قبل البداية

هذا المقال هو عبارة عن دردشة بيني وبين قارئ تلقى صدمة في حياته من صديق أو حبيب أو قريب، ونداء لشخص لم يتلق الصدمة بعد، أحيطه علما أن الصدمة قادمة لا محالة، وفي الوقت غير المتوقع ومن الشخص القريب الذي تثق فيه الثقة العمياء، تذكر دائمًا أن «الأقارب عقارب».

قبل قراءة المقال

شغل أغنية «الناس العزاز» للفنانة نوال الزغبي، أنصت اليها جيدًا، وبعدها ابدأ بالقراءة:

«لم لم تدومي
يا سويعات الهنا
إذ غادر الرفاق ربعنا
قد نفضوا عنهم ثوب العنا
أسمع رقة صوتهم تسموا»

بهذه الكلمات ودع سود أمريكا، الذين تم ترحيلهم قسرا، أصدقاءهم، وأقاربهم على أمل لقاء قريب يطفئ نار الصداقة الموقدة، وبالطريقة ذاتها ودعت أصدقاء العمر، على أمل عدم اللقاء، وعلى أمل عدم تلقي صدمات جديدة، تسقطنا أرضا، وتقسم قلوبنا إلى أشلاء. يقال في الأثر أن الوثوق بالأشخاص ثقة عمياء يفضي بنا إلى طريقين لا ثالث لهما، إما أن تكسب الشخص مدى الحياة أو تتعلم درسًا لمدى الحياة، ليذكرنا بقول غادة السمان، عن الصداقة بعدما سرب أصدقاؤها رسائل غسان كنفاني الموجهة لها، حيث قالت: «الصداقة فخ، إنه الفخ الوحيد الذي نصنعه أحيانا بإتقان، لذا فإننا حين نسقط فيه، يكون السقوط موجعا حقا، من هنا صرت شديدة الحذر في صداقاتي شديدة الدقة في الاختيار».

ذات يوم دخلت منزل الثمانينية الملهمة، وجدت لافتة كبيرة مكتوبة بخط قرآني عربي أصيل كان مفادها: اتق شر من أحسنت إليه، اقتربت من السيدة وقلت لها، لماذا هذه الكلمات في الاستقبال، ضحكت ضحكة استهزاء تلك الضحكة التي وضحت لي كم الجروح التي تعاني منها هذه السيدة، جروح تظهر في تجاعيد القلب قبل تجاعيد الوجه، قالت لي والابتسامة تغزو شفتيها: ما ضرني يومًا شخص بعيد، كل الكدمات والصدمات تلقيتها من المقربين الذي أحسنت إليهم، وها أنا ذا اليوم، أجزم أن من أحسنت إليهم هم الذين يهرولون دائمًا لتكسيري إلى قطع صغيرة، وبعثرتها كي لا أستطيع لملمتها مجددا، إنها الحياة، حيث لا توجد ثقة في قريب أو صديق، كلهم أوجه لعملة واحدة، عندما يقضون حوائجهم، يدخلونك في خانة الممنوع، ويخترعون ألف سبب لقتلك، أتممت خاتمة كلامها:
أن تعيش وحيدا خير من أن تثق في الأشخاص الخطأ ثقة عمياء قد تكلفك حياتك، إن أشد الضربات وجعا وقسوة نتلقاها من الأقرباء، لأنهم يكونون على علم تام بنقاط ضعفنا. ما كادت السيدة تنهي كلامها حتى سقطت دمعة من عيني، تذكرت كل الإحسان الذي قمت به تجاه من أساؤوا إلي، تذكرت وقتي الذي استثمرته في المكان الخطأ مع الأشخاص الخطأ، تذكرت أحلام مستغانمي التي قالت في كتابها الأخير «شهيا كفراق» أن سوق الصداقة «مضروب» هذه الأيام حيث نزلت الصداقة الصينيّة إلى الأسواق، بتقليد متقن في المظهر. إنها علاقات لا يمكن المراهنة عليها، تنتهي صلاحيتها بعد أول استعمال.

لا علاقة مكفولة ولا مضمونة اليوم، -شأنها شأن كل الأغراض التي تحمل طابع «صنع بالصين»-،لذا على الذي لديه صديق قديم، أو حبيب «دقة قديمة» من زمن النخوة والشهامة، أن يحافظ عليه على حد قول أحلام، تذكرت السنين التي ذهبت هباء منثورا كنقش بعود خشب على رمال البحر، تذكرت الجرح العميق الذي لا زلت أعاني منه لأن أحد المقربين ممن أحسنت إليه، لم يحترم قوانين الأخوة التي طالما تغنى بها، تذكرت التضحيات، الكبيرة منها والصغيرة التي قمت بها لأجلهم، تذكرت يوم رسمت للقريب الخائن طريق مستقبله الدراسي، تذكرت تلك الليلة التي لم أستطع النوم بها لأن صديقتي كانت بحاجة للمساعدة، فلم تغمض لي عين بحثا عن حل، تذكرت يوم تركت الدرس لأساعد قريبي الذي لا يفوت فرصة طعني في كل مرة، تذكرت كل ما مضى من خير وإحسان بيني وبينهم، فدفنت الصداقة، ودفنت الأصدقاء والأقارب، ودفنت معهم كل الرسائل، والهدايا، والكتابات، والذكريات التي لا تفارق ذهني صباح مساء تاركة الدموع تسقي وجنتاي، وقطعت عهدا على نفسي أن لا أجعل لي غير الكتاب صديقا، وونيسا، على الأقل لم أُظْلـَم يوما من طرف كتاب رافقني في فترات وحدتي، واحتسى معي القهوة على شرفة واحدة.

في الختام ضع أغنية «أزمة ثقة» لناصف زيتون على أمل استرجاع الثقة -رحمها الله-، رغم أنني قرأت عليها توا سورة الفاتحة في إحدى مقابر المسلمين المتواجدة في المدينة التي أعيش بها، وقبرتها في انتظار صدمة جديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد