مازلت أذكر أوّل عهد لي بالكتاب، يومها كنت تلميذا لم أتجاوز بعد الخامسة عشر ربيعا، وكنت أدرس بشعبة الآداب التي يعزف عنها الكثيرون لانسداد آفاقها في المستقبل حتى أن البعض سمّاها متندرا «شعبة العاطلين عن العمل».

كنت من بين القليلين إن لم أكن الوحيد في معهدي الذي اخترت تلك الشعبة بمحض إرادتي ورغبتي رغم تفوقي في المواد العلمية كعلوم التقنية والطبيعة والفيزياء.

شعبة الآداب هي ملاذ من لا ملاذ له في بلادنا، يجد التلميذ فيها نفسه بعد أن تلفظه بقية الشُعب، إلا أنا، فقد لفظتها جميعا لأجل عيون الآداب.

وكما تنبأ لي أساتذتي، فقد صاحبني  التفوق إلى أن أحرزت شهادة ختم التعليم الثانوي وكنت الأوّل على المعهد، والسرّ يكمن في ذاك العهد الأوّل بالكتاب. وهاك حكايته.

سحبني من يدي بعد التحيّة المتبادلة متسائلا: «هل تطالع؟» أجبت: «لا.. إلا القليل». والحقيقة أنني لم أكن أملك حينئذ ولو كتابا واحدا جديرا بالقراءة عدا القرآن ولم يسبق لي أن دخلت مكتبة عموميةعمومية، قال: «أسلوبك في الكتابة جميل، عليك أن تطالع لمزيد صقله، عدني أن تقرأ كل يوم عشر صفحات من أيّ كتاب طيلة شهر، ثم توقف عن القراءة».

لم أكن أبدا لأنقض وعدي مع أستاذ أكن له من المحبة الكثير، طلبت من أبي أن يبتاع لي بعض الكتب، ليكون اللقاء الأوّل مع حنّا مينا وروايته الياطر و الثاني مع طوق الحمامة في الألفة والألاف لابن حزم الأندلسي.

الكتاب الأوّل هو الأهم في حياة القارئ، فاحرص جيّدا على حسن اصطفائه. اختيارك هذا سيقودك لكتب أخرى أو سيجعلك تهجرها جميعا لتبحث عن اهتمامات تستهويك أكثر.

أمّا أنا فقطعا أنني أحسنت الاختيار لذلك دأبت على قراءة عشر صفحات كلّ يوم ولم أتطوع بغيرها، إلى أن أدركت الشهر، لأجد نفسي بعده ألتهم في اليوم عشرين صفحة فثلاثين فخمسين فمائة فكتابا. لم أتوقف كما طلب مني أستاذي وأجزم أنه كان يعلم ذلك جيّدا، كانت الحيلة الألطف لحثّي على المطالعة، وأن تنطلي عليك حيلة كهذه فأنت فعلا محظوظ.

كلمّا قرأت ستشعر برغبة في الكتابة، ستتساءل في حيرة إن كنت قادرا على أن تنافس أبطالك من الروائيين والشعراء والأدباء، ستأخذ قلمك وستركن بورقك لتكتب أيّ كلام، شعرا رديئا، مذكرات سخيفة، أقصوصة لن يقرأها غيرك، لا تترك القلم ولا تلق به مستسلما، واصل الكتابة ولكن إياك أن تنقطع عن القراءة، وإلاّ فإنك لن تتقدم ولو قيد أنملة وستظل كاتبا لنفسك ولبعض المجاملين فقط ولن تستطيع مطلقا جذب انتباه القراء الجيدين.

إن التدوين أو الكتابة عمل يومي دؤوب يتطلب جهدا ووقتا وتكوينا وأسلوبا، فالعبرة ليست في المعاني فهي كما يقول  صاحب البيان والتبيين (الجاحظ) : «مطروحة في الطرقات. لكن المهم هو أن تصاغ هذه المعاني في أساليب أدبية رفيعة»، ولا يكون الأسلوب أصيلا جميلا إلا بعد مران طويل ومطالعة دون فتور.

قديما قالوا «ليكون الإنسان شاعرا عليه أن يحفظ ألف بيت» ويقولون أيضا «ليكون الإنسان روائيا عليه أن يقرأ ألف رواية»، وأنا أقول في عصر الإنترنت والمدونات «ليصير الإنسان مدونا عليه أن يقرأ كل يوم مقالا أو أكثر».

لا تتسرع في نشر أولّ مقالة لك ولا تغضب إن لم تُنشر، اعلم جيدا أن نشوة الكاتب تكمن في أن يُقرأ  إنتاجه، فالإنسان عموما يكتب لغيره وأجمل الكتابات هي التي نكتبها ليقرأها الآخرون، فنحن لا نكتب لأنفسنا وإن حصل وفعلنا فإنّ الحاوية ستكون المطاف الأخير لأوراقنا وفي أحسن الحالات سيكون مآلها الرفوف والغبار والنسيان.

فلا تتجرأ على نشر ما كتبت إلاّ بعد أن تدرك أنّك  قد صرت صاحب أسلوب خاصّ بك، يميزك عن غيرك، أسلوبك هو بصمتك هو أنت، فالأسلوب هو الرجل بعبارة أحد الكتاب الفرنسيين. سيتعرف عليك قرّاؤك ولو تجنبت تذييل تدوينتك أو مقالك باسمك وحينها ستكون فعلا كاتبا ناجحا وقد تنهال عليك العروض من كل حدب وصوب لتأثيث أعمدة الصحف أو المواقع الإلكترونية بمقالاتك، ومع ذلك واصل القراءة مادام في العمر بقية، فاليوم الذي لا نقرأ و لا نكتب فيه لا يستحق أن يحسب على أعمارنا فنحن نعيش على قدر ما نتعلم وندون على قدر ما نتكون. و ليس أفضل من الكتاب معلما ومكونا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد