نعم يا صديقى،  إنه خبر هذا الكائن شديد صفار الشعر، كثير قبائح اللسان،  إنه خبر هذا الكائن المُسمى بـ«دونالد ترامب».

وأحد الأسئلة السياسية الملحة هذه الأيام وهو:

ما هو مصير أمريكا والعالم إذا أصبح هذا «الدونالد» رئيسًا لأقوى دولة في العالم «الولايات المتحدة الأمريكية»؟

الجواب عن هذا السؤال قد يكون معقدًا إلى حد كبير،  وقد تتشعب الإجابة لتشمل تفصيلات كثيرة قد لا يتسع لها صدر القارئ الكريم. سأحاول – من خلال السطور القليلة القادمة – تقديم إجابة شاملة مبسطة عن هذا السؤال بحيث يتمكن قارئها من توقع تأثير هذا الرئيس «الدونالد» على أية تفصيلة من تفاصيل السياسة أو الاقتصاد، سواء كانت أمريكية أو عالمية. فهيا بنا إلى جولة سريعة في بحار السياسة الأمريكية والعالمية.

بداية: ما هي قوة الرئيس في النظام الأمريكي

إن معرفة سلطة الرئيس الأمريكى تعطينا فكرة عامة عما يستطيعه، وما لا يستطيعه من يتولى هذا المنصب، سواء كان «ترامب» أو غيره.

  • يبدأ الرئيس بتعيين معاونيه من أعضاء الحكومة الأمريكية من وزراء ورؤساء الهيئات الفيدرالية العامة، ومن أهمهم رئيس وكالة المخابرات المركزية الـ«CIA »، ولكن طبقًا الأمريكي،  فإنه لا يكون هذا التعيين نافذًا، إلا بعد موافقة الكونجرس الأمريكي على هذه التعيينات.
  • على المستوى المحلي، يستطيع الرئيس اقتراح مشاريع القوانين،  ولكن لابد من موافقة الكونجرس؛ كي يصبح القانون نافذًا. مثال ذلك قانون «أوباما كير» للتأمين الصحي،  والذى وافق عليه الكونجرس، واستخدمه الجمهوريون كثيرًا لنقد سياسة أوباما.
  • كذلك يستطيع الرئيس الاعتراض على أي مشروع قانون يقره الكونجرس، ولكن يستطيع الكونجرس إقرار هذا القانون، إذا حاز على أغلبية الثلثين،  وهو ما حدث في حالة قانون «جستا» المثير للجدل.
  • أما على المستوى الدولي، فالرئيس هو أعلى ممثل للشعب الأمريكي في جميع المحافل والاتفاقات الدولية، وهو كذلك القائد العام للقوات المسلحة الأمريكية.
  • للرئيس سلطة التوقيع على الاتفاقات الدولية، ولكن لا تكون هذه المعاهدات نافذة، إلا بعد تصديق مجلس الشيوخ عليها بنسبة الثلثين.
  • للرئيس سلطة استعمال القوات المسلحة الأمريكية في عمليات محدودة، إلا أن أي استخدام واسع لهذه القوات لابد له من إعلان للحرب لا يكون، إلا بموافقة الكونجرس كذلك.
  • الرئيس هو الشخص الوحيد الذي يستطيع إعطاء الأمر باستخدام الأسلحة النووية، وهذه هي سلطة الرئيس الوحيدة غير المقيدة بموافقة الكونجرس؛ لأنه من المتوقع أن لا يقوم الرئيس باستخدام هذه الأسلحة، إلا كإجراء انتقامي نتيجة تعرض الولايات المتحدة لهجوم مماثل،  ولذلك فإنه لا مجال لانتظار موافقة الكونجرس على ذلك. وقد تساءل أحد ضباط سلاح الجو الأمريكي «كيف لي أن أعرف أن قرار إطلاق هذه الأسلحة النووية صادر عن رئيس عاقل؟»، فتم تسريح هذا الضابط من الخدمة.
  • وأخيرًا فإنه لابد من موافقة الكونجرس على ميزانية الحكومة السنوية – التي يستخدمها الرئيس ووزراؤه في إنفاذ سياساتهم – وكذلك لابد من موافقة الكونجرس على أية نفقات استثنائية خارج هذه الميزانية.

الخلاصة: يمكننا من خلال النقاط السابقة استنتاج أن سلطة الرئيس الأمريكي مقيدة إلى حد كبير،  فهو ليس مطلق اليدين في انتهاج السياسات التي يريد كأي رئيس دولة استبدادية أو ملك دولة خليجية. ولذلك فإن كثيرًا من الترهات التي يتفوه بها هذا «الدونالد»، إنما هي مجرد فقاعات إعلامية، ما تلبث أن تتلاشى حين يصبح رئيسًا بالفعل. فهو لا يستطيع منع المسلمين من دخول أمريكا، ولا يستطيع القيام بحرب شاملة للقضاء على داعش، أو انتهاج سياسة اقتصادية صارمة تجاه الصين.

فما الذى يستطيعه «ترامب» يمكن أن يغير سياسة الولايات المتحدة الأمريكية؟

  • يستطيع «ترامب» إيقاف المفاوضات الأمريكية بشأن اتفاقات التجارة الدولية التي كانت تعزم حكومة أوباما توقيعها.
  • يستطيع ترامب التوجه بالسياسة الخارجية الأمريكية نحو الانفرادية بمعنى أن تقوم أمريكا بالتنصل لجميع المنظمات والأعراف الدولية، والعمل منفردة لتحقيق مصالحها، وهي مطابقة لسياسة «بوش»، والتي كلفت الولايات المتحدة خسائر اقتصادية ودبلوماسية فادحة،  وهو عكس ما قام به أوباما طوال ثمان سنوات من سياسة خارجية تشاركية تعمل من خلال التحالفات والتوافقات الدولية.
  • من المتوقع أن يفسد هذا «الدونالد» علاقة الولايات المتحدة بحلفائها قبل أعدائها. فإن لسانه السليط وهجماته المتتالية على دول الناتو وتعهداته بتقليل إسهام الولايات المتحدة في تكاليفه، يمكن أن تشل عمل هذا التحالف بالكامل.
  • يُتوقع أيضًا أن يزيد «ترامب» من الجفوة التي بدأت تتسع بالفعل بين الولايات المتحدة ودول الخليج؛ مما قد يقلل من نقوذ أمريكا في المنطقة، ويزيد مشاكلها الاقتصادية.
  • قد يدخل ترامب فى حرب اقتصدية مع الصين تتمثل في فرض الجمارك على الصادرات أو تقليل التبادل التجاري… إلخ، إلا أن سلطته في هذا المضمار، سوف تكون مقيدة إلى حد كبير بسلطة الكونجرس، كما ذكرنا من قبل.

الخلاصة: إن فكر هذا الكائن الدونالد في السياسة – كما يظهر من تصريحاته ومواقفه – يعتمد على الواقعية المطلقة،  فهو لا يؤمن إلا بالقوة، ولا يقيم وزنًا للمنظمات الدولية أو القيم الإنسانية. وهو مع ذلك ضيق الأفق شديد الجهل بأمور السياسة؛ مما قد يتيح لمستشاريه التلاعب به وتوجيهه حيث يشاءون،  كما كان الحال مع «بوش» الابن الذي تحكم به نائبه «ديك تشيني» ووزير دفاعه «رامسفيلد» ونائبه «ولفوفيتز».

لذلك يُعتقد أن تكون رئاسة «ترامب» مشابهة إلى حد كبير لرئاسة «بوش» في تفاقم الأزمات الاقتصادية الأمريكية والعالمية،  هذا مع اختلاف جوهري عن إدارة «بوش» في حجم التدخل العسكري الخارجي المباشر الذي لا يُتوقع أن يوافق عليه الكونجرس هذه المرة؛ نظرًا لمرارة التجربة في أفغانستان والعراق.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ترامب
عرض التعليقات
تحميل المزيد