الذين يظنون أنهم يرون كامل الصورة، وأنهم احتووا كامل العلم الإلهي، وأنهم في دينهم كرسل يستقون الوحي من الله، الذين يظنون أنهم يرسمون الشرعة والمنهاج لأسلوب حياة، ويخيطوا خيوط الفكر والفهم للعالمين، الذين يظنون أنهم أحاطوا بالعلم، ما لم يحط به بشر، ويعتقدون أن الجنة لهم، والجحيم لكل أحد غيرهم، أولئك ليس ظنهم إلا سوء.

هم في الحقيقة يضيعون، يتوهون، ويموتون، ويتقاتلون فيما بينهم «وبين هذا الآخر المختلف»، وما إن يواجهوا أحدًا لم يكن على الشرعة التي خطَوها مسبقًا، وبرمجوا وتبرمجوا عليها أيضًا، فإنهم يدخلونه في جحيم السباب، ويخرجونه من الملة والدين والمجتمع، ويقذفونه بالسحر والجنون والكفر. ويصابون فعلًا بلوثة التطرف وآفة التصنيف، إنهم بهذا حقاً يخافون الاختلاف.

تساءل أنيس شوشان وأجاب «أتدرون لم يهاجر منا السلام، أتدرون لما يعود فينا الظلام؟» ببساطة لأننا مجتمع يخاف نحن مجتمع يخاف الاختلاف.

فنحن عندما نشاهد المعارك اللسانية والعقدية والتصنيفية التي تدور في مجتمعاتنا، وكذلك المعارك الطاحنة التي تدور رحاها في ميدان القتال من حولنا، سنجد من أكبر وأعقد أساساتها هو عدم قبول هذا الآخر المختلف، سواء في الدين أو العقيدة أو السلطة الحاكمة أو الرأي وغيرها.

وسنجد أن القوي يغلب على الضعيف ليكون مثله، وإن لم يكن مثله أو رفض أن ينضم لحزبه أو دينه وشرعه أو عقيدته أو أن يعتنق أفكاره، حاربه وقد ينهيه من هذا الوجود!

سنجد أن الكثرة تغلب على القلة تعاديها وتنبذها تحاربها وتقتلها.

سنجد أن التحزبات والتحيزات تكثر و تتنامى لكل فئة من أصل جنسها.

و الويل لهؤلاء الذين لا يقبلون هذه السنة المقدرة في هذه الحياة لهذه المجتمعات، الذين يشعلون الحروب ويدمرون الأوطان ويقطعون الأرزاق الذين ينهشون في مجتمعات الإنسانية فقط لأزمة عدم قبول الآخر!

و هذا القدر من الاختلاف الذي يصنع كل تلك الأشياء، وأكثر هو من أشر الشرور، ومن أكلح الظلمات التي تهدم الإنسان، هو من يحطم المجتمع الإنساني، هو يجعل الكثرة تكفر بكل فضل للاختلاف وتكفر بكل آية لله نزلت وقدرت فيما يخص هذا الأمر، فيغيب عنهم  قول الله «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا». ولم يذكر التقاتل وضرورة التماثل أو حتى التشابه.

وقال «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» .

أمة واحدة أي ملة أو دين أو عقيدة واحدة، ولكن الاختلاف أمر حتمي في هذه الأرض في هذه الحياة لهذه الشعوب والأوطان.

فمتى يعلم أولئك المظلومين والظالمين بوجود سنة هذا الأمر في هذه الدنيا ويسعون حينها لرأب صدع الخلاف، وخلق حالة من العيش والتعايش مع كل بني الإنسان باختلاف أوطانهم وثقافاتهم ومهنهم وألوانهم وأعراقهم ودياناتهم وطوائفهم؟ وإلى أين تسير بنا الحال؟

إلى أين؟ فقد طغى الظلم، وغاب القسط، قد يتم وقتل الطفل، وأحرق وعذب الشيخ إلى متى، فقد رملت المرأة وانتهك عرضها، فماذا بعد؟

أقول: إن قابلية المختلف هي قابليتنا لدى الآخر أيضًا، ومن يتعايش مع الاختلاف سيعيش حياة هانئة وخالية من خروق الظلم ومن دمار التقاتل ومن حروق الدم ومن تهجير الديار ومن كوارث الحروب أيضًا.

إني حقًا أتألم،لكل من يخلق حالةً لبحث مواطن الاختلاف والخلاف بدلًا من مواطن التوافق ومواطن القوة،بدلًا من مواطن المحبة والتعايش والسلم، وأتألم من كل ما آلت إليه حالات الخلاف التعايشي، ومن كل ذاك الكفر بسنن الله في حياة البشر.

دعونا كما قال «شوشان» «دعونا نذوب الأعراف والأجناس والأطياف والأفكار والألوان والأديان ولا نرى سوى الإنسان».

نريد حقًا  أن نرى فقط الإنسان، وأن نعمل على حق عيشه بهذه الحياة مهما اختلف عنّا، ومهما تخلفنا نحن عنه.

الرسالة هنا: هي أن نداوم على رأب تصدعات بنيان المودة التي تصنعها تلك الخلافات المبنية على عرق ولون وعقيدة ودين وطائفة، وأن نبحث عن كل ربح في اختلافنا لكي يؤول إلى تقدمنا ونهضتنا وتعايشنا وسلامنا، لا إلى تخلفنا، و اقتتالنا، ولا إلى الإصابة بلوثة التطرف، وضرورة التصنيف المبنية على أساس عقدي أو ديني أو طائفي أو ثقافي أو فكري.

أخيرًا: ‏الاختلاف سنة إلهية علينا ألا نكفر بها، وأن نعمل على ألا يجرنا عدم فهم الاختلاف في شتى أصنافه وأفكاره وألوانه إلى خلافات خرقاء، ومن ثم تجرنا إلى ويلات ومآسي و اقتتالات وتعود بنا إلى وراءات التخلف والظلام.

شيءٌ أخير: العالم خارج الإطار الذي نرى من خلاله، أكبر وأوسع وأكثر تنوعًا واختلافًا، وقد حان الوقت الآن، وقد جاء منذ الأزل لنتصالح مع كسر هذا الإطار؛ لنخرج للعالمين، وننظر ونتعايش ويتعايش معنا هذا العالم المتنوع المختلف بكل أصنافه وأطيافه وألوانه ودياناته وأن نعمل لنشر السلام والمحبة والتعايش في هذه البسيطة؛ لأننا بحق نريد أن نجعل هذا العالم الذي قد ملأه الظلم والجهل والسواد

نريده أقل قبحًا وأخف ظلمًا وظلمة وأكثر جمالًا وعدلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد