بعدما تقَدَّم عرض (لمحة تاريخية وحالية لواقع الحصانات الديبلوماسية) في المقال السابق، سأعرض هنا بعض حالات سوء استغلال الحصانة الدبلوماسية من قِبل دول.

حالات سوء استغلال الحصانة الدبلوماسية تشمل عمومًا مخالفات إدارية بسيطة كامتناع أصحاب الحصانة الدبلوماسية دفع رسوم ركن سياراتهم في مواقف السيارات، القيادة في حالة سكر والتسبب في قتل مارة، إلى تهريب الأسلحة والمخدرات وجرائم خطف وقتل.

(آثرت على خلاف ما وعدت به في المقال السابق أن أقتصر في هذا الجزء على ذكر أمثلة استُعملت فيها الحصانة الدبلوماسية للقيام بجرائم، وذلك لكيلا يكون المقال طويلًا. وسأخصص جزءًا ثالثًا أناقش فيه الخلل في النظريات التي بنيت عليها منظومة الحصانة الدبلوماسية، وأطرح اقتراحات للتغييرات الضرورية التي يجب أن تُتخذ في المنظومة).

أمثلة لاستعمال الحصانة الدبلوماسية للقيام بجرائم

1984: السفارة الليبية في لندن تجرح متظاهرين ليبيين وتقتل شرطية بريطانية

في 17 أبريل (نيسان) 1984 اجتمع مجموعة من الليبيين (غالبيتهم من الطلبة المقيمين في بريطانيا) أمام مكتب الشعب الليبي (السفارة الليبية) في لندن للتظاهر ضد سياسة القمع والتعذيب والإعدامات التي كان يقوم بها معمر القذافي ضد كل من يخالفه الرأي في ليبيا، وإحياءً لذكرى 7 أبريل 1976.

في 7 أبريل 1976 أطلق الرئيس الليبي السابق معمر القذافي حملة تطهير للجامعات الليبية من الطلبة الجامعيين والأساتذة المخالفين للنظام، افتتحها بِحفلات الإعدام في جامعتي طرابلس وبنغازي التي ساق لها حشودًا من الطلبة ليشهدوا جثث زملائهم في حبال المشانق، مع بث تلك الإعدامات الجماعية على شاشة التلفاز، لإرعاب الشعب وإرهابه، وبعث رسالة مفادها أن المشانق مآل من يفكر في الاعتراض على أي أمر يصدره النظام.

جاء متظاهرون ليبيون من عدة مدن داخل بريطانيا ليتظاهروا يوم 17 أبريل 1984م أمام السفارة الليبية في لندن. ورغم أن الناس كانوا يتظاهرون بطريقة سلمية، ولم يقتربوا قط من باب السفارة الليبية؛ إذ كوَّنت الشرطة البريطانية سدًا يقف بين المتظاهرين والسفارة ويحميها، رغم ذلك أطلق رجال مجهولون من داخل السفارة الليبية النار بطريقة عشوائية في الجموع، أُصيب على أثرها أكثر من 10 متظاهرين بجروح، خمسة منهم بجروح خطيرة، وأصيبت شرطية بريطانية (إيفون فلتشر) برصاصة ماتت على أثرها لحظات بعد الإصابة.

أحاطت الشرطة البريطانية بعد حادث إطلاق النار بالسفارة الليبية لمنع أي دخول إليها أو خروج منها، وطالب وزير الداخلية البريطاني بأن تسمح ليبيا للشرطة البريطانية بدخول المبنى لجمع الأدلة وتحديد المشتبه فيهم في إطلاق النار. رفض المسؤولون الليبيون الطلب استنادًا لقانون الحصانة الدبلوماسية لكل من يعمل بالسفارة ولمبنى السفارة. فلم تستطع بريطانيا اتخاذ أي إجراءات قضائية ضد المجرمين الذين أطلقوا النار، واكتفت، كما تخول لها اتفاقية فيينا للحصانات الدبلوماسية، باعتبار الدبلوماسيين الليبيين أشخاصًا غير مرغوب فيهم وطردتهم من البلد. كما قطعت الحكومة البريطانية العلاقات مع ليبيا. كان هذا كل ما بوسعها القيام به بموجب اتفاقية فيينا.

بقيت العلاقات الدبلوماسية بين بريطانيا وليبيا شبه منقطعة حتى سنة 1999 حين استطاعت الحكومة البريطانية أخذ إقرار من النظام الليبي بتحمل مسؤولية قتل الشرطية البريطانية ودفع 250 ألف جنيه استرليني كتعويضات لأسرة الشرطية المقتولة.

بعد سقوط نظام القذافي سنة 2011م، بعثت بريطانيا محققين إلى ليبيا ليتعقبوا الأشخاص الذين كانوا ضالعين في قتل الشرطية البريطانية، ولا زال ملف جلب الجُناة للقضاء البريطاني مفتوحًا.

محاولة خطف الوزير النيجيري عمر ديكو عام 1984 في لندن

بعد الانقلاب العسكري في نيجيريا الذي قاده اللواء محمد بخاري وأطاح بالرئيس المنتخب شيحو شاجاري في ديسمبر (كانون الأول) 1983، هرب عدد من المنتمين للنظام الذي أُطيح به إلى الخارج ومن بينهم وزير النقل عمر ديكو.

عمر ديكو هرب إلى بريطانيا حيث استقر في لندن وأصبح صوت حكومة المنفى الناقد للانقلاب العسكري.

قررت حكومة العسكر استرجاع عمر ديكو إلى نيجريا لمحاكمته على تهمة اختلاس عدة مليارات من الدولارات من خزينة الدولة المتعلقة بمداخيل النفط.

المخابرات النيجرية والمخابرات الإسرائيلية (الموساد) دبروا خطة لخطف عمر ديكو، تخديره، ثم نقله في حقيبة دبلوماسية (صندوق) إلى نيجريا. قاد العملية محمد يوسوفو، ضابط في جهاز المخابرات النيجيرية، والذي دخل بريطانيا بوثيقة دبلوماسية لتنفيذ عملية الخطف. واستُجلب طبيب تخدير من إسرائيل الى لندن، الدكتور ليفي آري شابيرو، مهمته تخدير ديكو بعد خطفه بطريقة يبقى فيها فاقدًا للوعي لساعات طَوَال مدة النقل حتى الوصول إلى نيجريا، دون أن يؤدي ذلك إلى وفاته.

في 4 يوليو (تموز) 1984 تم خطف عمر ديكو من أمام بيته عندما كان خارجًا للتنزه، وُضع على الفور في سيارة شحن متوسطة الحجم، كان يقودها محمد يوسوفو. تم تخديره من قِبَلِ الطبيب الإسرائيلي شابيرو، فوُضع في صندوق (حجمه 1.5/1.2/1.2 متر) تم صنعه وتجهيزه في مقر السفارة النيجرية.

يومٌ قبل اختطاف ديكو حلت طائرة بوينغ 707 التابعة للخطوط الجوية النيجيرية في مطار ستانستيد القريب من لندن. سُجلت الطائرة على أنها مخصصة لنقل أغراض دبلوماسية من السفارة النيجيرية.

لكن عند عملية نقل الصندوق الدبلوماسي في اليوم التالي، استغلت المخابرات والشرطة البريطانية خطأًً ارتكبه النيجيريون في طريقة تَعْلِيم الصندوق الدبلوماسي، حيث لم تكن المعلومات على مُلصق الصندوق تستوفي شروط التصنيف على أنها حقيبة دبلوماسية، كما نصت عليه اتفاقية فينا. خول هذا الخطأ ذريعة قانونية للسلطات البريطانية سمحت لهم بتفتيش الصندوق؛ إذ إنهم أُخبروا باختطاف ديكو وكانوا يتوقعون أن المخابرات النيجيرية ستحاول استرجاعه إلى نيجيريا. فلما فتحوا الصندوق وجدوا في داخله عمر ديكو مكبل اليدين والقدمين وفاقدًا للوعي، وكان يتنفس بصعوبة من خلال أنبوب بلاستيكي حشر في القصبة الهوائية، وبذراعه اليمنى أنبوب آخر ينتهي إلى داخل زجاجة بها محاليل طبية ربطت بإتقان بجدار الصندوق. وكان يرقد في الصندوق مع عمر ديكو طبيب التخدير الإسرائيلي شابيرو، كامل الوعي، وبحوزته معدات طبية وحقن للتدخل عند الضرورة لإعادة تخدير ديكو إذا استيقظ، أو لإسعافه إذا أحس أنه سيموت. نُقل ديكو إلى المستشفى حيث تم إسعافه. قضى ديكو بقية عمره في لندن، وتُوفي سنة 2014.

كلاهما، حكومتي نيجيريا وإسرائيل، أنكروا أن لهم أي علم بحادثة الخطف. ألقت الشرطة البريطانية القبض على 17 شخصًا، حوكم منهم أربعة بالسجن لمدد تتراوح ما بين 10 و14 سنة، منهم طبيب التخدير الإسرائيلي شابيرو، ورجلان من المخابرات الإسرائيلية، وضابط الاستخبارات النيجيري محمد يوسوفو، الذي تبرأت منه الحكومة النيجيرية، ونفت أن له حصانة دبلوماسية. وطردت بريطانيا دبلوماسيين نيجيريين رفيعي المستوى منهما المفوض النيجيري السامي، وانقطعت العلاقات الدبلوماسية بين بريطانيا ونيجيريا لمدة سنتين.

2018 استدراج صحافي سعودي للقنصلية السعودية في إسطنبول.. ثم قتله وتقطيع جثثه

لا يشك عاقل أن أجهزة المخابرات، أيًّا كانت الدولة التي تنتمي إليها، لا تلتزم بمعايير قانونية أو أخلاقية أو إنسانية، وبأنها أخبث ما أنتجته أنظمة دول العصر الحديث. فالمخابرات لا تتورع عن القيام بأي نوع من الجرائم، من التجسس والخطف والتعذيب إلى القتل. والاختلاف بين جهاز مخابرات دولة وأخرى لا يكمن في أن أحدها منضبط أخلاقيًا ولا يرتكب جرائم والآخر لا، ولكن الاختلاف يكمن فقط في أساليب ارتكاب الجرائم. فهناك مخابرات ترتكب جرائم بوسائل ذكية تضع في الحسبان إبعاد – ما أمكن – أي شبهة عن الدولة التي أصدرت قرار القيام بالجريمة، حتى لو تم ضبط منفذي الجريمة، يمكن للدولة نفي أي صلات رسمية بين أجهزتها وبين المجرمين (لكن كون جرائم تتم بطريقة ذكية، فهذا لا يعني بحال تزكيتها أو قبولها أو شرعيتها، بل هي جرائم مستنكرة ومرفوضة جملة وتفصيلًا، ويجب محاسبة الأنظمة التي تأمر بها وليس فقط المنفذين).

لكن جريمة قتل جمال خاشقجي ربما ستدخل التاريخ كالعملية الأشد غباء وارتجالية عرفتها المخابرات في العالم. فالمخابرات السعودية عملت كل ما يمكن القيام به لكيلا يستطيع أحدٌ – مهما حاول – ربط خيوط العملية بجهة غير المخابرات السعودية، بل ولا يستطيع إسناد أمر القيام بالجريمة لجهة سعودية غير رأس النظام السعودي نفسه. فجريمة القتل تمت في مقر سعودي رسمي معلوم، وهي القنصلية، واستُعملت في العملية سيارات دبلوماسية رسمية. وخاشقجي لم يُجلب خفية الى القنصلية، بل دخلها نهارًا أمام أعين العالم كله وأمام عدسات آلات التصوير التي لا تخلو منها قنصلية أو سفارة في العالم، كما هو معلوم للكل. وعملية القتل تمت ضد رجل مشهور ترصده كل العيون، وتتتبع كل تحركاته واتصالاته. وأُرسل فريق لقتل خاشقجي معلوم وظيفة كل واحد منهم في مؤسسات الدولة السعودية، ودخلوا إلى تركيا بصفة رسمية بحصانات دبلوماسية. وكان من بين أعضاء فريق القتل أشخاص معلومٌ للهواة ارتباطهم المباشر برأس النظام السعودي، ولي العهد محمد بن سلمان، فمنهم من هو حارسه الشخصي.

فقضية خاشقجي من الوضوح والسهولة مما كان الوصول للآمرين فيها بالقتل وليس المنفذين فحسب. فهي تشبه جريمة هاو مبتدئ دخل مثلًا ليسرق بنكا، فاستطاع الدخول للبنك بحجة أنه يريد فتح حساب بنكي، فملأ ورقة استمارة لفتح الحساب قدمها لموظفي البنك تحوي على اسمه الحقيقي وعنوانه، وابتسم أمام آلات التصوير في البنك، ولم يرتد قفازات فترك بصمات أصابعه في كل مكان وضع يداه عليه في البنك. ثم بعد كل هذا يستغرب بعد سرقة البنك كيف بالشرطة تنتظره أمام بيته لتلقي القبض عليه لحظات فقط بعد قيامه بالجريمة.

طريقة قتل النظام السعودي لخاشقجي تشبه في كثير من تفاصيلها عملية المخابرات النيجيرية في محاولة خطف عمر ديكو في لندن سنة 1984م، إلا أن المخابرات النيجيرية استعانت بطبيب تخدير للقيام بالعملية، وخدرت فعلًا ديكو ولم تقتله، مما يدل على أنها كانت تريد خطف ديكو وإرجاعه لنيجيريا حيًا، لكن الفريق السعودي استعان بطبيب تشريح، وليس تخديرًا، وجاء الطبيب بأدوات النشر والقطع؛ مما يجعل فرضية رغبة السعودية في جلب خاشقجي حيًا للسعودية يصعب تقبلها، فالأرجح أن قرار قتل خاشقجي كان محسومًا مسبقًا قبل دخوله القنصلية ظهر يوم الثلاثاء الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 2018. وعلى كل حال، فقتلُ خاشقجي قتلٌ متَعمّد، عن سبق الإصرار والترصد، سواء اتُخذ قرار القتل قبل لقاء فريق القتل السعودي لخاشقجي أو بعد لقائه.

وعملية قتل خاشقجي تتسم بنفس الرعونة والغرور واللامبالاة التي اتسم بها الدبلوماسيون الليبيون حين أطلقوا النار جهارًا نهارًا، وأمام أعين الشرطة البريطانية وعدسات الإعلام المرئي، على المتظاهرين أمام السفارة الليبية في لندن سنة 1984.

السعودية قامت، حسب ما أظن، بما لم تقم به دولة قبلها في العالم، إذ استعانت 100% بالحصانة الدبلوماسية في كل جزئيات وخطوات ومراحل قتل خاشقجي والتخلص من جثثه.

فحين تكون الحصانة الديبلوماسية أداة لجرائم خطف وقتل، كما تبين من خلال الأمثلة التي ذكرت، والدول المضيفة تعلم أحيانا أن جرائم ستقع، لكنها لا تستطيع التدخل لمنعها بسبب قوانين الحصانة، فهذا يدل على خلل عميق في منظومة الحصانة الدبلوماسية. فهل يجوز أن تتفرج الدول المضيفة على جرائم يقوم بها دبلوماسيون ضد أفرادٍ وملكيات الغير بسبب الحصانة الدبلوماسية للمجرمين؟ أليست الدول مسؤولة عن سلامة كل المواطنين والمقيمين عندها، وأن لهم حصانة على حياتهم وممتلكاتهم تنتهي عندها حصانة الدبلوماسيين ومقارهم؟ أين يكمن الخلل في منظومة الحصانة والخلفيات الفلسفية التي ترتكز عليها؟ أليس من الواجب إعادة النظر في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية واتخاذ قوانين صارمة لا تخول أي غطاء (حصانة) ترتكب من تحته الدول والأفراد جرائم؟ هذا ما سأتطرق إليه في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد