذا صنع رسول الله بيئة إيمانية ضاغطة ترفض كل تصرف خسيس وشخص رخيص يحاول التغول على مشاعر ومصالح الناس وأقواتهم، ولو طبقنا هذا المبدأ، مبدأ المقاطعة؛ لما بقي ربا ولا ربويون ولا حتى مؤسسات ربوية. ولا بقي نفاق ومنافقون، ولا رِشوة ومرتشون، فقط وحدهم الأنقياء هم الباقون فبهم يصلح المجتمع ويزدهر. وقد ختم الله الآية السابقة بقوله: «اتقوا الله وكونوا من الصادقين»، نعم فالتقوى والصدق فيهما نجاة ونجاح للمجتمع والأمة، وفيهما نهضة وقوة وتفوق على كل الأمم وهذا ما حصل عندما في صدر الإسلام.

المشكلة العظمى والطامة الكبرى في وطننا العربي أن ما يحصل هو العكس تمامًا! فالفاسد وسارق المال العام والمرابي يكافئ بالولائم والهدايا والعطايا، ومن قبل العامة (الشعب المسحوق) لأسباب جهوية أو قبلية أو لمصلحة ضيقة، وكأنه الناس تكافئه على تغوله وعلى تجرؤه عليهم وعلى مستقبل أبنائهم! وبعد أن يترجل عن كرسيه الذي وصل إليه بطرق لا يعلمها إلا الله يتم مكافأته وإعادة تدويره ليتصدر المجالس التشريعية والمؤسسات الخدمية!

الشعب المنهك المسحوق المشبع بالفقر و البطالة والذي من المفترض أن يختار من ينوب عنه ليكون صوته ويتحدث عن آلامه وأوجاعه، ويقف بصفه لا أن يقف ضد إرادته، يقوم بالعكس تمامًا! فبدلًا من تشكيل بيئة ضاغطة لمحاربة الفاسدين يتم تشكيل بيئة ضاغطة لمحاربة المصلحين!

ونتيجة لكل ذلك يترتب على المجتمع آثار كارثية ويتعرض أفراد المجتمع لعقاب جماعي بفعل سوء الاختيار وانخفاض الوعي بين الأفراد؛ فتنهار القطاعات ويتفشى الظلم والاستبداد والقهر والفقر والبطالة. هكذا تمرض الأمم وتدخل في حالة من الموت السريري.

فعلى كل فرد في المجتمع أن يتحمل المسؤولية ويبدأ بنفسه وأسرته وينتقل منها إلى مجتمعه من أجل تكوين بيئة صالحة ضاغطة يمثلها الصالحون المصلحون حتى لا ينزلق المجتمع إلى القاع أكثر من ذلك، وإلا يجب أن نصمت ونتحمل الفقر والجوع والبطالة وكل ما هو سيئ حتى الفاسدين أنفسهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد