تتسارع وتيرة استدانة البلدان العربية، من الدول المتقدمة والبنوك والمؤسسات والشركات الدولية، في ظل الانهيار المستمر لأسعار النفط. حيث خسر البرميل الواحد من النفط قرابة 60% من سعره، ما سيؤدي في المستقبل القريب إلى عواقب خطيرة على اقتصاديات الدول العربية الموجودة في أكبر منطقة مصدرة للنفط في العالم.

ويحذر خبراء اقتصاديون من مغبة تضخّم الديون الخارجية المترتبة على الدول العربية، خاصة الدول المصدرة للنفط، على رأسها المملكة العربية السعودية، والعراق، والكويت، والجزائر. في ظل تراجع إيرادات مصادر خدمة الدين. بفضل انهيار أسعار النفط، وتراجع صادرات السياحة والزراعة والصناعة. في وقت تزداد وتيرة الحروب والاضطرابات السياسية في المنطقة، خاصةً في العراق وسوريا واليمن وليبيا.

وتعتبر المديونية كارثة إنسانية مزمنة لأكثر من 700 مليون إنسان يصنفون في فئة الأفراد الأكثر فقرًا في العالم، وتصنف أفريقيا القارة الأكثر مديونية في العالم.

ويكمن خطر المديونية في أنها وضع يفرض على الدولة أن تنفق الكثير مما تجني من التجارة، بهدف خدمة دينها الخارجي، بدلًا من تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية. ويبقى الخطر الأكبر لفخ المديونية في الوضع الذي يفرض على الدولة الاستدانة مجددًا من أجل الوفاء بالتزاماتها اتجاه الدائنين. ما يجعل تلك الدولة تحت وصاية المؤسسات المالية الدولية: صندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، التي تقوم بإعادة جدولة الديون المتراكمة، أي تأجيلها. وتتحمل الدولة كلفة هذه المرحلة، أي إعادة الجدولة، التي تكون كلفتها أغلى من كلفة الديون نفسها، وباهظة الثمن اقتصاديًّا واجتماعيًّا وحتى سياسيًّا.

إن هذه الظروف الاقتصادية التي تفرض على الحكومات والدول الاستدانة الخارجية، تجعلها رهينة لما يعرف بالقتلة الاقتصاديين. فما معنى هذا المصطلح؟

القاتل الاقتصادي: مصطلح جديد، أدخله في أدبيات الاقتصاد والسياسة، الكاتب الأمريكي جون بيركنز من خلال كتابه «اعترافات قاتل اقتصادي» (confessions of an Economic Hit Man) الذي أصدره عام 2004.

والقتلة الاقتصاديون هم خبراء اقتصاديون، أو رجال محترفون، يتقاضون أجورًا عالية، يقومون بخداع الدول حول العالم، بعقود تبلغ تريليونات من الدولارات. من خلال تحويل الأموال التي تحصل عليها الدول من البنك الدولي والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وغيرها من المؤسسات المالية الأجنبية، إلى خزائن أغنى العائلات التي تتحكم في مصادر الثروات الطبيعية.

ويستعمل القتلة الاقتصاديون عدة أدوات في حربهم المغشوشة على الدول، من إصدار تقارير اقتصادية ومالية مزورة، وتنظيم انتخابات مزورة، وتقديم رشاوى، وابتزاز وقتل كل من يعارض خططهم.

وتعتمد خطة القتلة الاقتصاديين على مجموعة من المرتكزات هي:

1– دفع الدول والحكومات إلى الإفلاس، من خلال استدراجها إلى مصيدة الديون.

2– التلاعب بمعدلات النمو في التقارير الاقتصادية، التي يعدها خبراء أمريكيون. ويتم تضخيمها وفبركتها.

3– إقناع الحكومات وزعماء الدول بالمشاريع الاقتصادية التي تنفذها الشركات الأمريكية. وفي هذا الصدد يقول جون بيركنز في كتابه: «وظيفتي تتمثل في إقناع الدول التي تعتبر مهمة للولايات المتحدة من الناحية الإستراتيجية بقبول قروض ضخمة لتطوير البنية التحتية، والتأكد من أن المشاريع المربحة يتم التعاقد على تنفيذها مع شركات أمريكية».

4– تقديم تقديرات متفائلة جدًّا لاقتصاد الدول، وتأكيد أن اقتصادهم سيحقق نموًا كبيرًا بفضل الاستثمارات الأمريكية، ما سيمكن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والبنك الدولي من تبرير تقديم القروض لهذه الدول.

5– فرض شروط العقد على الحكومات والدول من طرف الشركات الأمريكية التي تقوم بتنفيذ المشاريع.

6– انخراط الهيئات والمنظمات الدولية، والمنظمات غير الحكومية في عملية السطو على أموال الدول والحكومات، وصنع شبكة واسعة لدعم المصالح الاقتصادية الأمريكية.

يتعامل القتلة الاقتصاديون بأسلوب الوعيد في حالة ما لم تقبل حكومات الدول بالاتفاقيات الاقتصادية المفروضة عليها، ويتم قتل وتنحية من لم يقبل بالمصيدة، مثلما حدث لمحمد مصدق في إيران، والملك فيصل في السعودية، وأربينز بغواتيمالا، وجيمي رولدوس بالإكوادور، وعمر توريخوس ببنما، وصدام حسين بالعراق.

قال جون أدامز: «إن هناك طريقتين لقهر واستعباد أمة، فالأولى عن طريق السيف والسلاح، أما الثانية عن طريق الديون». أما المنطقة العربية فقد شهدت النوعين معًا، فقد أصبحت بؤرة توتر دائم، ومركزًا للاقتتال والإرهاب. كما أنها أصبحت من أكبر الدول التي عليها دين خارجي، تفرض به القوى الكبرى منطق الاستعباد والتبعية.

لقد أصبحت المنطقة العربية جزءًا من ثروات الإمبراطورية العالمية السرية التي أسستها الشركات المالية، والبنوك الكبرى، والشركات المتعددة الجنسيات. بتواطؤ المنظمات العالمية، كصندوق النقد الدولي، والبنك العالمي، من أجل خدمة المصالح الأمريكية في شتى مناطق العالم. من خلال وسيلة الديون، التي أصبحت أداةً فعالةً من أجل صناعة مواقف سياسية واقتصادية وعسكرية، بمساهمة إمبراطورية وسائل الإعلام الموجهة. التي تخدم المشاريع الأمريكية- الصهيونية.

أصبحت اقتصاديات الدول رهينة الديون الخارجية، وأصبحت الحكومات في تلك الدول خادمة لدائنيها، ما استلزم عليهم الاستدانة من أجل دفع الديون. وأصبحت الطريق إلى تحسين ظروف الشعوب، فخًّا وشرّكًا تباع فيه المواقف، من أجل دول تبيع الوهم مقابل الديون، وتزداد غنى، ودول تدفع الديون وتزداد فقرًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد