لا أدلة تجريبية على وجود الله.. في نقد العلم والإيمان!

قد تتعجب إذا علمت أن الرق من صنع الإنسان المتحضّر. وهو ما يؤكده الدكتور عبد السلام الترمانيني في كتابه «الرقّ.. ماضيه وحاضره»، إذ يقول: «الرقّ وهو أبشع صور الإنسانية، لم يكن من صنع الإنسان المتوحّش، وإنما كان من صنع الإنسان المتحضّر. فالجماعات البدائية التي كانت تعيش في العصر الحجري وتتغذى من الصيد والقنص وجني الثمار الطبيعية لم تعرف الرق، فقد كان يشيع فيها التعاون والمساواة وتعمل مشتركة في تحصيل غدائها، وإذا ما ندر الغذاء فقد تدفعها غريزة الكفاح من أجل البقاء إلى قتل المستضعفين من أبنائها الذين لا يقدرون على الحصول عليه».

 

وحقوق الأشخاص وحرياتهم الأساسية جزء لا يتجزأ من نظام الحكم في كل دولة، إلا أن تلك الحقوق والحريات تتعرض للسلب والتهديد والانتقاص، ومن ذلك التفرقة العنصرية والاضطهاد، والاتجار بالأشخاص، حيث إنه يمثل الاسترقاق في العصر الحديث. وذلك من خلال استدراج الضحايا عن طريق الخداع أو الإكراه، والاتجار بهم بين البلدان والمناطق، وحرمانهم من استقلاليتهم وحرّيتهم في التنقل والاختيار، وتعريضهم لمختلف أشكال الإساءة الجسدية والنفسية.

 

البروتوكول المكمِّل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية يعرف الاتجار بالأشخاص بأنه: «تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال. ويشمل الاستغلال، كحد أدنى، استغلال دعارة الغير أو سائر أشكال الاستغلال الجنسي، أو السخرة أو الخدمة قسرًا، أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق، أو الاستعباد أو نزع الأعضاء».

 

فالاتجار بالأشخاص يتطلب ثلاثة عناصر: (أ) «فعل» يتمثل في تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم (ب) «وسيلة» تساعد على تحقيق الفعل، مثل التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر؛ (ج) «غرض» من الفعل المعتزم أو من الوسيلة، أي الاستغلال. وبالتالي فإن موافقة الضحية على الاستغلال المعتزم غير ذي أهمية عند استخدام أي من الطرق المذكورة. ويتعين توافر العناصر الثلاثة في أي فعل لكي يعد «اتجارًا بالأشخاص» في القانون الدولي. والاستثناء الوحيد هو أن عنصر «الوسيلة» لا يكون جزءًا من التعريف عندما يكون الضحية طفلًا.

 

ويعتبر الاتجار بالأشخاص شكل من أشكال الجريمة المنظمة الدولية التي تدرّ ما يعادل ١٥٠ مليار دولار سنويًّا حسب تقديرات منظمة العمل الدولية في ٢٠١٤.

 

في الكويت اعتبرت صيانة الحقوق والكرامة الإنسانية التزامًا لدى المشرع الكويتي، وعرفًا وتقليدًا داخل المجتمع، فقد أكد الدستور الكويتي في المادة (29) منه على أن الناس سواسية في الكرامة الإنسانية، وهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين. وحرص أيضًا على حفظ كرامة الإنسان ومنع استخدامه في أعمال تحط من كرامته سواء بالاختيار أو بالإكراه، من خلال ما نصت عليه المواد (٩)، (١٠)، (٢٩)، (٣٠) منه.

 

لقد اتخذت الكويت عدة خطوات في مواجهة تجارة الرقيق، فصدر القانون رقم (16) لسنة 1960م والذي يجرم أعمال الخطف والحجر والاتجار بالبشر واستغلالهم جنسيًّا، كما صدر القانون رقم (36) لسنة 1968م بالموافقة على ميثاق منع الاتجار بالأشخاص واستغلالهم في البغاء.

وفي 12 مايو 2006م، صادقت الكويت على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والبروتوكولين المرتبطين بها، وهما الأول بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال، الثاني بروتوكول مكافحة تهريب المهاجرين عن طريق البر والبحر والجو .

ووفقًا للقانون رقم 5 لسنة 2006 الصادر في 27 مارس 2006 أصبحت أحكام ومواد هذه الاتفاقية والبرتوكولين قانونًا واجب التطبيق في الكويت منذ تاريخ نشره في الجريدة الرسمية. وجاء في نص القانون عقوبة جريمة الاتجار بالبشر تكون بالسجن لمدة خمسة عشر عامًا، وقد تصل إلى السجن المؤبد، وبغرامة تبدأ من ثلاثة آلاف وحتى عشرة آلاف دينار كويتي.

والسؤال الذي يبحث عن إجابة:

«هل الكويت مستعدة لانتهاك الاتفاقيات الدولية وتشويه صورتها كمركز إنساني؟»

 

عبر تاريخ البشرية كان من بين ذرية آدم من ما يزال يتبع خطوات الشيطان بتسلطه على المستضعفين من البشر ويستغلهم استغلالًا وصل إلى حد الاسترقاق، وكأن الإنسان لديهم سلعة تباع وتشترى. قال أرسطو: (إن الرق سيبقى ضروريًّا ما دامت الآلة لا تعمل بنفسها). وبهذا القول يبرر الرق ويجعل من حق الإنسان القوي أن يمتلك إنسانًا ضعيفًا ليكون الآلة المسخرة للإنتاج وتنمية رأس المال في الأسرة والدولة. وهو ما قد يتبناه بعض أطياف المجتمع الكويتي، من خلال التسويق لانتهاك الحقوق الأساسية للكويتيين البدون وبيعهم لجزر القمر، على مرأى ومسمع المجتمع الدولي.

 

إن الاعتراف بكرامة الإنسان وحرياته الأساسية وحقوقه، من أهم حقوق الإنسان التي يجب أن يتمتع بها جميع أفراد الجنس البشري، وهو ما نصت عليه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان وضمنته دساتير الدول، بالإضافة إلى بعده الديني والأخلاقي الذي يمنح هذه الحقوق صفة إلزامية تفرض على جميع أعضاء المجتمع الدولي كفالة هذه الكرامة، وعدم تعرضها للاضطهاد أو الانتهاك. والاتجار بالجنس البشري يمثل انتهاكًا لهذه الكرامة ولأبسط حقوق الإنسان.

 

وأخشى أننا بصدد وضع تعريف جديد للاتجار بالبشر، اتجار تقوم به أنظمة دولة، وليس تنظيمات إجرامية منظمة!

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد