منذ أيام رحل عن هذا العالم كاتب، لطالما التف حول كتبه كثير من القراء، وكذلك نال بعد موته بقدر ذلكم من الدعاء والرثاء، ولست هنا أبكي الرجل؛ فقد بكاه كثيرون غيري، هم أصدق دموعًا وأكثر خشوعًا، ولكن ما لا يعرفه كثيرون عن «أحمد خالد توفيق» هو أنه كان طبيبًا كذلك، وفي الحقيقة فإنه ليس أول الأطباء الأدباء، ولا آخرهم؛ فالقائمة طويلة وتضم كذلك: «يوسف إدريس» صاحب القصص والروايات وكان طبيبًا نفسيًّا، و«نبيل فاروق» صاحب «رجل المستحيل»، والعظيم «مصطفى محمود» صاحب «العلم والإيمان»، و«إبراهيم ناجي» صاحب «الأطلال»، والباقون الأحياء كثيرون، ومنهم «علاء الأسواني»… إلخ، والقائمة تطول، ولكن هل ثمة علاقة بين الطب والإبداع الأدبي؟! فالخط السيئ الذي يشتهر به الأطباء كفيل بأن يعطي انطباعًا معاكسًا، لكني حاولت التدقيق في الأمر لعلي أجد تفسيرًا.

الأطباء هم أكثر فئات المجتمع حضورًا لمشاهد الألم والبؤس، الأطباء هم شهود المعاناة على هذه الأرض، وليس شيئًا أكثر قدرة على تنشيط العقول، واستثارة المشاعر، وتهييج العواطف، من مشاهد البائسين المتوجعين، في ذاكرة كل طبيب قصص وحكايات، ربما يشفقون على سامعيها كي لا يبكون إذا ما رويت، مشاهد الموتى حين يموتون، ومظاهر الحزن والوجوم، ومشاهد الأجنة حين يولدون، ومظاهر الفرح والأمل، علامات البشر والسرور في وجوه المتغلبين على المرض، وعلامات الوجع واليأس في عيون المقهورين من المرض، كل هذا يثير في النفس شجونًا كثيرة ومشاعر متفاوتة، يستثقل صاحبها حملها فلا يملك نفسه حينها إلا أن يفضي بها إلى ورقة وقلم.

ولا أدري ربما يكون الزهد في العالم والحياة، الأطباء أكثر الناس استخفافًا بهذا الأمر الذي يحمُّله الناس فوق ما يستحق، أعني أمر الحياة، يعلمون كم أن الموت أقرب من حبل الوريد، تركيبات بسيطة للغاية، وأحداث صغيرة جدًّا داخل هذا الجسم كفيلة بإنهاء أمر صاحبها في لحظات قليلة، ربما إذا اجتمعت قوى العالم بأكملها لن تكون قادرة على إنهائه بهذه السرعة، فما أهون الإنسان وما أضعفه، كل هذا يجعل المرء زاهدًا في كل هذا العالم الذي لا يساوي شيئًا، وكلما اعتزل المرء صخب هذا العالم ازداد عقله صفاء، وازدادت قريحته جلاء، وكانت أفكاره أكثر وضوحًا، وكانت مشاعره أقرب طريقًا، على ما أظن، فإن كل الإبداع في العالم منشأه في غرف بعيدة منعزلة في آخر العالم.

جزء كبير من نجاح الكاتب على مستوى الكتابة القصصية بكافة أنواعها، سواء أكان في شكل القصة القصيرة، أم الرواية، أم المسرحية، يتطلب قدرًا كافيًا من المعرفة العامة بشئون عديدة، وكلما اتسعت دائرة معارف الكاتب كان عمله أوقع أثرًا، وأكثر ترابطًا، من أهم الموضوعات التي يجب أن تكون ملمًّا بها، هي بعض المعلومات التي تتعلق بجسم الإنسان، ووظائفه، وكيف يعمل، وأيضًا العوامل التي تؤثر في شخصية الإنسان وسلوكياته وما إلى ذلك من الأمراض والاضطرابات النفسية، ولعل هذه الأمور كلها تقع في نطاق الدراسة الأكاديمية التي يتلقاها الأطباء؛ فهم أكثر دراية من غيرهم، فهم يستغلون تلك المعلومات في البناء القصصي، بينما يقع كثيرون غيرهم في أخطاء ساذجة، فقط لأنهم يفتقدون شطرًا مهمًا من المعرفة الإنسانية. ربما كذلك طبيعة الدراسة العلمية القائمة على النظر والتحليل، وبحث الأسباب وربط المقدمات، ونظر النتائج، يجعلهم أكثر قدرةً على صنع الحبكة، وإعطاء الأحداث عمقًا أبعد.

الكتابة على العموم من أعمال الإنسان على العموم، لا يختص بها أحد من دون الناس، حق مكفول، والكتَّاب مذاهب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد