مرحبًا بك!

يُؤمن كثير من الناس أنَّ الإنسان خليط من الروح والجسد، فبدون الروح يصبح الجسد بلا حياة، وبدون الجسد لا معنى لوجود الروح.

تتجسد الروح في الإنسان فَتُحول الجسد المكون من عنصرٍ خام من الطين والماء «طِين لَازِب» شديد التماسك إلى عنصر نشط  يتفاعل مع نفسه ومع محيطه، فهو إعجاز لم يستطع أنْ يُفسره علماء الدنيا مِنْ لَدُن آدم إلى الآن.

كيف تتفاعل الروح مع الجسد؟ وكيف إذا غَادرت هذه الروح هذا القالب الذي تَجَّسدت فيه عاد إلى خموله وأصبح ساكنًا، يقول الله عز وجل «وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ».

إلى حين أن يكتشف عالمٌ ما «قبل أن تقوم الساعة» كيف لهذا الخليط أنْ يَمتزج؟ نغوص في صفة مشتركة بين الروح والجسد، صِفَة الزاد.

الجسد لا يستطيع إكمال مسيرة حياته مِنْ كونه نطفة إلى أنْ يَجلس بين يدي مَلك الموت بِدون أنْ يستزيد لرحلته، فكلما كان زاده طيبًا صَحَّ جسده، وقلَّت معاناته، وكلما كان زاده خبيثًا سَقِم جسده، وكذلك الروح كلما استزادت من الطيب طَهُرت وكلما استزادت من الخبيث فَسدت.

أَنزل الله هذه الروح والقالب الذي تجسدت فيه من السماء إلى الدنيا، وجعل للقالب زادًا من محيطه يتقوى عليه إلى أنْ يَحين مِيعاد انتهاء اختبار الروح، ولِعدل خالق الروح والجسد جعل لهذا الاختبار جزاءً مِنْ جنة ونار، وجعل للروح حرية اختيار طريقين حِين يَنضج القالب الذي تجسدت فيه ويصبح عقل الجسد قادرًا على الاختيار.

اختياران لكي تسلكهما الروح لا  بد أنْ تُوَّقع عقدًا مع صاحبي الطريقين، فالطريق الأسهل للقالب «الجسد» هو توقيع عقد مع الشيطان، فتشتري الدنيا بالآخرة وجزاءه النار، والطريق الذي يحتاج للصبر  هو توقيع عقد مع الله «الذي أوجد الطريقين ومصيرهما وصاحبَ طريق النار لحكمة هو الحكيم العليم بها» ومصيره الجنة.

العقد الذي بين الروح والله هو أن تؤمن الروح باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، فإن تحملت وجاهدت الصعاب التي أوجدها خالق الروح في العقد الذي بينها وبين الله صلح دينها وفازت بجنة ربها، والصعاب التي أوجدها الخالق ليست من أجل إرهاق الروح وإذلالها في عبوديته، وإنما ليتحقق اسم من أسماء الخالق، وهو العدل؛ فالروح المثابرة الصابرة جزاؤها الجنة، والروح التي تستكين مع خمولية الجسد، وتغرق في سكونه، ولا تعطي حق الله الذي قوَّمَ لها هذا القالب في أحسن تقويم مصيرها هلاك الروح والجسد والمحيط الذي يَستزيد مِنه لرحلته، ولنا في موقعة زبطرة مثالًا.

يتصف أهل فارس منذ قديم الأزل بتعدد معتقداتهم وبميلهم إلى تقديس الجسد قبل البعثة المحمدية وبعدها، وكان من المفترض بعد البعثة المحمدية أن تصفو الروح بعد أن عَقدَت مع الله عقدًا وثيقًا، وتخلت عما يحيط بها من خرافات ودجل، إلا أن أهل فارس ما زال في أرواحهم ميل إلى الاستسلام لخمول الجسد.

فيذكر أنه شاع في أهل فارس معتقد الإباحية الذي يقوم على إباحة كل المحرمات، وشيوع الأموال والأعراض بين الناس دون ضابط، انتشر هذا المذهب في عهد كسرى على يد مزك الفارسي، لكن سرعان ما قضى عليه أنوشروان بن قباذ حاكم الفرس آنذاك، لكن هذا المذهب ترك بصمته في أهل فارس حتى ظهر بابك الخرمي الذي أحدث في هذا المعتقد الحركة والدعوة إليه، والقتل والاغتصاب.

والبابكية فئة من الناس تعتقد أن أميرهم أفضل من الأنبياء، على الرغم من بنائهم للمساجد وتعليم آبنائهم القرآن، لكنهم لا يصلون، ولا يصومون شهر رمضان.

استعظم أمر بابك الخرمي، واستفحل في عهد المعتصم الخليفة العباسي، واتبعه كثير من أهل فارس، وقد استصعب على الخليفة الأمين هزيمته لاحتمائه في الجبال، فأوصى الأمين المعتصم بقتاله، فكان الهم الأول للمعتصم القضاء على بابك؛ لئلا يمتد فساد العقيدة في كل بلاد فارس، فأرسل له القائد الأفشين الذي كان ذا دهاء، فضيق الخناق على بابك، فما كان من بابك صاحب العقيد الفاسدة إلا أن يراسل ملك الروم توفيل يستحثه على مهاجمة المسلمين،  قائلًا له إِنَّ ملك العرب قد أرسل إليه جُلَّ جيش المسلمين ولم يبق على الثغور جند، فالفرصة أمامك سانحة للغنيمة، فخرج توفيل في مائة ألف من جنده ودخل زبطرة التي كانت ثغرًا من ثغور المسلمين في الأناضول، فقتل مَن بها من الرجال، وسبى الذرية والنساء، وأغار على أهل ملطية وغيرها من حصون المسلمين، وسبى المسلمات، ومثَّل بمن صار في يده من المسلمين وسمَّل أعينهم، وقطع أنوفهم وآذانهم، وبلغ المعتصم في أثناء هذه الحادثه أن امرأة هاشمية في عمورية صاحت وامعتصماه فسار في جيش عظيم وفتح عمورية واسترد زبطرة.

لكن ما كان مصير فاسد العقيدة بابك الخرمي؟ خسر الدنيا والآخرة، فتمكن منه الأشفين بحيلة حتى أسره وقاده إلى المعتصم في مدينة سامراء، وجرى تشهيره في المدينة إذ ركبوه على فيل ضخم القوائم، وجُمع الناس لرؤيته، ثم أدخل دار المعتصم وأمر المعتصم سياف بابك نفسه بقطع يديه ورجليه، ثم ذبحه ثم شق بطنه وقطع رأسه وعلقها في خراسان، وصلب جسده في سامراء. وانتهت فتنته.

قتل في هذه الفتنة ما يزيد على 255 ألف مسلم، واستمرت 22 عامًا بسبب فساد العقيدة. فصلاح العقيدة صلاح للروح والجسد وللمحيط الذي يقتات الجسد عليه قبل أن تغادره الروح. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد